الكاتب : الغريب
رابط البحث
1
تحيّة طيّبة،
سأحاول في هذه المقالة الاعتماد على السيرة العربيّة وحدها و قراءة الأحداث من منظور تاريخيّ نقديّ بعد إزالة الأصباغ و الماكياج عنها، و قراءة اللامقول المختفي بين السطور.
أقدّم ثلاثة مشاهد:
المشهد الأوّل: (الأبواء، بين مكّة و المدينة)
محمّد الطفل له ستّ سنوات من العمر و جالس قرب جسد أمّه التي توفّيت منذ قليل، كان يبكي عليها بكاء شديدا، فاليوم صار يتيم الأبوين بلا صدر حنون يعود إليه.
المشهد الثاني: (قرب مكّة، غار حراء)
محمّد يبلغ من العمر أربعين عاما و يسمع صوتا لا مرئيّا يكلّمه، و صار نومه متقطّعا، و يرى كوابيس مزعجة، و حين يخرج إلى الخلاء يسمع الأحجار تحدّثه، إلخ..
المشهد الثالث: (حصون بني قريظة، المدينة)
محمّد جالس مع بعض صحابته يتابعون عقاب اليهود، فيأتون بهم ثلّة ثلّة و يقطعون رؤوسهم في حفرة كبيرة، و قد تواصل المهرجان يوما كاملا حتى قتلوهم عن آخرهم ، و الروايات المقلّة تقول كانوا ستّمائة نفس، و إذا سلّمنا بأنّ اليوم يتكوّن من 14 ساعة (من شروق الشمس إلى غروبها) فإنّ المعدّل كان قطع 43 رأسا في الساعة ، و إذا طرحنا أوقات الصلاة (الاجباريّة) و فترات الراحة و هتافات الجمهور المتابعين للمهرجان فإنّنا نصل تقريبا إلى رأسين في الدقيقة، و بعدها دخل محمّد بزوجة لأحدهم و تقاسموا الغنائم و باعوا البقيّة (النساء و الصبيان)
ماالذي حدث في شخصيّة محمّد اليتيم و تحوّله من الدعوة بالحسنى في مكّة إلى الدمويّة في المدينة؟
لماذا ترك كتّاب السيرة هذه الأخبار تصلنا؟
هذه الأسئلة و غيرها سنتناولها في هذا المقال و نتتبّع التطوّر النفسيّ و الاجتماعيّ عند محمّد.
يتبع....
2
منهجي في هذا المقال هو الابتعاد قدر الإمكان عن الـ( chronocentrisme)
(و هو قراءة أو نقد التاريخ وفق ثقافتنا الحاليّة، أو إسقاط قيمنا المعاصرة على قيم أخرى في فترة ما من التاريخ) و كذلك الإبتعاد قدر الإمكان عن الـ ethnocentrisme
(و هو قراءة أو نقد التاريخ وفق ثقافتنا الحاليّة، أو إسقاط قيمنا المعاصرة على قيم أخرى في فترة ما من التاريخ) و كذلك الإبتعاد قدر الإمكان عن الـ ethnocentrisme
كما أنّي لم أعتمد على أيّ مصدر تاريخيّ غير إسلاميّ.
المراجع المستعملة جعلتها على شكل روابط مباشرة إلى المصدر إلاّ إذا كان الكتاب ورقيّا فإنّي أشير إليه كتابةً.
..................................
هناك منهجان متضادّان في قراءة البنية النفسيّة لمحمّد:
المنهج الأوّل:(لاديني)
و من مؤسّسي هذا المنهج هو Maxime Rodinson في كتابه محمّد "1" و يعتمد على الأحداث التي أسّست الشخصيّة و كيفيّة تفاعلها مع محيطها الخارجي.
المنهج الثاني: (ديني)
يتبنّاه مالك بن نبيّ "2" و يقرأ الوحي و الشخصيّة المتلقّية له من وجهة نظر ظواهريّةphénomenologique و عصبيّة-نفسيّة و يفصل بين الأنا المتلقّية و بين الوحي.
و نحن هنا سنتبنّى وجهة النظر اللادينيّة.
ليس لنا معلومات كثيرة عن طفولة محمّد و لا عن سنّ المراهقة (و هي مهمّة جدّا في تكوين الشخصيّة) و السيرة تعطينا فلاشات عن ولادته،وفاة أبيه، رضاعته،ضياعه مرّة و هو طفل فوجدوه مع ورقة بن نوفل، وفاة أمّه، خروجه مع عمّه للتجارة و هو صبيّ، تجارته و هو شابّ، زواجه من خديجة، تعبّده في غار حراء، نزول الوحي، دعوته، هجرته إلى يثرب، و هنا تحديدا تتسلّط كلّ الأضواء عليه في المدينة فأفرط كتاب السيرة في الحديث عنه حتى كادوا لا يتركون شيئا من حركاته و لا سكناته إلاّ و ذكروها.
لم تكن طفولة محمّد طفولة عاديّة فقدْ فقدَ أباه ثمّ أمّه ثمّ جدّه و هو طفل إلى أن حطّ به الرحال أخيرا في بيت عمّه عبد مناف، و قد يرى البعض أنّ هذه الطفولة الحزينة ساهمت في بثّ بعض الجروح و الاهتزازات في نفسيّة الطفل و ظلّت قابعة حينا من الزمن، و قد يرى البعض الآخر أنّ هذا كلّه كان من عند الله لتحضيره لتلقّي الوحي فيما بعد و العطف على اليتامى.
تجدر الإشارة إلى أنّ كتب السيرة بلا استثناء، لا تذكر أيّ حادثة عنف عن عمّه عبد مناف (أبو طالب) بل تقدّمه على أنّه شخص هادئ، متفهّم، حنون، و لا تذكر أيّة حالة غضب له، و هو شجاع و صاحب مبادئ، و اهتمّ بمحمّد أحسن اهتمام و حمله معه في تجارته، بل حتى حين بدأت الأفكار "العجيبة" تراود ذهن محمّد فيما بعد حين كبر، لم يتخلّ عنه و تفهّمه و حماه.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا قفز بنا كتّاب السيرة من "مشهد خروجه مع عمّه للتجارة" مباشرة إلى سنّ العشرينيّات؟ أين ذهبت فترة المراهقة؟ خاصّة إذا لاحظنا أنّ كتّاب السيرة لا يعوزهم الخيال و لا الحيلة في نسج القصص؟ و الأغرب هو أنّه لم يهتمّ أحد من المستشرقين بمحمّد المراهق و أغلبهم يركّزون على سنّ الأربعينيّات فما بعدها.
الجواب واضح:لم يهتمّوا به لأنّه لا يهمّهم فالهدف هو محمّد النبيّ و الإسلام أمّا محمّد الإنسان كطفولة و مراهقة فلا يبدو مهمّا!
و يحقّ لنا أن نتساءل ماذا كان يعمل محمّد في تلك السنّ؟ هل كان راعيا؟
يتبع......
3
عادة ما يكون الرعاة من الطبقة السفلى في المجتمع المدنيّ، و مكّة هي مدينة قائمة بذاتها و تحكمها ضرورات اقتصاديّة و تجاريّة مع البلدان الأخرى و بالتالي هناك نظام رأسماليّ يحكمها من أصحاب رؤوس المال و عبيد و وسائل نقل (الجمال) و رعاة لها و مخازن لحفظ البضاعة إلخ، لذلك فإنّه من الخطأ القول أنّ العرب تعني "البدو" فلا يمكن المقارنة بأيّ حال من الأحوال بين مكّة و الطائف و المدينة مثلا و بين تجمّعات قبليّة متناثرة تحت الخيام، بين المجتمع الحضريّ و بين مجتمع الأعراب أو البادية، و إن كانوا يشتركون في العديد من القيم المشتركة العربيّة كالولاء القبلي و الثأر و تقديم العشيرة و غيرها فإنّ هذا التشارك يتجلّي بطريقة مختلفة في البدو و الحضر.فقد يستطيع شخص بقدراته الذاتيّة- في مكّة- و دهائه و رأس ماله أن يكون من علية القوم رغم أصله المجهول كعمرو بن العاص مثلا.
فقد كان في مكّة أيضا مجلس الحكماء (senate) و الحكم لا يعود لرجل واحد فقط و إنّما بالإجماع (هذه القيم تسمّى الآن عصر الجاهليّة!) و بالطبع فإنّ التنظيم الاجتماعيّ سيكون موازيا لهذه الحركة الاقتصاديّة و يكون للمرأة دور فاعل فيها حيث نرى أيضا سيّدة أعمال "خديجة" قائمة بنفسها و تعيش وحدها دون أن تكون بالضرورة تحت قوامة رجل، بل كان منهنّ نبيّات يستطعن استنهاض قبائل كاملة، و شاعرات، بل و كان لبعض النسوة عشّاق آخرين تحت سمع المجتمع و بصره، و قد تراجع العديد من الباحثين الأجانب عن فكرة وأد البنات "1"و رأوا أنّهم عمّموها على الجزيرة العربيّة و يرون أنّها وجدت في منطقة محدودة و إثر مجاعة.
لذلك حين نتحدّث عن غزوات القبائل أو البدو أو إلخ فإنّه يجب تحديد المنطقة التي نتحدّث عنها لأنّ العلاقات الاجتماعيّة و الاقتصاديّة مختلفة من منطقة إلى أخرى و من بنية إلى أخرى. كما أنّ هذا المجتمع التجاريّ في مكّة يكون أقلّ عنفا و أكثر تهذيبا، ليس فقط من الناحية التنفيذيّة (الشرطة) و إنّما أيضا من الناحية الثقافيّة و لنا في الثلاث عشرة سنة التي قضاها محمّد في مكّة يدعو لم يتعرّض فيها لطعنة سيف أو سهم غادر من بعيد رغم مقدرتهم على ذلك و لم يتجاوز الأمر مجرّد شتائم أو مضايقات جسديّة عابرة بالأيدي لكن لم يصل إلى حدود القتل و إهدار الدم.(سنورد قصّة محاولة القتل و فداء عليّ بنفسه في أوانها)
إذن فإنّ مهنة رعي الأغنام في مجتمع رأسماليّ كمكّة تكون للطبقة العاملة و لا ترقى إلى قيمة أو قدر أصحاب المال، لكنّ المشكلة هنا هو كيف لراع أمّيّ فقير أن توظّفه امرأة أعمال في تجارتها (خديجة) و ترسله إلى البلدان الأخرى ليبيع و يشتري و يفاوض التجّار الآخرين، و هو من الطبقة الجاهلة الراعية للأغنام و لا خبرة لديه في التجارة؟
هذا يجعلنا نستبعد احتمال أن يكون راعيا(و ربّما اشتغل بالرعي مرّات عابرة) و نميل إلى أنّه كان يخرج مع القوافل و تعلّم أساليب البيع و الشراء و طبعا القراءة و الكتابة لتحرير العقود و إلاّ فإنّ خديجة ليست من البلاهة بمكان حتى ترسل تجارتها مع مبتدئ لا يفقه المهنة، و لا يكفي أن يكون أمينا و صادقا -كما جاء في السيرة- ليتمّ تكليفه بهذه المهمّة.
يتبع.....
1-René Marchand /contre enquete/طبعة 2006 /صفحة 133
فقد كان في مكّة أيضا مجلس الحكماء (senate) و الحكم لا يعود لرجل واحد فقط و إنّما بالإجماع (هذه القيم تسمّى الآن عصر الجاهليّة!) و بالطبع فإنّ التنظيم الاجتماعيّ سيكون موازيا لهذه الحركة الاقتصاديّة و يكون للمرأة دور فاعل فيها حيث نرى أيضا سيّدة أعمال "خديجة" قائمة بنفسها و تعيش وحدها دون أن تكون بالضرورة تحت قوامة رجل، بل كان منهنّ نبيّات يستطعن استنهاض قبائل كاملة، و شاعرات، بل و كان لبعض النسوة عشّاق آخرين تحت سمع المجتمع و بصره، و قد تراجع العديد من الباحثين الأجانب عن فكرة وأد البنات "1"و رأوا أنّهم عمّموها على الجزيرة العربيّة و يرون أنّها وجدت في منطقة محدودة و إثر مجاعة.
لذلك حين نتحدّث عن غزوات القبائل أو البدو أو إلخ فإنّه يجب تحديد المنطقة التي نتحدّث عنها لأنّ العلاقات الاجتماعيّة و الاقتصاديّة مختلفة من منطقة إلى أخرى و من بنية إلى أخرى. كما أنّ هذا المجتمع التجاريّ في مكّة يكون أقلّ عنفا و أكثر تهذيبا، ليس فقط من الناحية التنفيذيّة (الشرطة) و إنّما أيضا من الناحية الثقافيّة و لنا في الثلاث عشرة سنة التي قضاها محمّد في مكّة يدعو لم يتعرّض فيها لطعنة سيف أو سهم غادر من بعيد رغم مقدرتهم على ذلك و لم يتجاوز الأمر مجرّد شتائم أو مضايقات جسديّة عابرة بالأيدي لكن لم يصل إلى حدود القتل و إهدار الدم.(سنورد قصّة محاولة القتل و فداء عليّ بنفسه في أوانها)
إذن فإنّ مهنة رعي الأغنام في مجتمع رأسماليّ كمكّة تكون للطبقة العاملة و لا ترقى إلى قيمة أو قدر أصحاب المال، لكنّ المشكلة هنا هو كيف لراع أمّيّ فقير أن توظّفه امرأة أعمال في تجارتها (خديجة) و ترسله إلى البلدان الأخرى ليبيع و يشتري و يفاوض التجّار الآخرين، و هو من الطبقة الجاهلة الراعية للأغنام و لا خبرة لديه في التجارة؟
هذا يجعلنا نستبعد احتمال أن يكون راعيا(و ربّما اشتغل بالرعي مرّات عابرة) و نميل إلى أنّه كان يخرج مع القوافل و تعلّم أساليب البيع و الشراء و طبعا القراءة و الكتابة لتحرير العقود و إلاّ فإنّ خديجة ليست من البلاهة بمكان حتى ترسل تجارتها مع مبتدئ لا يفقه المهنة، و لا يكفي أن يكون أمينا و صادقا -كما جاء في السيرة- ليتمّ تكليفه بهذه المهمّة.
يتبع.....
1-René Marchand /contre enquete/طبعة 2006 /صفحة 133
4
و قد بدأ خروج محمّد مع القوافل مبكّرا حيث ذهب مع عمّه الزبير إلى اليمن و هو ابن بضع عشرة سنة،"1" و لا يخفى علينا المعلومات التي سيكتسبها في مثل هكذا رحلات خاصّة في كيفيّة سير القافلة و الإهتداء بالنجوم و الطرق الآمنة و كذلك مفاوضات البيع و الشراء، ثمّ حين توفّي عمّه كان عمر محمّد أربع عشرة سنة فانفرد بتربيته أبو طالب.
و من الجنوب ننتقل إلى الشمال، فيخرج محمّد مع عمّه أبي طالب إلى الشام للتجارة،(ربّما خرج إلى الشام قبل اليمن، المهمّ أنّه خرج!) و كلّ هذه الرحلات من شأنها أن تصقل معارف محمّد في التجارة و تسيير القوافل، فلا نعجب حينها أن تقترح عليه امرأة أعمال تملك (شركة دوليّة للإستيراد و التصدير) العمل معها، فهو يملك خبرة في الرحلات و القوافل التجاريّة منذ طفولته، فيكون فعلا الرجل المناسب و ما كان لتخطئه عين تاجرة ثريّة كخديجة.
و قبل أن نواصل الحديث عن لقائه و زواجه من خديجة نعود قليلا إلى شخصيّتين ارتبطتا بشكل ما (أو ربطهما كتّاب السيرة العبّاسيون) بمهمّته كنبيّ فيما بعد.
الشخصيّة الأولى:
ورقة بن نوفل
تظهر هذه الشخصيّة مبكّرا في السيرة و قبل ولادة محمّد، حيث أنّ أخت ورقة بن نوفل و اسمها أمّ قتال بن نوفل راودت عبد الله (أبا محمّد)عن نفسه حين كان مارّا بجانب الكعبة، لكنّه رفض دعوتها و تزوّج بآمنة بنت وهب "2" فحملت بمحمّد.
ثمّ تعود هذه الشخصيّة للظهور مرّة أخرى، حين كان محمّد طفلا، حيث افتقدته أمّه فخرجوا للبحث عنه في مكّة، فكان أن وجده ورقة ابن نوفل مع شخص آخر غير مذكور في السيرة "3"
ثمّ تظهر هذه الشخصيّة فيما بعد عند نزول الوحي، كما يعرف الجميع، و سنعود إلى تلك الأحداث في أوانها.
الشخصية التانية:
الراهب بحيرى
تظهر هذه الشخصيّة حين سافر محمّد مع عمّه إلى الشام و توقّفت القافلة ببصرى ، و انتبه لهم راهب يدعى بحيرى،و بشّر بنبوءة محمّد، و قد حذّر هذا الراهب أبا طالب قائلا:
"احذر عليه اليهود" "4"
و سنتوقّف قليلا هنا و نتساءل:
1-لماذا اليهود بالذات؟ و الحال أنّ الإسلام أقرب إلى اليهوديّة من المسيحيّة.
2-إن لم يقلها بحيرى، فلماذا قالها كاتب السيرة العباسيّ و ما هو دافعه؟
3-هل بحيرى هو شخصيّة تاريخيّة حقيقيّة؟
الظاهر أنّ الكاتب العباسيّ يسقط أحداث عصره على الماضي، نظرا لعدم الثقة التي كانت قائمة بين العرب و اليهود بعد الإسلام، و هذا الوضع لم يكن كذلك من قبل فقد كان اليهود يعيشون مع العرب جنبا لجنب قبل الإسلام، في اليمن، و في يثرب، إلخ
أمّا بحيرى فهو شخصيّة ليست مثبتة تاريخيّا، و ربّما وجدت فعلا، لكن -و في غياب الدلائل- فإنّنا سنتناول الأمر من وجهة نظر أخرى.
بالنسبة لذكر بحيرى في التراث الإسلامي فإنّ الغرض منه واضح و هو الإشارة إلى أنّ نبوّة محمّد كانت منتظرة من العديد من رجال الدين، كما أنّ هذا المنتظر يحمل علامات جسديّة معيّنة يُعرف بها -و هو ما لاحظه بحيرى- و هذا الربط بين "المختار المنتظر" و بين العلامات الجسديّة هو في الأصل مأخوذ من التراث اليهوديّ كمخطوطة قمران رقم 4Q534بالعبريّة"5"
و لفظ بحيرى بالسريانيّة يعني "المجرَّب" "6" و بالعبريّة يعني "المختار" و بالعربيّة "كثير العلم" ، و إن صحّ أنّ بحيرى هو راهب نسطوريّ سريانيّ فإنّ لقبه "المجرّب" هو الأصحّ، بيد أنّه تمّ أخذ هذا الإسم فيما بعد من الطرف المسيحيّ و ربطوه بكتاب "قيامة دانيال" المكتوب في بداية الألفيّة الأولى و الذي يذكر فيه الإسم على مقطعين بحير-رع :בחיר רע
أي "مختار الشرّ" كإشارة إلى تعليم هذا الراهب لمحمّد و بداية الشرّ أي الإسلام، كما تمّت كتابة "قيامة بحيرى" يتحدّث فيها الكاتب أنّ بحيرى علّم محمّدا، و هذا الكتاب منسوب لتلميذ بحيرى لكنّه يفتقد تماما للمصداقيّة التاريخيّة،حيث أنّ أقدم نسخة تعود للقرن التاسع ميلادي بالسريانيّة "7" و توجد اختلافات عديدة بين جميع النسخ العربيّة و السريانيّة و العبريّة و الأرمينيّة و اللاتينيّة، كما يذكر فيها اسماء الخلفاء العبّاسيّين تحت اسم موسى و هارون، في إشارة إلى موسى المهدي و هارون الرشيد. و مع ذلك فإنّ أقدم ذكر لبحيرى نفسه يعود لسنة 670 ميلادي "7"
يتبع......
...................................
1-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثاني
2-الطبري/تاريخ الرسل و الملوك/ص 367
3-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثاني
4-الطبري/تاريخ الرسل و الملوك/ص 382
5-les manuscrits de la mer morte/michael wise
طبعة 2001 /دار Plon/صفحة 555 مع مخطوطات تنشر لأوّل مرّة، و قد جاء في هذه المخطوطة:
[..]على اليد، علامـ[تان] ، علامة أن يكون شعره أصهب، و تكون له شامة على [..] و على فخذه علامات صغيرة غير متشابهة.
6-nau francois/l'expension nestorienne en asie/طبعة 1913/باريس/صفحة 215/هامش1
7-seeing islam as others saw it/robert hoyland/طبعة 1997/الولايات المتّحدة/ صفحة 476/هامش 72
و من الجنوب ننتقل إلى الشمال، فيخرج محمّد مع عمّه أبي طالب إلى الشام للتجارة،(ربّما خرج إلى الشام قبل اليمن، المهمّ أنّه خرج!) و كلّ هذه الرحلات من شأنها أن تصقل معارف محمّد في التجارة و تسيير القوافل، فلا نعجب حينها أن تقترح عليه امرأة أعمال تملك (شركة دوليّة للإستيراد و التصدير) العمل معها، فهو يملك خبرة في الرحلات و القوافل التجاريّة منذ طفولته، فيكون فعلا الرجل المناسب و ما كان لتخطئه عين تاجرة ثريّة كخديجة.
و قبل أن نواصل الحديث عن لقائه و زواجه من خديجة نعود قليلا إلى شخصيّتين ارتبطتا بشكل ما (أو ربطهما كتّاب السيرة العبّاسيون) بمهمّته كنبيّ فيما بعد.
الشخصيّة الأولى:
ورقة بن نوفل
تظهر هذه الشخصيّة مبكّرا في السيرة و قبل ولادة محمّد، حيث أنّ أخت ورقة بن نوفل و اسمها أمّ قتال بن نوفل راودت عبد الله (أبا محمّد)عن نفسه حين كان مارّا بجانب الكعبة، لكنّه رفض دعوتها و تزوّج بآمنة بنت وهب "2" فحملت بمحمّد.
ثمّ تعود هذه الشخصيّة للظهور مرّة أخرى، حين كان محمّد طفلا، حيث افتقدته أمّه فخرجوا للبحث عنه في مكّة، فكان أن وجده ورقة ابن نوفل مع شخص آخر غير مذكور في السيرة "3"
ثمّ تظهر هذه الشخصيّة فيما بعد عند نزول الوحي، كما يعرف الجميع، و سنعود إلى تلك الأحداث في أوانها.
الشخصية التانية:
الراهب بحيرى
تظهر هذه الشخصيّة حين سافر محمّد مع عمّه إلى الشام و توقّفت القافلة ببصرى ، و انتبه لهم راهب يدعى بحيرى،و بشّر بنبوءة محمّد، و قد حذّر هذا الراهب أبا طالب قائلا:
"احذر عليه اليهود" "4"
و سنتوقّف قليلا هنا و نتساءل:
1-لماذا اليهود بالذات؟ و الحال أنّ الإسلام أقرب إلى اليهوديّة من المسيحيّة.
2-إن لم يقلها بحيرى، فلماذا قالها كاتب السيرة العباسيّ و ما هو دافعه؟
3-هل بحيرى هو شخصيّة تاريخيّة حقيقيّة؟
الظاهر أنّ الكاتب العباسيّ يسقط أحداث عصره على الماضي، نظرا لعدم الثقة التي كانت قائمة بين العرب و اليهود بعد الإسلام، و هذا الوضع لم يكن كذلك من قبل فقد كان اليهود يعيشون مع العرب جنبا لجنب قبل الإسلام، في اليمن، و في يثرب، إلخ
أمّا بحيرى فهو شخصيّة ليست مثبتة تاريخيّا، و ربّما وجدت فعلا، لكن -و في غياب الدلائل- فإنّنا سنتناول الأمر من وجهة نظر أخرى.
بالنسبة لذكر بحيرى في التراث الإسلامي فإنّ الغرض منه واضح و هو الإشارة إلى أنّ نبوّة محمّد كانت منتظرة من العديد من رجال الدين، كما أنّ هذا المنتظر يحمل علامات جسديّة معيّنة يُعرف بها -و هو ما لاحظه بحيرى- و هذا الربط بين "المختار المنتظر" و بين العلامات الجسديّة هو في الأصل مأخوذ من التراث اليهوديّ كمخطوطة قمران رقم 4Q534بالعبريّة"5"
و لفظ بحيرى بالسريانيّة يعني "المجرَّب" "6" و بالعبريّة يعني "المختار" و بالعربيّة "كثير العلم" ، و إن صحّ أنّ بحيرى هو راهب نسطوريّ سريانيّ فإنّ لقبه "المجرّب" هو الأصحّ، بيد أنّه تمّ أخذ هذا الإسم فيما بعد من الطرف المسيحيّ و ربطوه بكتاب "قيامة دانيال" المكتوب في بداية الألفيّة الأولى و الذي يذكر فيه الإسم على مقطعين بحير-رع :בחיר רע
أي "مختار الشرّ" كإشارة إلى تعليم هذا الراهب لمحمّد و بداية الشرّ أي الإسلام، كما تمّت كتابة "قيامة بحيرى" يتحدّث فيها الكاتب أنّ بحيرى علّم محمّدا، و هذا الكتاب منسوب لتلميذ بحيرى لكنّه يفتقد تماما للمصداقيّة التاريخيّة،حيث أنّ أقدم نسخة تعود للقرن التاسع ميلادي بالسريانيّة "7" و توجد اختلافات عديدة بين جميع النسخ العربيّة و السريانيّة و العبريّة و الأرمينيّة و اللاتينيّة، كما يذكر فيها اسماء الخلفاء العبّاسيّين تحت اسم موسى و هارون، في إشارة إلى موسى المهدي و هارون الرشيد. و مع ذلك فإنّ أقدم ذكر لبحيرى نفسه يعود لسنة 670 ميلادي "7"
يتبع......
...................................
1-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثاني
2-الطبري/تاريخ الرسل و الملوك/ص 367
3-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثاني
4-الطبري/تاريخ الرسل و الملوك/ص 382
5-les manuscrits de la mer morte/michael wise
طبعة 2001 /دار Plon/صفحة 555 مع مخطوطات تنشر لأوّل مرّة، و قد جاء في هذه المخطوطة:
[..]على اليد، علامـ[تان] ، علامة أن يكون شعره أصهب، و تكون له شامة على [..] و على فخذه علامات صغيرة غير متشابهة.
6-nau francois/l'expension nestorienne en asie/طبعة 1913/باريس/صفحة 215/هامش1
7-seeing islam as others saw it/robert hoyland/طبعة 1997/الولايات المتّحدة/ صفحة 476/هامش 72
5
أن يذكر لنا كتّاب السيرة، بعض الحوادث عن طفولة محمّد تدعّم نبوّته، كحلم آمنة، و حادثة شقّ صدره، و تنبّئ بحيرى بشأنه العظيم، فهذا أمر مفهوم و يدخل في باب الصورة التي يجب تقديمها عن محمّد، لكن لماذا تمّ ذكر حادثة ضياعه و هو طفل و عثور ورقة بن نوفل عليه؟
لماذا لم يذكروا إلاّ هذه المعلومة- من ضمن المعلومات النادرة -التي وصلتنا عن طفولته؟ و لماذا ورقة بن نوفل بالذات؟
لا جواب لنا.
و بعد هذه الفلاشات السريعة التي تقدّمها لنا السيرة عن طفولته -و التي لا تفيدنا في شيء- إلاّ ، ربّما، حادثة واحدة حينما كان يلعب مع الصبية و هو طفل فيرفعون ثيابهم لحمل الحجارة و كان محمّد يفعل مثلهم، فيكشفون عن عوراتهم، و فجأة شعر محمّد بشخص غير مرئيّ يلكمه قائلا:"شدّ عليك إزارك" ، قال: (أي محمّد) : فأخذته فشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري علي من بين أصحابي. "1" ، هذه القصّة -كما يقول ابن كثير في الصفحة نفسها- تتكرّر مرّة ثانية مع محمّد و هو شاب أثناء بناء الكعبة و كان ينقل الحجارة مع عمّه العبّاس و يرفع أيضا إزاره، و يرويها عمّه قائلا:"
قال: وأفردت قريش رجلين رجلين، الرجال ينقلون الحجارة، وكانت النساء تنقل الشيد، قال: فكنت أنا وابن أخي، وكنا نحمل على رقابنا، وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس أئتزرنا، فبينما أنا أمشي ومحمد أمامي، قال: فخر وانبطح على وجهه، فجئت أسعى وألقيت حجري، وهو ينظر إلى السماء فقلت:، ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره قال:
((إني نهيت أن أمشي عرياناً)).
قال: وكنت أكتمها من الناس مخافة أن يقولوا مجنون. "2"
نلاحظ الحضور القويّ للوازع الأخلاقيّ عند محمّد منذ شبابه في الرواية الثانية حتى أنّه سقط على الأرض و عيناه شاخصتان إلى السماء، كما أنّ هذه الهواتف أو الكائنات غير المرئيّة كانت تظهر له منذ بداية شبابه، و هو يكتمها عن الناس مخافة اتّهامه بالجنون، و ستزداد هذه "الرؤى" حدّة مع الوقت و تتمظهر في أشكال مختلفة فيما بعد، كسماعه لتسبيح الحصى، و تسليم الحجارة عليه حين يخرج إلى الخلاء، و طبعا رؤيته لجبريل، و سماع هواتف غير مرئيّة، إلخ، و هي ما يفسرها المنحى الديني بالوحي و النبوءة، بينما يفسرها المنحى العلمي بالشيزوفرينيا و تنطبق على أغلب الأنبياء الصادقين الذين لا يدّعون النبوّة كذبا و ليس فقط على محمّد، و قد حدث منذ سنوات أن نزل شخص إلى الشارع في نيويورك و بدأ في إطلاق النار على المارة، و حين ألقت الشرطة القبض عليه، أخبرهم أنّه سمع هواتف تأمره بذلك، و أنّه ينفّذ أمر الربّ، و طبعا حملوه مباشرة إلى مستشفى الأمراض العقليّة.
إذن، فإنّ محمّدا الذي يملك خبرة في التجارة بفضل رحلاته مع القوافل، "3" يلتحق للعمل مع خديجة، و يساهم في تحقيق أرباح لها، ممّا يدلّ على حنكته و إتقانه لمهنته.
الزواج:
يبدو للبعض أنّ زواج محمّد من خديجة هو زواج مصلحة، أي لأجل مالها، خاصّة أنّه شاب ابن خمس و عشرين سنة و هي ابنة أربعين سنة "4"، و هذا الكلام منطقيّ لكنّه لا يلمس الأمر من جميع جوانبه. فمن هي خديجة؟
هي خديجة بنت خويلد بنت أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب.
و محمّد هو ابن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب
فالإثنان يشتركان في جدّهما قصيّ مع بني أميّة و هذا رسم توضيحيّ:
(لم أستطع رسم الجدول مباشرة هنا فرسمته عندي على excel و نقلته كصورة)

يتبع....
................
1-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثاني.
2-المصدر السابق.
3-لا يذكر كتّاب السيرة احتكاكه بالديانات الأخرى، و حتى لقاؤه مع بحيرى مرّة و نسطور مرّة أخرى يبدو عابرا، و كأنّهم يحاولون قدر الإمكان تجنّب أن يكون محمّد يعرف شيئا قبل القرآن، رغم أنّه قد يدخل في حوارات مع أصحاب الديانات الأخرى أثناء البيع و الشراء ، على الأقلّ بدافع الفضول، أو تجاذب أطراف الحديث، ناهيك عن احتكاك أهل مكّة بالديانات الأخرى ممّا يوفّر معرفة سطحيّة على الأقلّ لهم باليهوديّة و المسيحيّة و الزرادشتيّة.
4-بعض الروايات تقول كان عمرها خمسا و ثلاثين، و بعضها تقول كان عمرها خمسا و عشرين، (راجع البداية و النهاية/الجزء الثاني)
لماذا لم يذكروا إلاّ هذه المعلومة- من ضمن المعلومات النادرة -التي وصلتنا عن طفولته؟ و لماذا ورقة بن نوفل بالذات؟
لا جواب لنا.
و بعد هذه الفلاشات السريعة التي تقدّمها لنا السيرة عن طفولته -و التي لا تفيدنا في شيء- إلاّ ، ربّما، حادثة واحدة حينما كان يلعب مع الصبية و هو طفل فيرفعون ثيابهم لحمل الحجارة و كان محمّد يفعل مثلهم، فيكشفون عن عوراتهم، و فجأة شعر محمّد بشخص غير مرئيّ يلكمه قائلا:"شدّ عليك إزارك" ، قال: (أي محمّد) : فأخذته فشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري علي من بين أصحابي. "1" ، هذه القصّة -كما يقول ابن كثير في الصفحة نفسها- تتكرّر مرّة ثانية مع محمّد و هو شاب أثناء بناء الكعبة و كان ينقل الحجارة مع عمّه العبّاس و يرفع أيضا إزاره، و يرويها عمّه قائلا:"
قال: وأفردت قريش رجلين رجلين، الرجال ينقلون الحجارة، وكانت النساء تنقل الشيد، قال: فكنت أنا وابن أخي، وكنا نحمل على رقابنا، وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس أئتزرنا، فبينما أنا أمشي ومحمد أمامي، قال: فخر وانبطح على وجهه، فجئت أسعى وألقيت حجري، وهو ينظر إلى السماء فقلت:، ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره قال:
((إني نهيت أن أمشي عرياناً)).
قال: وكنت أكتمها من الناس مخافة أن يقولوا مجنون. "2"
نلاحظ الحضور القويّ للوازع الأخلاقيّ عند محمّد منذ شبابه في الرواية الثانية حتى أنّه سقط على الأرض و عيناه شاخصتان إلى السماء، كما أنّ هذه الهواتف أو الكائنات غير المرئيّة كانت تظهر له منذ بداية شبابه، و هو يكتمها عن الناس مخافة اتّهامه بالجنون، و ستزداد هذه "الرؤى" حدّة مع الوقت و تتمظهر في أشكال مختلفة فيما بعد، كسماعه لتسبيح الحصى، و تسليم الحجارة عليه حين يخرج إلى الخلاء، و طبعا رؤيته لجبريل، و سماع هواتف غير مرئيّة، إلخ، و هي ما يفسرها المنحى الديني بالوحي و النبوءة، بينما يفسرها المنحى العلمي بالشيزوفرينيا و تنطبق على أغلب الأنبياء الصادقين الذين لا يدّعون النبوّة كذبا و ليس فقط على محمّد، و قد حدث منذ سنوات أن نزل شخص إلى الشارع في نيويورك و بدأ في إطلاق النار على المارة، و حين ألقت الشرطة القبض عليه، أخبرهم أنّه سمع هواتف تأمره بذلك، و أنّه ينفّذ أمر الربّ، و طبعا حملوه مباشرة إلى مستشفى الأمراض العقليّة.
إذن، فإنّ محمّدا الذي يملك خبرة في التجارة بفضل رحلاته مع القوافل، "3" يلتحق للعمل مع خديجة، و يساهم في تحقيق أرباح لها، ممّا يدلّ على حنكته و إتقانه لمهنته.
الزواج:
يبدو للبعض أنّ زواج محمّد من خديجة هو زواج مصلحة، أي لأجل مالها، خاصّة أنّه شاب ابن خمس و عشرين سنة و هي ابنة أربعين سنة "4"، و هذا الكلام منطقيّ لكنّه لا يلمس الأمر من جميع جوانبه. فمن هي خديجة؟
هي خديجة بنت خويلد بنت أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب.
و محمّد هو ابن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب
فالإثنان يشتركان في جدّهما قصيّ مع بني أميّة و هذا رسم توضيحيّ:
(لم أستطع رسم الجدول مباشرة هنا فرسمته عندي على excel و نقلته كصورة)

يتبع....
................
1-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثاني.
2-المصدر السابق.
3-لا يذكر كتّاب السيرة احتكاكه بالديانات الأخرى، و حتى لقاؤه مع بحيرى مرّة و نسطور مرّة أخرى يبدو عابرا، و كأنّهم يحاولون قدر الإمكان تجنّب أن يكون محمّد يعرف شيئا قبل القرآن، رغم أنّه قد يدخل في حوارات مع أصحاب الديانات الأخرى أثناء البيع و الشراء ، على الأقلّ بدافع الفضول، أو تجاذب أطراف الحديث، ناهيك عن احتكاك أهل مكّة بالديانات الأخرى ممّا يوفّر معرفة سطحيّة على الأقلّ لهم باليهوديّة و المسيحيّة و الزرادشتيّة.
4-بعض الروايات تقول كان عمرها خمسا و ثلاثين، و بعضها تقول كان عمرها خمسا و عشرين، (راجع البداية و النهاية/الجزء الثاني)
6
خديجة بنت خويلد كانت متزوّجة برجلين من قبل أن تتزوّج بمحمّد:
عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم و أنجبت منه فتاة اسمها هند تزوّجت فيما بعد بابن عمّها صيفيّ بن أميّة "1".
و زوجها الثاني النباش بن زرارة و كنيته أبو هالة و أنجبت منه طفلين "2":هند (و هو ذكر) و هالة (و هو ذكر)و هناك اختلاف في الروايات في هذا الأمر
و عتيق، زوج خديجة الأوّل،(أو الثاني حسب الروايات) هو ابن عمّ الوليد بن المغيرة و هشام بن المغيرة والد أبي جهل.
لماذا تزوّج محمّد من خديجة؟
الجواب واضح:هو فقير و هي غنيّة
و لنا أن نتساءل أيضا:لماذا تزوّجت خديجة من محمّد؟
هي ليست بالفتاة الصغيرة الغريرة التي يستطيع شاب التأثير عليها كما أنّها تعرف الوضعيّة الإقتصاديّة لمحمّد بما أنّه يعمل عندها و هي لها تجربة في الحياة و تزوّجت مرّتين من قبل، فما الذي يدعو امرأة تاجرة و غنيّة مثلها إلى الزواج بشابّ صغير؟
لنضع الاحتمالات:
هل وقعت في حبّه؟
بعض الروايات تقول هذا، حيث أعجبت بأخلاقه و أمانته، لم لا؟ لكن خلف هذه الفتاة العاشقة توجد امرأة مجرّبة و حازمة أيضا و لا يوجد ما ينبئ في السيرة عن علاقة حبّ و هيام بينهما فتذهب ركضا و ترتمي تحت قدميه و يتبادلان الأشعار و رسائل الغرام.
هل كان جميلا فأرادته في فراشها؟
هي ليست محتاجة للزواج كي يكون لها عشيق، فحالتها الإقتصاديّة المستقلّة تسمح لها أن تتّخذ علاقة مع شخص من علية القوم دون زواج، خاصّة أنّ المجتمع المكّي كان يشهد هذه العلاقات حتى بين المتزوّجين، كالإشاعة التي تتحدّث عن علاقة عمر بن الخطّاب و هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان قبل الإسلام.
هل كانت تحتاج رجلا في حياتها؟
هذا هو الإحتمال الأقرب للمنطق، تحتاج رجلا يعينها على تربية الأطفال، ينوبها في أعمال التجارة، يطوّر لها مؤسّستها التجاريّة بسهولة بما أنّه رجل و مفاوضاته مع التجّار الرجال ستكون أسهل و قدرته على السفر جنوبا و شمالا، كما أنّها لا تستطيع ترك أبنائها و الذهاب بنفسها في رحلات شاقّة، فزواجها منه هو مصلحة لها أيضا و محمّد كذلك من عائلة عريقة و شريفة في مكّة و إن كان هو يستفيد من ثرائها فهي تستفيد من خبرته التجاريّة و شرف عائلته
يقول الطبري "3"
كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة تاجرةً، ذات شرف ومال، تستتجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه، وكانت قريشٌ قوماً تجاراً
[نلاحظ هنا حاجتها لشخص أمين تثق به، و يا حبّذا لو كان زوجا لها لتمتين الروابط.]
وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة؛(..) فقالت له - فيما يزعمون - : يا بن عم، إنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك، وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك. ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً؛ كل قومهما كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليها.
فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن عبد المطلب عمه؛ حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها
و محمّد لم يتزوّج بها من أجل مصلحة ماليّة فقط، بل و مصلحة نفسيّة أيضا، فهو يتيم الأمّ، و خديجة تكبره كثيرا فهي زوجة و أمّ أيضا، و لم يكن يردّ لها طلبا كما جاء في السيرة، فمحمّد يعوّض هذا الجانب النفسيّ، خاصّة إذا رأينا لجوءه إليها و احتماءه بها حين نزل عليه الوحي أوّل مرّة، فهي زوجته و أمّه.
يتبع...
..................................
1-الإصابة في تمييز الصحابة/الجزء الثامن
2-أسد الغابة في معرفة الصحابة/كتاب النساء
3-تاريخ الرسل و الملوك/صفحة 383
عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم و أنجبت منه فتاة اسمها هند تزوّجت فيما بعد بابن عمّها صيفيّ بن أميّة "1".
و زوجها الثاني النباش بن زرارة و كنيته أبو هالة و أنجبت منه طفلين "2":هند (و هو ذكر) و هالة (و هو ذكر)و هناك اختلاف في الروايات في هذا الأمر
و عتيق، زوج خديجة الأوّل،(أو الثاني حسب الروايات) هو ابن عمّ الوليد بن المغيرة و هشام بن المغيرة والد أبي جهل.
لماذا تزوّج محمّد من خديجة؟
الجواب واضح:هو فقير و هي غنيّة
و لنا أن نتساءل أيضا:لماذا تزوّجت خديجة من محمّد؟
هي ليست بالفتاة الصغيرة الغريرة التي يستطيع شاب التأثير عليها كما أنّها تعرف الوضعيّة الإقتصاديّة لمحمّد بما أنّه يعمل عندها و هي لها تجربة في الحياة و تزوّجت مرّتين من قبل، فما الذي يدعو امرأة تاجرة و غنيّة مثلها إلى الزواج بشابّ صغير؟
لنضع الاحتمالات:
هل وقعت في حبّه؟
بعض الروايات تقول هذا، حيث أعجبت بأخلاقه و أمانته، لم لا؟ لكن خلف هذه الفتاة العاشقة توجد امرأة مجرّبة و حازمة أيضا و لا يوجد ما ينبئ في السيرة عن علاقة حبّ و هيام بينهما فتذهب ركضا و ترتمي تحت قدميه و يتبادلان الأشعار و رسائل الغرام.
هل كان جميلا فأرادته في فراشها؟
هي ليست محتاجة للزواج كي يكون لها عشيق، فحالتها الإقتصاديّة المستقلّة تسمح لها أن تتّخذ علاقة مع شخص من علية القوم دون زواج، خاصّة أنّ المجتمع المكّي كان يشهد هذه العلاقات حتى بين المتزوّجين، كالإشاعة التي تتحدّث عن علاقة عمر بن الخطّاب و هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان قبل الإسلام.
هل كانت تحتاج رجلا في حياتها؟
هذا هو الإحتمال الأقرب للمنطق، تحتاج رجلا يعينها على تربية الأطفال، ينوبها في أعمال التجارة، يطوّر لها مؤسّستها التجاريّة بسهولة بما أنّه رجل و مفاوضاته مع التجّار الرجال ستكون أسهل و قدرته على السفر جنوبا و شمالا، كما أنّها لا تستطيع ترك أبنائها و الذهاب بنفسها في رحلات شاقّة، فزواجها منه هو مصلحة لها أيضا و محمّد كذلك من عائلة عريقة و شريفة في مكّة و إن كان هو يستفيد من ثرائها فهي تستفيد من خبرته التجاريّة و شرف عائلته
يقول الطبري "3"
كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة تاجرةً، ذات شرف ومال، تستتجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه، وكانت قريشٌ قوماً تجاراً
[نلاحظ هنا حاجتها لشخص أمين تثق به، و يا حبّذا لو كان زوجا لها لتمتين الروابط.]
وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة؛(..) فقالت له - فيما يزعمون - : يا بن عم، إنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك، وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك. ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً؛ كل قومهما كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليها.
فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن عبد المطلب عمه؛ حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها
و محمّد لم يتزوّج بها من أجل مصلحة ماليّة فقط، بل و مصلحة نفسيّة أيضا، فهو يتيم الأمّ، و خديجة تكبره كثيرا فهي زوجة و أمّ أيضا، و لم يكن يردّ لها طلبا كما جاء في السيرة، فمحمّد يعوّض هذا الجانب النفسيّ، خاصّة إذا رأينا لجوءه إليها و احتماءه بها حين نزل عليه الوحي أوّل مرّة، فهي زوجته و أمّه.
يتبع...
..................................
1-الإصابة في تمييز الصحابة/الجزء الثامن
2-أسد الغابة في معرفة الصحابة/كتاب النساء
3-تاريخ الرسل و الملوك/صفحة 383
7
بعد زواج محمّد من خديجة، يقفز كتّاب السيرة خمس عشرة سنة إلى سنّ الأربعين وقت نزول الوحي و كأنّهم كانوا ينتظرون بفارغ الصبر الوصول إلى هذه المرحلة، ربّما بسبب نقص المعلومات لديهم قبل نزول الوحي فحاولوا قدر جهدهم تأليف بعض القصص المبشّرة بالنبوّة في سياق أدبيّ تصاعديّ.
و بين زواج محمّد و نبوّته يذكرون لنا حادثة مروره بقريش أثناء بناء الكعبة و اختلافهم فيمن ينال شرف رفع الحجر الأسود (النيزك) و وضعه في موضعه، فاتّفقوا على تحكيم أوّل عابر ، فكان -و يا محاسن الصدف- محمّد أوّل عابر (نلاحظ هنا أنّ تحكيمه -إن صحّ- وقع مصادفة)
و دون هذه الحادثة ، لا شيء.
هل ذكروا على الأقلّ شيئا عن تجارته و هل كبرت أم توسّعت أم أفلست؟
لا.
هل ذكروا شيئا عن حياته الإجتماعيّة؟
لا أيضا.
إنّهم ينتظرون سنّ الأربعين و فترة نزول الوحي و يقفزون السنوات قفزا، رغم قدرتهم الأدبيّة على نسج القصص و حبكها.
فقط نعلم أنّ خديجة وهبت (أهدت) لزوجها محمّد، مولى سريانيّا اسمه زيد بن حارثة،(الذي سيتزوّج محمّد امرأته فيما بعد) و لا يبدو أنّ محمّدا قد تمتّع بثروة خديجة، فلا تذكر السيرة أنّه اشترى دوابا أو امتلك عقارا أو أرضا ، كما أنّه لم يتزوّج عليها طيلة حياته معها، (هل كان عقد الزواج ينصّ على هذا؟) رغم رغبته الشديدة في ولد أو أولاد ذكور -كأيّ رجل عربيّ- و قد أنجب ستّة أولاد منها (ذكرين توفّيا صغارا و أربع بنات) و نلاحظ هنا تشبّث خديجة بزوجها و رغبتها في منحه طفلا ذكرا، فهي تجازف بحياتها رغم سنّها المتأخّرة و تحبل أربع مرّات ، و في كلّ مرّة كان المولود بنتا، و النساء في ذلك الزمن يعرفن خطورة الحمل في مثل هكذا سنّ و يعرفن أيضا كيفيّة منع الحمل، و رغم ذلك فخديجة كانت تريد منح زوجها ولدا ذكرا.
يرى البعض أنّ محمّدا كان تزوّج خديجة على الطريقة المسيحيّة و أنّ ورقة بن نوفل هو من كتب عقد القران، لذلك فلا يحقّ له الزواج بغيرها، و نحن نعارض هذا الكلام لضعفه الشديد و نرجّح أنّ ورقة و محمّدا كانا من الأبيونيّين و يؤمنان بالناموس الذي أنزل على موسى، و يحلّل التلمود الزواج بأربع نساء، و على كلّ حال لن نناقش المنطلقات العقائديّة لمحمّد في هذه السلسلة و سنقتصر فقط على المنطلقات النفسيّة.
ربّما كان عقد القران ينصّ على منعه من الزواج بأخرى و كانت خديجة لا ترضى بامرأة أخرى تقاسمها زوجها، لكنّ عدم إنجاب ذكر له ثقل نفسيّ على محمّد، حتى أنّ هناك من سينعته بالأبتر فيما بعد. و هذا قد يولّد شعورا باطنيّا بالظلم و بالحزن خاصّة حين تصبح زوجته عجوزا أو كما قالت عائشة:"وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين" (كأنّ عائشة تتهكّم من خديجة هنا و تنعتها بحمراء الشدقين، ربّما تقصد أنّها كانت تضع أحمر الشفاه و هي عجوز) ، هذا الشعور بالظلم يدفع محمّدا إلى الإنعزال الإجتماعيّ فيما بعد، فيتحنّث في غار حراء.
و قد أنجب زينب و عمره ثلاثون عاما و تزوّجت من أبي العاص بن الربيع "1" قبل نزول الوحي، و نلاحظ هنا أنّها تزوّجت دون سنّ العاشرة، و كذلك فاطمة تزوّجت بعليّ دون سنّ العاشرة، ممّا يجعلنا نرجّح أنّ زواج البنات في تلك السنّ كان أمرا شائعا و عاديّا، و بالتالي ليس بدعة أن يتزوّج محمّد بعائشة ذات التسع سنين، و هو ما ينقده العديدون لكن هذا خطأ لأنّنا نسقط قيم عصرنا على عصر آخر. و هو ما يسمّى في قراءة التاريخ: كرونوصونتريزم.
و قد تزوّج (خطوبة فقط؟) رقيّة و أمّ كلثوم من ابني أبي لهب، و الذان طلّقاهما فيما بعد حين تنبّأ محمّد، أمّا أبو العاص بن الربيع فلم يطلّق زينب، و قد كانا يحبّان بعضيهما و يقول الطبري "2"
وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع؛ إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر على أن يفرق بينهما؛ فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه
و قد وقع زوج زينب في الأسر يوم بدر ، فأرسلت تفديه، (و نرى هنا شدّة تعلّقهما) يقول "3" :
لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص ابن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها.
قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقةً شديدةً، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا ! فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.
الصدمة: نزول الوحي.
انطلاقا من هنا سنبدأ في تحليل النفسيّة.
يتبع.......
............................................................
1-تاريخ الطبري/صفحة 455
2-المصدر السابق
3-المصدر السابق/صفحة 456
و بين زواج محمّد و نبوّته يذكرون لنا حادثة مروره بقريش أثناء بناء الكعبة و اختلافهم فيمن ينال شرف رفع الحجر الأسود (النيزك) و وضعه في موضعه، فاتّفقوا على تحكيم أوّل عابر ، فكان -و يا محاسن الصدف- محمّد أوّل عابر (نلاحظ هنا أنّ تحكيمه -إن صحّ- وقع مصادفة)
و دون هذه الحادثة ، لا شيء.
هل ذكروا على الأقلّ شيئا عن تجارته و هل كبرت أم توسّعت أم أفلست؟
لا.
هل ذكروا شيئا عن حياته الإجتماعيّة؟
لا أيضا.
إنّهم ينتظرون سنّ الأربعين و فترة نزول الوحي و يقفزون السنوات قفزا، رغم قدرتهم الأدبيّة على نسج القصص و حبكها.
فقط نعلم أنّ خديجة وهبت (أهدت) لزوجها محمّد، مولى سريانيّا اسمه زيد بن حارثة،(الذي سيتزوّج محمّد امرأته فيما بعد) و لا يبدو أنّ محمّدا قد تمتّع بثروة خديجة، فلا تذكر السيرة أنّه اشترى دوابا أو امتلك عقارا أو أرضا ، كما أنّه لم يتزوّج عليها طيلة حياته معها، (هل كان عقد الزواج ينصّ على هذا؟) رغم رغبته الشديدة في ولد أو أولاد ذكور -كأيّ رجل عربيّ- و قد أنجب ستّة أولاد منها (ذكرين توفّيا صغارا و أربع بنات) و نلاحظ هنا تشبّث خديجة بزوجها و رغبتها في منحه طفلا ذكرا، فهي تجازف بحياتها رغم سنّها المتأخّرة و تحبل أربع مرّات ، و في كلّ مرّة كان المولود بنتا، و النساء في ذلك الزمن يعرفن خطورة الحمل في مثل هكذا سنّ و يعرفن أيضا كيفيّة منع الحمل، و رغم ذلك فخديجة كانت تريد منح زوجها ولدا ذكرا.
يرى البعض أنّ محمّدا كان تزوّج خديجة على الطريقة المسيحيّة و أنّ ورقة بن نوفل هو من كتب عقد القران، لذلك فلا يحقّ له الزواج بغيرها، و نحن نعارض هذا الكلام لضعفه الشديد و نرجّح أنّ ورقة و محمّدا كانا من الأبيونيّين و يؤمنان بالناموس الذي أنزل على موسى، و يحلّل التلمود الزواج بأربع نساء، و على كلّ حال لن نناقش المنطلقات العقائديّة لمحمّد في هذه السلسلة و سنقتصر فقط على المنطلقات النفسيّة.
ربّما كان عقد القران ينصّ على منعه من الزواج بأخرى و كانت خديجة لا ترضى بامرأة أخرى تقاسمها زوجها، لكنّ عدم إنجاب ذكر له ثقل نفسيّ على محمّد، حتى أنّ هناك من سينعته بالأبتر فيما بعد. و هذا قد يولّد شعورا باطنيّا بالظلم و بالحزن خاصّة حين تصبح زوجته عجوزا أو كما قالت عائشة:"وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين" (كأنّ عائشة تتهكّم من خديجة هنا و تنعتها بحمراء الشدقين، ربّما تقصد أنّها كانت تضع أحمر الشفاه و هي عجوز) ، هذا الشعور بالظلم يدفع محمّدا إلى الإنعزال الإجتماعيّ فيما بعد، فيتحنّث في غار حراء.
و قد أنجب زينب و عمره ثلاثون عاما و تزوّجت من أبي العاص بن الربيع "1" قبل نزول الوحي، و نلاحظ هنا أنّها تزوّجت دون سنّ العاشرة، و كذلك فاطمة تزوّجت بعليّ دون سنّ العاشرة، ممّا يجعلنا نرجّح أنّ زواج البنات في تلك السنّ كان أمرا شائعا و عاديّا، و بالتالي ليس بدعة أن يتزوّج محمّد بعائشة ذات التسع سنين، و هو ما ينقده العديدون لكن هذا خطأ لأنّنا نسقط قيم عصرنا على عصر آخر. و هو ما يسمّى في قراءة التاريخ: كرونوصونتريزم.
و قد تزوّج (خطوبة فقط؟) رقيّة و أمّ كلثوم من ابني أبي لهب، و الذان طلّقاهما فيما بعد حين تنبّأ محمّد، أمّا أبو العاص بن الربيع فلم يطلّق زينب، و قد كانا يحبّان بعضيهما و يقول الطبري "2"
وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع؛ إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر على أن يفرق بينهما؛ فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه
و قد وقع زوج زينب في الأسر يوم بدر ، فأرسلت تفديه، (و نرى هنا شدّة تعلّقهما) يقول "3" :
لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص ابن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها.
قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقةً شديدةً، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا ! فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.
الصدمة: نزول الوحي.
انطلاقا من هنا سنبدأ في تحليل النفسيّة.
يتبع.......
............................................................
1-تاريخ الطبري/صفحة 455
2-المصدر السابق
3-المصدر السابق/صفحة 456
8
الصدمة:نزول الوحي.
التاريخ: يوم الإثنين "يقول الطبري: "لا خلاف في هذا اليوم بين أهل العلم"
و كان في شهر رمضان.
إمّا 17 أو 18 أو 24 من رمضان. حسب الروايات.
طبعا نحن اليوم نستطيع التأكّد من هذا الكلام:
فالسنة التي يوافق فيها يوم الإثنين من رمضان أحد هذه التواريخ (أي 17 أو 18 أو 24 رمضان )هي:
25 أوت/آب سنة 609 ميلادي و توافق بالهجري:
18 رمضان سنة 13 قبل الهجرة.
و قد بحثت -على الهامش- في أحداث هذه الليلة (25 أوت 609 ميلادي) على موقع نازا nasa كتواريخ خسوف القمر مثلا، فللظواهر الطبيعيّة دور في إعطاء تهيّؤات لشخص وحيد في جبل في الخلاء في عمق الليل لكن لم أجد شيئا ذا بال.
و لم تحدث ظاهرة طبيعيّة في تلك الليلة سوى أنّ الطقس طبعا كان حارّا (ابتسامة)
لنجمع هذه الظواهر أوّلا:
كائن غريب يتبدّى له و يكلّمه: "1"
قال: اقرأ، قلت: ما أقرأ ؟ قال: فأخذني فغتنى ثلاث مرات، حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، فقرأت. فأتيت خديجة. فقلت: لقد أشفقت على نفسي، فأخبرتها خبري
الحجارة و الأشجار تكلّمه: "2"
في صحيح مسلم: عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلِّم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)
يسمع أصواتا تناديه باسمه، فيخاف: "3"
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد فأنطلق هارباً في الأرض))
الرغبة في الإنتحار: "4"
ثم حبب إليه الخلاء، فكان بغار بحراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله، فيتزود لمثلها؛ حتى فجأه الحق، فأتاه، فقال: يا محمد، أنت رسول الله ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجثوت لركبتي وأنا قائم، ثم زحفت ترجف بوادري، ثم دخلت على خديجة، فقلت: زملوني، زملوني ! حتى ذهب عني الروع، ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالقٍ من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك، فقال: يا محمد، أنا جبريل، وأنت رسول الله
و كذلك الكوابيس المزعجة.
هذه الأعراض لا تخفى على أيّ عالم نفس: إنّها الشيزوفرينيا.
تعريفها:
الشيزوفرينيا هي مرض نفسيّ لا يعني تضاعف الشخصيّة كما هو شائع و إنّما تعني انقسامها أو ما يسمّى بالإنفصام.
و إيتمولوجيّة الكلمة مأخوذة من اليونانيّة "5":
scheizen و تعني انقسام.
phren و تعني العقل (spirit)
أسبابها و أعراضها:
أسبابها متعدّدة جدّا و كذلك أعراضها، و كلّ حالة تختلف عن الأخرى ، بيد أنّ أغلب الباحثين اليوم يرون عنصر الوراثة (كأبي كبشة جدّ محمّد) يلعب دورا في الإصابة بها. "6"
و أعراضها: سماع أصوات، رؤية كائنات غريبة، الخوف، الإنهيارات العصبيّة، الرغبة في الإنتحار، الأرق، الكوابيس، الكلام بجمل مرمّزة قريبة من الشعر; إلخ..
و هذه الأعراض تختلف من شخص لآخر و قد تجتمع كلّها و قد يبدو بعضها فقط.
نلاحظ أنّ ما يجتمع فيه الأنبياء و ليس فقط محمّد هو هذا السماع و الرؤية لأشياء غير مرئيّة، أي موجودة في ذهنهم فقط، فكلّ الأنبياء مصابون بالشيزوفرينيا. و يسمّي علم النفس هذا النوع: الشيزوفرينيا الغيبيّة (mystique) و لو أنّ كلّ الأنبياء وقعت كتابة سيرتهم بالتفصيل المملّ كما حدث مع محمّد لرأينا العديد من الأعراض المشتركة بينهم.
و عادة فإنّ المريض لا يقوم بأعمال عنف ضدّ الآخرين إلاّ في حالة واحدة فقط: حين يأمره الصوت أو الكائن الذي في ذهنه بهذا (كجبريل و أمره بإبادة بني قريظة مثلا)
قد يقول قائل: لقد انقطع الوحي في البداية لفترة عن النبيّ، و لم يعد يرى و يسمع هذه الأشياء، فما تفسيرها؟
في الحقيقة فإنّ هذا الأمر يؤكّد ما نذهب إليه و يعرفه كلّ علماء النفس و تسمّى: remission حيث تنقطع لفترة قد تصل إلى ثلاث أو خمس سنوات ثمّ قد تعقبها فترة rechutte فتعود هذه التهيّؤات، و في أغلب الأحيان يكون المريض قد تأقلم مع مرضه و يعود إلى الإندماج الإجتماعي.
و لا نحسب أنّ المريض بالشيزوفرينيا شخص عاجز أو هامشيّ، فالمشاهير الذين تأقلموا مع مرضهم و نجحوا هم كثيرون مثل:
عالم الرياضيّات John Forbes Nash Jr و المتحصّل على جائزة نوبل في العلوم الإقتصاديّة.
Bobby Fischer بطل العالم في الشطرنج سنة 1972
الرسام العالمي فان غوغ
إلخ....
هذا الإنقسام في الشخصيّة لمحمّد سيولّد محورين:
1-شخص حنون، كريم، رحيم، يحضّ على الخير (و هو الأنا الحقيقيّة)
2-شخص دمويّ بلا رحمة و شهوانيّ (المرآة الأخرى للشخصيّة و هي الأصوات أو جبريل)
و توجد هناك دراسة جامعيّة قرأتها من قبل عن علاقة الصرع بالشيزوفرينيا لكنّي لم أجدها و سأقتصر فقط على المرض الثاني.
و قد كان maxime rodinson هو من تحدّث عن مرض الشيزوفرينيا بالنسبة لمحمّد، و لكن و طلبا للموضوعيّة و النزاهة فإنّنا سنورد أيضا اعتراض عالم النفس "مالك عبد النبيّ" على إصابة محمّد بالشيزوفرينيا، حتى نقدّم للقارئ جميع الأراء من المختصّين.
رأي مالك عبد النبيّ:
يتبع................
1-تاريخ الطبري/ص390
2-البداية و النهاية/ج3
3-المصدر السابق
4-تاريخ الطبري/ص390
5-http://fr.wikipedia.org/wiki/Schizophr%C3%A9nie
6- http://www.cmha.ca/bins/content_page.asp?cid=3-100&lang=2
التاريخ: يوم الإثنين "يقول الطبري: "لا خلاف في هذا اليوم بين أهل العلم"
و كان في شهر رمضان.
إمّا 17 أو 18 أو 24 من رمضان. حسب الروايات.
طبعا نحن اليوم نستطيع التأكّد من هذا الكلام:
فالسنة التي يوافق فيها يوم الإثنين من رمضان أحد هذه التواريخ (أي 17 أو 18 أو 24 رمضان )هي:
25 أوت/آب سنة 609 ميلادي و توافق بالهجري:
18 رمضان سنة 13 قبل الهجرة.
و قد بحثت -على الهامش- في أحداث هذه الليلة (25 أوت 609 ميلادي) على موقع نازا nasa كتواريخ خسوف القمر مثلا، فللظواهر الطبيعيّة دور في إعطاء تهيّؤات لشخص وحيد في جبل في الخلاء في عمق الليل لكن لم أجد شيئا ذا بال.
و لم تحدث ظاهرة طبيعيّة في تلك الليلة سوى أنّ الطقس طبعا كان حارّا (ابتسامة)
لنجمع هذه الظواهر أوّلا:
كائن غريب يتبدّى له و يكلّمه: "1"
قال: اقرأ، قلت: ما أقرأ ؟ قال: فأخذني فغتنى ثلاث مرات، حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، فقرأت. فأتيت خديجة. فقلت: لقد أشفقت على نفسي، فأخبرتها خبري
الحجارة و الأشجار تكلّمه: "2"
في صحيح مسلم: عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلِّم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)
يسمع أصواتا تناديه باسمه، فيخاف: "3"
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد فأنطلق هارباً في الأرض))
الرغبة في الإنتحار: "4"
ثم حبب إليه الخلاء، فكان بغار بحراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله، فيتزود لمثلها؛ حتى فجأه الحق، فأتاه، فقال: يا محمد، أنت رسول الله ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجثوت لركبتي وأنا قائم، ثم زحفت ترجف بوادري، ثم دخلت على خديجة، فقلت: زملوني، زملوني ! حتى ذهب عني الروع، ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالقٍ من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك، فقال: يا محمد، أنا جبريل، وأنت رسول الله
و كذلك الكوابيس المزعجة.
هذه الأعراض لا تخفى على أيّ عالم نفس: إنّها الشيزوفرينيا.
تعريفها:
الشيزوفرينيا هي مرض نفسيّ لا يعني تضاعف الشخصيّة كما هو شائع و إنّما تعني انقسامها أو ما يسمّى بالإنفصام.
و إيتمولوجيّة الكلمة مأخوذة من اليونانيّة "5":
scheizen و تعني انقسام.
phren و تعني العقل (spirit)
أسبابها و أعراضها:
أسبابها متعدّدة جدّا و كذلك أعراضها، و كلّ حالة تختلف عن الأخرى ، بيد أنّ أغلب الباحثين اليوم يرون عنصر الوراثة (كأبي كبشة جدّ محمّد) يلعب دورا في الإصابة بها. "6"
و أعراضها: سماع أصوات، رؤية كائنات غريبة، الخوف، الإنهيارات العصبيّة، الرغبة في الإنتحار، الأرق، الكوابيس، الكلام بجمل مرمّزة قريبة من الشعر; إلخ..
و هذه الأعراض تختلف من شخص لآخر و قد تجتمع كلّها و قد يبدو بعضها فقط.
نلاحظ أنّ ما يجتمع فيه الأنبياء و ليس فقط محمّد هو هذا السماع و الرؤية لأشياء غير مرئيّة، أي موجودة في ذهنهم فقط، فكلّ الأنبياء مصابون بالشيزوفرينيا. و يسمّي علم النفس هذا النوع: الشيزوفرينيا الغيبيّة (mystique) و لو أنّ كلّ الأنبياء وقعت كتابة سيرتهم بالتفصيل المملّ كما حدث مع محمّد لرأينا العديد من الأعراض المشتركة بينهم.
و عادة فإنّ المريض لا يقوم بأعمال عنف ضدّ الآخرين إلاّ في حالة واحدة فقط: حين يأمره الصوت أو الكائن الذي في ذهنه بهذا (كجبريل و أمره بإبادة بني قريظة مثلا)
قد يقول قائل: لقد انقطع الوحي في البداية لفترة عن النبيّ، و لم يعد يرى و يسمع هذه الأشياء، فما تفسيرها؟
في الحقيقة فإنّ هذا الأمر يؤكّد ما نذهب إليه و يعرفه كلّ علماء النفس و تسمّى: remission حيث تنقطع لفترة قد تصل إلى ثلاث أو خمس سنوات ثمّ قد تعقبها فترة rechutte فتعود هذه التهيّؤات، و في أغلب الأحيان يكون المريض قد تأقلم مع مرضه و يعود إلى الإندماج الإجتماعي.
و لا نحسب أنّ المريض بالشيزوفرينيا شخص عاجز أو هامشيّ، فالمشاهير الذين تأقلموا مع مرضهم و نجحوا هم كثيرون مثل:
عالم الرياضيّات John Forbes Nash Jr و المتحصّل على جائزة نوبل في العلوم الإقتصاديّة.
Bobby Fischer بطل العالم في الشطرنج سنة 1972
الرسام العالمي فان غوغ
إلخ....
هذا الإنقسام في الشخصيّة لمحمّد سيولّد محورين:
1-شخص حنون، كريم، رحيم، يحضّ على الخير (و هو الأنا الحقيقيّة)
2-شخص دمويّ بلا رحمة و شهوانيّ (المرآة الأخرى للشخصيّة و هي الأصوات أو جبريل)
و توجد هناك دراسة جامعيّة قرأتها من قبل عن علاقة الصرع بالشيزوفرينيا لكنّي لم أجدها و سأقتصر فقط على المرض الثاني.
و قد كان maxime rodinson هو من تحدّث عن مرض الشيزوفرينيا بالنسبة لمحمّد، و لكن و طلبا للموضوعيّة و النزاهة فإنّنا سنورد أيضا اعتراض عالم النفس "مالك عبد النبيّ" على إصابة محمّد بالشيزوفرينيا، حتى نقدّم للقارئ جميع الأراء من المختصّين.
رأي مالك عبد النبيّ:
يتبع................
1-تاريخ الطبري/ص390
2-البداية و النهاية/ج3
3-المصدر السابق
4-تاريخ الطبري/ص390
5-http://fr.wikipedia.org/wiki/Schizophr%C3%A9nie
6- http://www.cmha.ca/bins/content_page.asp?cid=3-100&lang=2
9
يقول مالك بن نبيّ:
إنّ مبدأ النبوّة يعرض نفسه بفضل شاهده الوحيد-النبيّ- بوصفه ظاهرة موضوعيّة مستقلّة عن الذات الإنسانيّة التي تعبّر عنه "1"
و يعطي أمثلة عن النبيّ إرميا (اختار إرميا لأنّه يعتمد على أبحاث MONTET التي خلصت إلى أنّ كتاب أرميا هو الكتاب الوحيد المثبت تاريخيّا و لا شكّ في أصالته من ضمن جميع أسفار الكتاب المقدّس)
هذه الصفات المميّزة، لا يمكن أن تلقى ببساطة تفسيرا نفسيّا، قائما على الحوادث التي تخضع لها ذات النبيّ، تلك الذات التي يبدو أنّها لا تبرز هنا إلاّ في مجرّد صورة مترجم مرهف الحسّ-متمنّع أحيانا- لظاهرة مستمرّة تلزمه بقانونها، كما ألزمت ذوات جميع الأنبياء، كما يثبت المجال المغناطيسي، اتجاه جميع الإبر الممغنطة.
فمن الصعب أن نفسر ظاهرة-هذا وصفها- تفسيرا ذاتيّا شخصيّا. "2"
ثمّ يتكلّم عن محمّد قائلا:
(...)و مع ذلك ففي حوالي الأربعين نجده و قد شمله الهمّ و الألم أيضا، إنّه يشكّ!، إنّه لا يشكّ في وجود الله، فإنّ ثقته فيه لم تتزعزع أبدا.
و لكنّه يشكّ في نفسه هو!
(...) فنحن مضطرّون إلى أن نرى في هذا الشكّ نتيجة لحالة شخصيّة عارضة، وجد فيها النبيّ نفسه أمام مبادئ شعور*، و أمام استشعار لبعض الأشياء الغريبة تمسّ من قريب مصيره الخاصّ. (...) فلو قلنا أنّ ذلك من عمل اللاشعور فيجب أن نطبّق هذه القاعدة على تفسير مادّة القرآن كلّها و تفسير فكرته المتّصلة**، كما نفسر بها أيضا أعراض الظاهرة و طوارئها عند النبيّ، و لكن هذا-كما سنشير إليه فيما بعد- ليس أبدا ممكنا."3"
*أعتقد أنّ المترجم و هو عبد الصبور شاهين، ترجم الكلمتين حرفيّا:principes de sensation إلى "مبادئ شعور" و معناها بعيد نسبيّا بالعربيّة و أقترح: أرضيّة نفسيّة حدسيّة.
** كذلك ، أعتقد الأصل الفرنسي ل "فكرته المتّصلة" هو: pensée continue و أقترح: فكرته المتتالية زمنيّا.
و على كلّ حال، فإنّ خلاصة القول هي أنّ مالك بن نبيّ يرى أنّ الوحي ظاهرة مستقلّة عن "الأنا" و ليس انقساما لها، و لا يمكن تفسيرها نفسيّا بل يجب ردّها إلى الظواهر الغريبة التي لا نملك لها تفسيرا ماديّا رغم وجودها اللاماديّ.
و في الحقيقة فإنّ هذه من تجلّيات النظرة المثاليّة للوجود بصفة عامّة(أي عكس الماديّة) و من روّاها على سبيل المثال أفلاطون و هيجل.
و لن ندخل في نقد هذه الفلسفة، أوّلا لأنّ ليس مقامها هنا، ثانيا هو أنّنا أيضا لا نتبنّى عدوّتها أي النظرة الماديّة في تفسير الوجود(و إن كنّا نستفيد من جدليّتها التاريخيّة الماركسيّة في هذه القراءة)
و تجدر الإشارة إلى أنّ محمّد أركون نعت هذا الكتاب (كتاب مالك بن نبيّ) بالهزيل و السطحيّ. "4"
يتبع......
..................................
1-الظاهرة القرآنيّة/دار الفكر المعاصر/بيروت/سنة 2000/ص 87
2-المصدر السابق/ص 99
3-المصدر السابق/ص 123-124
4- http://www.binnabi.net/?p=71
10
إنّ مبدأ النبوّة يعرض نفسه بفضل شاهده الوحيد-النبيّ- بوصفه ظاهرة موضوعيّة مستقلّة عن الذات الإنسانيّة التي تعبّر عنه "1"
و يعطي أمثلة عن النبيّ إرميا (اختار إرميا لأنّه يعتمد على أبحاث MONTET التي خلصت إلى أنّ كتاب أرميا هو الكتاب الوحيد المثبت تاريخيّا و لا شكّ في أصالته من ضمن جميع أسفار الكتاب المقدّس)
هذه الصفات المميّزة، لا يمكن أن تلقى ببساطة تفسيرا نفسيّا، قائما على الحوادث التي تخضع لها ذات النبيّ، تلك الذات التي يبدو أنّها لا تبرز هنا إلاّ في مجرّد صورة مترجم مرهف الحسّ-متمنّع أحيانا- لظاهرة مستمرّة تلزمه بقانونها، كما ألزمت ذوات جميع الأنبياء، كما يثبت المجال المغناطيسي، اتجاه جميع الإبر الممغنطة.
فمن الصعب أن نفسر ظاهرة-هذا وصفها- تفسيرا ذاتيّا شخصيّا. "2"
ثمّ يتكلّم عن محمّد قائلا:
(...)و مع ذلك ففي حوالي الأربعين نجده و قد شمله الهمّ و الألم أيضا، إنّه يشكّ!، إنّه لا يشكّ في وجود الله، فإنّ ثقته فيه لم تتزعزع أبدا.
و لكنّه يشكّ في نفسه هو!
(...) فنحن مضطرّون إلى أن نرى في هذا الشكّ نتيجة لحالة شخصيّة عارضة، وجد فيها النبيّ نفسه أمام مبادئ شعور*، و أمام استشعار لبعض الأشياء الغريبة تمسّ من قريب مصيره الخاصّ. (...) فلو قلنا أنّ ذلك من عمل اللاشعور فيجب أن نطبّق هذه القاعدة على تفسير مادّة القرآن كلّها و تفسير فكرته المتّصلة**، كما نفسر بها أيضا أعراض الظاهرة و طوارئها عند النبيّ، و لكن هذا-كما سنشير إليه فيما بعد- ليس أبدا ممكنا."3"
*أعتقد أنّ المترجم و هو عبد الصبور شاهين، ترجم الكلمتين حرفيّا:principes de sensation إلى "مبادئ شعور" و معناها بعيد نسبيّا بالعربيّة و أقترح: أرضيّة نفسيّة حدسيّة.
** كذلك ، أعتقد الأصل الفرنسي ل "فكرته المتّصلة" هو: pensée continue و أقترح: فكرته المتتالية زمنيّا.
و على كلّ حال، فإنّ خلاصة القول هي أنّ مالك بن نبيّ يرى أنّ الوحي ظاهرة مستقلّة عن "الأنا" و ليس انقساما لها، و لا يمكن تفسيرها نفسيّا بل يجب ردّها إلى الظواهر الغريبة التي لا نملك لها تفسيرا ماديّا رغم وجودها اللاماديّ.
و في الحقيقة فإنّ هذه من تجلّيات النظرة المثاليّة للوجود بصفة عامّة(أي عكس الماديّة) و من روّاها على سبيل المثال أفلاطون و هيجل.
و لن ندخل في نقد هذه الفلسفة، أوّلا لأنّ ليس مقامها هنا، ثانيا هو أنّنا أيضا لا نتبنّى عدوّتها أي النظرة الماديّة في تفسير الوجود(و إن كنّا نستفيد من جدليّتها التاريخيّة الماركسيّة في هذه القراءة)
و تجدر الإشارة إلى أنّ محمّد أركون نعت هذا الكتاب (كتاب مالك بن نبيّ) بالهزيل و السطحيّ. "4"
يتبع......
..................................
1-الظاهرة القرآنيّة/دار الفكر المعاصر/بيروت/سنة 2000/ص 87
2-المصدر السابق/ص 99
3-المصدر السابق/ص 123-124
4- http://www.binnabi.net/?p=71
10
في هذه الفترة المهتزّة و العصيبة، يشكّ محمّد في أنّه مجنون أو به جنّة، لا يستطيع فهم الحالة التي تعتريه، و بدأ في مرحلة انهيار عصبيّ حيث يقول محدّثا خديجة: "1"
قال: قلت إن الأبعد - يعني نفسه - لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبداً ! لأعمدن إلى حالقٍ من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن
إنّه يرى الموت حلاّ يستريح فيه من هذه التهيّؤات التي ازدادت حدّتها كثيرا في الآونة الأخيرة، فيرى مثلا جبريل في هيئة شخص عظيم جالس على كرسيّ في السماء، فيتسمّر في مكانه من الخوف، ثمّ يعود إلى بيته في حالة نفسيّة صعبة، حيث يقول "2"
قال: جاورت في حراء، فلما قضيت جواري، هبطت فاستنبطت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي، وخلفي وقدامي، فلم أر شيئاً، فنظرت فوق رأسي، فإذا هو جالسٌ على عرشٍ بين السماء والأض، فخشيت منه - قال ابن المثنى: هكذا قال عثمان بن عمر، وإنما هو " فجئثت منه " - فلقيت خديجة، فقلت: دثروني، فدثروني، وصبوا علي ماءً
لكنّ خديجة تقوم بتجربة تثبت لمحمّد من خلالها أنّ ما يراه هو ملاك من السماء و ليس شيطانا و ليس تهيّؤات و هلوسات، و تطلب منه أن يثبت و تبشّره بالنبوّة: "3"
يا بن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبرئيل عليه السلام كما كان يأتيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة: يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني ، فقالت: نعم، فقم يا بن عم، فاجلس على فخذي اليسرى، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول فجلس في حجرها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، فتحسرت، فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ في حجرها، ثم قالت: هل تراه ؟ قال: لا، فقالت: يا بن عم، اثبت وأبشر؛ فوالله إنه لملكٌ وما هو بشيطان
و هذا ورقة بن نوفل أيضا يبشّر محمّدا بالنبوّة، حيث يجده قرب الكعبة فيسأل ورقة محمّدا:"4"
فلقيه ورقة بن نوفل، وهو يطوف بالبيت، فقال: يا بن أخي، أخبرني بما رأيت أو سمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه؛ ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرن الله نصراً يعلمه. ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى منزله.
وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتاً، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم
و محمّد يبدأ في الإقتناع بأنّه نبيّ، و أنّ ما يراه هو حقيقيّ.
محمّد الآن هو: رسول الله.
و ابتداء من هذه القناعة ستبدأ الملحمة المحمّديّة، و تبدأ أضواء التاريخ في التركيز عليه، ستبدأ قصّة غيّرت مجرى التاريخ، قصّة تبدأ من بيت صغير في مكّة البطحاء، في الجزيرة العربيّة، في مكان صحراويّ جافّ في هذه الكرة الأرضيّة، لتمتدّ و تصل في سنوات (قليلة في عمر الشعوب) إلى حدود الهند شرقا و حدود فرنسا غربا.
ملحمة بأتمّ معنى الكلمة، سنرى فيها الدموع و الأفراح، الانتصارات و الهزائم، الزهد و الطمع، الجنس، القتل، الرحمة، المواقف المؤثّرة، فعلا لقد أبدع كتّاب السيرة!
يبدأ القرآن في النزول فيما بعد، و يقول محمّد:
بسم الله الرحمن الرحيم
فيقول قائل من قريش: "5"
دقّ فوك، إنّما تذكر رحمن اليمامة.
و قال آخرون:"6"
إنّما أخذ علمه من رحمن اليمامة.
و رحمن اليمامة هو مسيلمة بن حبيب الحنفيّ، المسمّى بمسيلمة الكذّاب، و يرى البعض أنّ مسيلمة ادّعى النبوّة قبل محمّد مستندين على قول قريش أعلاه حين ذكر محمّد اسم الرحمن، و هو اسم الإله الذي كان يدعو إليه مسيلمة، كما أنّه معروف في اليمن و شمال الجزيرة و عند المسيحيّين.
فلماذا نجح محمّد و لم ينجح مسيلمة؟
يقول المتنبّي:
إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير
كطعم الموت في أمر عظيم
و محمّد لا يقنع بما دون النجوم، فهو النبيّ الوحيد و المؤسّس و لا يحقّ لأحد مزاحمته في هذا الأمر، و سنرى -فيما بعد- كيف استطاع فعلا النجاح بذكائه و قدرته التكتيكيّة، و قد يرى البعض أنّه الحظّ فنقول كما قال صقر قريش عبد الرحمن الداخل متحدّثا عن نفسه: ليس الحظّ و السعد، بل العقل:
http://www.youtube.com/watch?v=GoccXZqB9cs
و نرى هنا المراسلة بين مسيلمة و محمّد بعد الهجرة:
من مسيلمة رسول الله إلى محمّد رسول الله، أمّا بعد فإنّي قد أشركت معك في الأمر، و إنّ لنا نصف الأرض و لقريش نصفها، و لكنّ قريشا قوم يعتدون
فأجابه محمّد:
من محمّد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب، أمّا بعد، فالسلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد، فإنّ الأرض لله يورّثها من يشاء والعاقبة للمتّقين
نلاحظ هنا كيف يردّ مسيلمة الأمر بينه و بين محمّد بينما كيف يردّ محمّد الأمر إلى الله.
يتبع...
1-الطبري/تاريخ الرسل و الملوك/صفحة 391
2-المصدر السابق/392
3-المصدر السابق
4-المصدر السابق
5-عماد الصباغ/الأحناف/دار الحصاد/1998/ صفحة 43 عن جواد علي/الجزء السادس عن الروض الأنف.
6-المصدر السابق/صفحة 44
قال: قلت إن الأبعد - يعني نفسه - لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبداً ! لأعمدن إلى حالقٍ من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن
إنّه يرى الموت حلاّ يستريح فيه من هذه التهيّؤات التي ازدادت حدّتها كثيرا في الآونة الأخيرة، فيرى مثلا جبريل في هيئة شخص عظيم جالس على كرسيّ في السماء، فيتسمّر في مكانه من الخوف، ثمّ يعود إلى بيته في حالة نفسيّة صعبة، حيث يقول "2"
قال: جاورت في حراء، فلما قضيت جواري، هبطت فاستنبطت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي، وخلفي وقدامي، فلم أر شيئاً، فنظرت فوق رأسي، فإذا هو جالسٌ على عرشٍ بين السماء والأض، فخشيت منه - قال ابن المثنى: هكذا قال عثمان بن عمر، وإنما هو " فجئثت منه " - فلقيت خديجة، فقلت: دثروني، فدثروني، وصبوا علي ماءً
لكنّ خديجة تقوم بتجربة تثبت لمحمّد من خلالها أنّ ما يراه هو ملاك من السماء و ليس شيطانا و ليس تهيّؤات و هلوسات، و تطلب منه أن يثبت و تبشّره بالنبوّة: "3"
يا بن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبرئيل عليه السلام كما كان يأتيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة: يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني ، فقالت: نعم، فقم يا بن عم، فاجلس على فخذي اليسرى، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول فجلس في حجرها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، فتحسرت، فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ في حجرها، ثم قالت: هل تراه ؟ قال: لا، فقالت: يا بن عم، اثبت وأبشر؛ فوالله إنه لملكٌ وما هو بشيطان
و هذا ورقة بن نوفل أيضا يبشّر محمّدا بالنبوّة، حيث يجده قرب الكعبة فيسأل ورقة محمّدا:"4"
فلقيه ورقة بن نوفل، وهو يطوف بالبيت، فقال: يا بن أخي، أخبرني بما رأيت أو سمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه؛ ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرن الله نصراً يعلمه. ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى منزله.
وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتاً، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم
و محمّد يبدأ في الإقتناع بأنّه نبيّ، و أنّ ما يراه هو حقيقيّ.
محمّد الآن هو: رسول الله.
و ابتداء من هذه القناعة ستبدأ الملحمة المحمّديّة، و تبدأ أضواء التاريخ في التركيز عليه، ستبدأ قصّة غيّرت مجرى التاريخ، قصّة تبدأ من بيت صغير في مكّة البطحاء، في الجزيرة العربيّة، في مكان صحراويّ جافّ في هذه الكرة الأرضيّة، لتمتدّ و تصل في سنوات (قليلة في عمر الشعوب) إلى حدود الهند شرقا و حدود فرنسا غربا.
ملحمة بأتمّ معنى الكلمة، سنرى فيها الدموع و الأفراح، الانتصارات و الهزائم، الزهد و الطمع، الجنس، القتل، الرحمة، المواقف المؤثّرة، فعلا لقد أبدع كتّاب السيرة!
يبدأ القرآن في النزول فيما بعد، و يقول محمّد:
بسم الله الرحمن الرحيم
فيقول قائل من قريش: "5"
دقّ فوك، إنّما تذكر رحمن اليمامة.
و قال آخرون:"6"
إنّما أخذ علمه من رحمن اليمامة.
و رحمن اليمامة هو مسيلمة بن حبيب الحنفيّ، المسمّى بمسيلمة الكذّاب، و يرى البعض أنّ مسيلمة ادّعى النبوّة قبل محمّد مستندين على قول قريش أعلاه حين ذكر محمّد اسم الرحمن، و هو اسم الإله الذي كان يدعو إليه مسيلمة، كما أنّه معروف في اليمن و شمال الجزيرة و عند المسيحيّين.
فلماذا نجح محمّد و لم ينجح مسيلمة؟
يقول المتنبّي:
إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير
كطعم الموت في أمر عظيم
و محمّد لا يقنع بما دون النجوم، فهو النبيّ الوحيد و المؤسّس و لا يحقّ لأحد مزاحمته في هذا الأمر، و سنرى -فيما بعد- كيف استطاع فعلا النجاح بذكائه و قدرته التكتيكيّة، و قد يرى البعض أنّه الحظّ فنقول كما قال صقر قريش عبد الرحمن الداخل متحدّثا عن نفسه: ليس الحظّ و السعد، بل العقل:
http://www.youtube.com/watch?v=GoccXZqB9cs
و نرى هنا المراسلة بين مسيلمة و محمّد بعد الهجرة:
من مسيلمة رسول الله إلى محمّد رسول الله، أمّا بعد فإنّي قد أشركت معك في الأمر، و إنّ لنا نصف الأرض و لقريش نصفها، و لكنّ قريشا قوم يعتدون
فأجابه محمّد:
من محمّد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب، أمّا بعد، فالسلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد، فإنّ الأرض لله يورّثها من يشاء والعاقبة للمتّقين
نلاحظ هنا كيف يردّ مسيلمة الأمر بينه و بين محمّد بينما كيف يردّ محمّد الأمر إلى الله.
يتبع...
1-الطبري/تاريخ الرسل و الملوك/صفحة 391
2-المصدر السابق/392
3-المصدر السابق
4-المصدر السابق
5-عماد الصباغ/الأحناف/دار الحصاد/1998/ صفحة 43 عن جواد علي/الجزء السادس عن الروض الأنف.
6-المصدر السابق/صفحة 44
11
يعتقد البعض أنّ محمّدا في مكّة كان انطوائيّا و لا يملك الجرأة و كان لطيفا و رقيقا ثمّ فجأة تغيّر في المدينة و صار قائدا و مشرّعا يأتمر الجميع بأمره.
و هذا الإعتقاد لا يصمد أمام القراءة المتأنّية للسيرة التي تعطينا بعض ’’ الفلاشات’’ بين الفينة و الأخرى عن شخصيّته أثناء وجوده في مكّة.
كذلك فإنّ القرآن هو أيضا مرآة عاكسة للمتكلّم.
محمّد جريء و شجاع ’’1’’
حضرت قريشٌ يومًا بالحجر فذكروا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما نال منهم وصبرهم عليه فبينما كذلك إذ طلع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومشى حتى استلزم الركن ثم مر بهم طائفًا فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها ثم الثالثة فقال: أتسمعون يا معشر قريش والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح.
قال: فكأنما على رؤوسهم الطير واقعٌ حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد.
نلاحظ أنّ هذه الجماعة من قريش أصابها الفزع من قول محمّد ’’بالذبح’’ فصمتوا حتى كأنّ على رؤوسهم الطير و راحوا يرفؤونه بأحسن ما يجد أي يصفونه بالمآثر الحسنة و يسترضونه.
و ما كان يجرؤ على التهديد شخص ضعيف و انطوائيّ.
محمّد واثق من نفسه ’’2’’
وَذَكَرَ مَا أَنَزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ - وَاسْمُهُ أُبَيّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ وَقَدْ قِيلَ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزّهْرِيّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ زَنَمَتَانِ كَزَنَمَتَيْ الشّاةِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنّهُ قَالَ الزّنِيمُ الّذِي لَهُ زَنَمَتَانِ مِنْ الْبَشَرِ يُعْرَفُ بِهَا ، كَمَا تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِهَا ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَيْضًا مِثْلُ مَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ الزّنِيمَ الْمُلْصَقُ بِالْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُم
و عن هذه الآيات يقول ابن كثير في تفسيره :
والمراد به الأخنس بن شريق وقال مجاهد عن ابن عباس: {الزنيم} الملحق النسب، وقال سعيد ابن المسيب: هو الملصق بالقوم ليس منهم، وسئل عكرمة عن الزنيم فقال: هو ولد الزنا، وقال سعيد بن جبير: الزنيم الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها، والزنيم الملصق، وقال الضحّاك: كانت له زنمة في أصل أذنه، ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب، والأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر، الذي يعرف به من بين الناس، وغالباً يكون دعياً ولد زنا
و على كلّ حال نحن لا يهمّنا من المقصود بهذه الآيات و إنّما نشير إلى أنّ محمّدا لا يتردّد في الردّ على خصومه و حتّى شتمهم كالآيات المعروفة في هجاء أبي لهب: تبّت يدا أبي لهب و تبّ.
و كذلك ردّه على الوليد بن المغيرة و هذا الرجل يُكنّى بـ’’الوحيد’’ لشرفه في قومه و معرفته بالأشعار و بالبلاغة و لنستمع للرواة : ’’3’’
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش {...} قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة - قال ابن هشام : ويقال لغدق - وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته ..
فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله: {...} إنّه فكّر و قدّر فقتل كيف قدّر ثمّ قتل كيف قدّر ثمّ نظر ثمّ عبس و بسر ثمّ أدبر و استكبر فقال إن هذا إلاّ سحر يؤثر إن هذا إلاّ قول البشر سنصليه سقر
هذه الآيات تشير بوضوح إلى غضب محمّد حتى أنّه يكرّر مرّتين كلمة ’’ قتل كيف قدّر’’ هل هو الشعور بالاستفزاز أم هي ثقة محمّد العالية بنفسه و ببلاغته و التي أراد الوليد الطعن في مصدرها السماويّ؟
إنّهما الإثنان و كم هو مستفزّ و قاس على المرء أن لا تجد عبقريّته من يتجاوب معها و يهلّل لها خاصّة إذا كان واعيا بقدراته و عزائمه و يا لهؤلاء القوم الذين لم يدركوا بعد ماذا يمكن أن يفعله هذا الرجل اليتيم الذي بين أظهرهم حتى أنّه بكى حين شعر مرّة أو اعتقد بخذلان عمّه أبي طالب له و ذلك حين جاءت قريش إلى عمّه للحديث في دعوة محمّد :’’4’’ حدث أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني ، فقالوا لي كذا وكذا ، للذي كانوا قالوا له فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق قال فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه . قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته قال ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا ابن أخي ، قال فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذهب يا ابن أخي ، فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا .’
و كيف لا يبكي و هو يقول لهم حين اجتمعت قريش أثناء وفاة أبي طالب: ’’5’’
كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب ، وتدين لكم بها العجم
انظروا إلى هذا الطموح ! إنّ يعي بقدراته و بالأوضاع السائدة و الظروف المواتية و يعدهم ليس بحكم العرب فقط بل و العجم أيضا و هذا كلّه و هو ما زال نبيّ مجموعة صغيرة لا تكاد تُذكر.
و يرسل محمّد بعثة إلى الحبشة { ما نسمّيه في عصرنا اليوم : طلب اللجوء السياسي} و لنا أن تساءل عن أسباب اختياره لهذه البلاد بالذات؟
هل كان يجسّ النبض ليرى كيف يتقبّل غير العرب دعوته؟ ثمّ أصلا لماذا هاجروا إلى الحبشة؟
الجواب: إنّ بها ملكا لا يظلم عنده أحد. و لكي يتخلّص المسلمون من تعذيب قريش لهم.
جواب جميل و لكن... نرى في هؤلاء المهاجرين أسماء لا يمكن أن يتعرّضوا للتعذيب ’’ إن وجد حقّا هذا التعذيب’’, و معروفين إمّا بشجاعتهم أو بشرفهم في قومهم, فالزبير بن العوام مثلا كان رجلا شجاعا , طويلا و فارسا ’’6’’ {و بالمناسبة هو ابن أخ خديجة} و على كلّ حال فإنّ تجربة الحبشة هذه لم تأت بنتيجة أو كانت دون المأمول و قد ذهب بعض المستشرقين ’’7’’ إلى أنّ الغرض من هذه الهجرة كان سياسيّا و دينيّا في آن بسبب تغيّر موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط سنة 614 ميلادي و هزيمة الروم أمام الفرس و رغبة محمّد في عقد حلف مع النجاشيّ في إطار مشروع توسّعيّ, لكنّنا لن نتوقّف عند هذا الطرح لاعتماده على الفرضيّات أوّلا و لعدم وجود نتيجة ملموسة من هجرة ’’أو هجرات’’ الحبشة ثانيا.
طبعا لن يظلّ محمّد جالسا مكتوف الأيدي يقرأ قرآنه على الذاهب و الراجع و يتعرّض للسخريّة و الاستهزاء خاصّة بعد وفاة أبي طالب الذي كان يحميه, فقام بخطوة جريئة و هي طلب المعونة و الحماية من ثقيف في الطائف.
و أقول خطوة جريئة لأنّ حرب الفجّار بين قريش و حلفائها و بين قيس عيلان و حلفائها من ثقيف لم يكن قدّ مرّ عليها زمن طويل بل أنّ محمّدا نفسه شارك فيها ضدّ ثقيف حين كان له 15 عاما من العمر لكنّهم ردّوه و سخروا منه { هل ما زالوا يتذكّرون الحرب الماضية؟} : ’’9’’ فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاهم إلى الله ، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام ، والقيام معه على من خالفه من قومه ؛ فقال له أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك ؛ وقال الآخر : أما وجد الله أحدا يرسله غيرك ! وقال الثالث : والله لا أكلمك أبدا . لئن كنت رسولا من الله كما تقول ، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على الله ، ما ينبغي لي أن أكلمك . فقام رسول الله صلى عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - : إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني ، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغَ قومَه عنه ، فيُذْئِرهم ذلك عليه
يذئرهم عليه أي يثيرهم عليه ممّا دفع محمّدا أن يطلب منهم كتمان أمر مجيئه إليهم و طلب النصرة منهم, و كيف لا و هو ذهب يطلب الحماية من الخصوم فبأيّ وجه سيقابل قومه ؟ خاصّة بعد تعرّضه للصدّ من هؤلاء الخصوم و أصبح موقفه محرجا جدّا أمام قومه الذين قد يتّهمونه بالخيانة و التحالف مع العدوّ. لذلك طلب من سادة الطائف ألاّ يخبروا أحدا و لكنّهم طبعا نشروها بين الجميع و انتقل الخبر إلى مكّة بطبيعة الحال.
ربّما هذه من الأخطاء التي سيتعلّم محمّد منها كثيرا كما سنرى فيما بعد , و لكلّ جواد كبوة.
يتبع.......
............................................................
1-الكامل في التاريخ/ابن الأثير/الجزء الأوّل
و راجع أيضا: المنتظم في التاريخ/ابن الجوزي/الجزء الثاني
و أيضا: سيرة ابن هشام/ الجزء الثاني
و أيضا : البداية و النهاية/ ابن كثير/ الجزء الثالث
و أيضا: الرحيق المختوم/المباركفوري/ فصل ما لقي النبيّ من قومه
و أيضا : مسند الإمام أحمد/المجلّد الثاني/ عن عمرو بن العاص
2-الروض الأنف/السهيلي/الجزء الثاني
و تفسير ابن كثير/سورة القلم
و البخاري لا يحدّد الشخص و إنّما يقول نزلت في رجل من قريش في صحيحه : الرقم [ 4633 ]
حدثنا محمود حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي حصين عن مجاهد عن بن عباس رضى الله تعالى عنهما
{ عتل بعد ذلك زنيم }
قال رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة
3-سيرة ابن هشام/الجزء الأوّل
4-المصدر السابق
5-المصدر السابق
و راجع أيضا ابن كثير /البداية و النهاية/ الجزء الثالث
و أيضا مسند الإمام أحمد/ الجزء الأوّل
و أيضا المستدرك للحاكم /الجزء الثاني
6-سير أعلام النبلاء/ الذهبي/ فصل الزبير بن العوام
7-joseph birtuel/mahomet contre enquete/طبعة 2006/صفحة 232-233
8-البداية و النهاية/ابن كثير/ الجزء الثاني يقول : ’’ كنت أنبل عن أعمامي’’ أي كان يردّ النبال عنهم.
9-سيرة ابن هشام/ الجزء الثاني
و هذا الإعتقاد لا يصمد أمام القراءة المتأنّية للسيرة التي تعطينا بعض ’’ الفلاشات’’ بين الفينة و الأخرى عن شخصيّته أثناء وجوده في مكّة.
كذلك فإنّ القرآن هو أيضا مرآة عاكسة للمتكلّم.
محمّد جريء و شجاع ’’1’’
حضرت قريشٌ يومًا بالحجر فذكروا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما نال منهم وصبرهم عليه فبينما كذلك إذ طلع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومشى حتى استلزم الركن ثم مر بهم طائفًا فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها ثم الثالثة فقال: أتسمعون يا معشر قريش والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح.
قال: فكأنما على رؤوسهم الطير واقعٌ حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد.
نلاحظ أنّ هذه الجماعة من قريش أصابها الفزع من قول محمّد ’’بالذبح’’ فصمتوا حتى كأنّ على رؤوسهم الطير و راحوا يرفؤونه بأحسن ما يجد أي يصفونه بالمآثر الحسنة و يسترضونه.
و ما كان يجرؤ على التهديد شخص ضعيف و انطوائيّ.
محمّد واثق من نفسه ’’2’’
وَذَكَرَ مَا أَنَزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ - وَاسْمُهُ أُبَيّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ وَقَدْ قِيلَ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزّهْرِيّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ زَنَمَتَانِ كَزَنَمَتَيْ الشّاةِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنّهُ قَالَ الزّنِيمُ الّذِي لَهُ زَنَمَتَانِ مِنْ الْبَشَرِ يُعْرَفُ بِهَا ، كَمَا تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِهَا ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَيْضًا مِثْلُ مَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ الزّنِيمَ الْمُلْصَقُ بِالْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُم
و عن هذه الآيات يقول ابن كثير في تفسيره :
والمراد به الأخنس بن شريق وقال مجاهد عن ابن عباس: {الزنيم} الملحق النسب، وقال سعيد ابن المسيب: هو الملصق بالقوم ليس منهم، وسئل عكرمة عن الزنيم فقال: هو ولد الزنا، وقال سعيد بن جبير: الزنيم الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها، والزنيم الملصق، وقال الضحّاك: كانت له زنمة في أصل أذنه، ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب، والأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر، الذي يعرف به من بين الناس، وغالباً يكون دعياً ولد زنا
و على كلّ حال نحن لا يهمّنا من المقصود بهذه الآيات و إنّما نشير إلى أنّ محمّدا لا يتردّد في الردّ على خصومه و حتّى شتمهم كالآيات المعروفة في هجاء أبي لهب: تبّت يدا أبي لهب و تبّ.
و كذلك ردّه على الوليد بن المغيرة و هذا الرجل يُكنّى بـ’’الوحيد’’ لشرفه في قومه و معرفته بالأشعار و بالبلاغة و لنستمع للرواة : ’’3’’
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش {...} قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة - قال ابن هشام : ويقال لغدق - وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته ..
فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله: {...} إنّه فكّر و قدّر فقتل كيف قدّر ثمّ قتل كيف قدّر ثمّ نظر ثمّ عبس و بسر ثمّ أدبر و استكبر فقال إن هذا إلاّ سحر يؤثر إن هذا إلاّ قول البشر سنصليه سقر
هذه الآيات تشير بوضوح إلى غضب محمّد حتى أنّه يكرّر مرّتين كلمة ’’ قتل كيف قدّر’’ هل هو الشعور بالاستفزاز أم هي ثقة محمّد العالية بنفسه و ببلاغته و التي أراد الوليد الطعن في مصدرها السماويّ؟
إنّهما الإثنان و كم هو مستفزّ و قاس على المرء أن لا تجد عبقريّته من يتجاوب معها و يهلّل لها خاصّة إذا كان واعيا بقدراته و عزائمه و يا لهؤلاء القوم الذين لم يدركوا بعد ماذا يمكن أن يفعله هذا الرجل اليتيم الذي بين أظهرهم حتى أنّه بكى حين شعر مرّة أو اعتقد بخذلان عمّه أبي طالب له و ذلك حين جاءت قريش إلى عمّه للحديث في دعوة محمّد :’’4’’ حدث أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني ، فقالوا لي كذا وكذا ، للذي كانوا قالوا له فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق قال فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه . قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته قال ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا ابن أخي ، قال فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذهب يا ابن أخي ، فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا .’
و كيف لا يبكي و هو يقول لهم حين اجتمعت قريش أثناء وفاة أبي طالب: ’’5’’
كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب ، وتدين لكم بها العجم
انظروا إلى هذا الطموح ! إنّ يعي بقدراته و بالأوضاع السائدة و الظروف المواتية و يعدهم ليس بحكم العرب فقط بل و العجم أيضا و هذا كلّه و هو ما زال نبيّ مجموعة صغيرة لا تكاد تُذكر.
و يرسل محمّد بعثة إلى الحبشة { ما نسمّيه في عصرنا اليوم : طلب اللجوء السياسي} و لنا أن تساءل عن أسباب اختياره لهذه البلاد بالذات؟
هل كان يجسّ النبض ليرى كيف يتقبّل غير العرب دعوته؟ ثمّ أصلا لماذا هاجروا إلى الحبشة؟
الجواب: إنّ بها ملكا لا يظلم عنده أحد. و لكي يتخلّص المسلمون من تعذيب قريش لهم.
جواب جميل و لكن... نرى في هؤلاء المهاجرين أسماء لا يمكن أن يتعرّضوا للتعذيب ’’ إن وجد حقّا هذا التعذيب’’, و معروفين إمّا بشجاعتهم أو بشرفهم في قومهم, فالزبير بن العوام مثلا كان رجلا شجاعا , طويلا و فارسا ’’6’’ {و بالمناسبة هو ابن أخ خديجة} و على كلّ حال فإنّ تجربة الحبشة هذه لم تأت بنتيجة أو كانت دون المأمول و قد ذهب بعض المستشرقين ’’7’’ إلى أنّ الغرض من هذه الهجرة كان سياسيّا و دينيّا في آن بسبب تغيّر موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط سنة 614 ميلادي و هزيمة الروم أمام الفرس و رغبة محمّد في عقد حلف مع النجاشيّ في إطار مشروع توسّعيّ, لكنّنا لن نتوقّف عند هذا الطرح لاعتماده على الفرضيّات أوّلا و لعدم وجود نتيجة ملموسة من هجرة ’’أو هجرات’’ الحبشة ثانيا.
طبعا لن يظلّ محمّد جالسا مكتوف الأيدي يقرأ قرآنه على الذاهب و الراجع و يتعرّض للسخريّة و الاستهزاء خاصّة بعد وفاة أبي طالب الذي كان يحميه, فقام بخطوة جريئة و هي طلب المعونة و الحماية من ثقيف في الطائف.
و أقول خطوة جريئة لأنّ حرب الفجّار بين قريش و حلفائها و بين قيس عيلان و حلفائها من ثقيف لم يكن قدّ مرّ عليها زمن طويل بل أنّ محمّدا نفسه شارك فيها ضدّ ثقيف حين كان له 15 عاما من العمر لكنّهم ردّوه و سخروا منه { هل ما زالوا يتذكّرون الحرب الماضية؟} : ’’9’’ فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاهم إلى الله ، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام ، والقيام معه على من خالفه من قومه ؛ فقال له أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك ؛ وقال الآخر : أما وجد الله أحدا يرسله غيرك ! وقال الثالث : والله لا أكلمك أبدا . لئن كنت رسولا من الله كما تقول ، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على الله ، ما ينبغي لي أن أكلمك . فقام رسول الله صلى عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - : إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني ، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغَ قومَه عنه ، فيُذْئِرهم ذلك عليه
يذئرهم عليه أي يثيرهم عليه ممّا دفع محمّدا أن يطلب منهم كتمان أمر مجيئه إليهم و طلب النصرة منهم, و كيف لا و هو ذهب يطلب الحماية من الخصوم فبأيّ وجه سيقابل قومه ؟ خاصّة بعد تعرّضه للصدّ من هؤلاء الخصوم و أصبح موقفه محرجا جدّا أمام قومه الذين قد يتّهمونه بالخيانة و التحالف مع العدوّ. لذلك طلب من سادة الطائف ألاّ يخبروا أحدا و لكنّهم طبعا نشروها بين الجميع و انتقل الخبر إلى مكّة بطبيعة الحال.
ربّما هذه من الأخطاء التي سيتعلّم محمّد منها كثيرا كما سنرى فيما بعد , و لكلّ جواد كبوة.
يتبع.......
............................................................
1-الكامل في التاريخ/ابن الأثير/الجزء الأوّل
و راجع أيضا: المنتظم في التاريخ/ابن الجوزي/الجزء الثاني
و أيضا: سيرة ابن هشام/ الجزء الثاني
و أيضا : البداية و النهاية/ ابن كثير/ الجزء الثالث
و أيضا: الرحيق المختوم/المباركفوري/ فصل ما لقي النبيّ من قومه
و أيضا : مسند الإمام أحمد/المجلّد الثاني/ عن عمرو بن العاص
2-الروض الأنف/السهيلي/الجزء الثاني
و تفسير ابن كثير/سورة القلم
و البخاري لا يحدّد الشخص و إنّما يقول نزلت في رجل من قريش في صحيحه : الرقم [ 4633 ]
حدثنا محمود حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي حصين عن مجاهد عن بن عباس رضى الله تعالى عنهما
{ عتل بعد ذلك زنيم }
قال رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة
3-سيرة ابن هشام/الجزء الأوّل
4-المصدر السابق
5-المصدر السابق
و راجع أيضا ابن كثير /البداية و النهاية/ الجزء الثالث
و أيضا مسند الإمام أحمد/ الجزء الأوّل
و أيضا المستدرك للحاكم /الجزء الثاني
6-سير أعلام النبلاء/ الذهبي/ فصل الزبير بن العوام
7-joseph birtuel/mahomet contre enquete/طبعة 2006/صفحة 232-233
8-البداية و النهاية/ابن كثير/ الجزء الثاني يقول : ’’ كنت أنبل عن أعمامي’’ أي كان يردّ النبال عنهم.
9-سيرة ابن هشام/ الجزء الثاني
12
قامت قريش بمقاطعة بني هاشم و انشقّ أبو لهب عنهم و تضامن مع قريش { هذه المقاطعة التي قامت بها قريش هي ما تسمّى اليوم بالمقاطعة الإقتصاديّة أو الحصار الإقتصادي} و نلاحظ دائما عدم الذهاب إلى الخيارات الحربيّة من طرف قريش أو على الأقلّ القيام ببعض الاغتيالات السياسيّة كاغتيال محمّد مثلا من طرف مجهول خاصّة أنّه يتجوّل وحيدا بلا حماية شخصيّة في مكّة , و هناك طرق كثيرة للتخلّص من حقّ الثأر و تفريق دمه, لا تغيب عن أذهان سادة قريش خاصّة إذا تعلّق الأمر بالإقتصاد المكّي و اعتبار قريش محمّدا يهدّد حياتها الماليّة و ربّما الإجتماعيّة, و لكن رغم ذلك فأقصى ما كان من المضايقات هو شتم أبي جهل له و التحرّش به جسديّا دون الوصول إلى القتل, و حتّى تدخّل حمزة و اعتدائه على أبي جهل كان قد يؤدّي إلى حرب قبليّة : ’’1’’
كان واعية أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا ، فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة ، فجلس معهم .
الغريب أنّ محمّدا لم يردّ على أبي جهل و هذا الأمر يظلّ نقطة استفهام , و عاد محمّد دون أن يقول شيئا رغم أنّ ابن هشام يروي رواية عن رجل سلبه أبو جهل فاشتكى هذا الرجل لمحمّد فأخذ محمّد حقّه له من أبي جهل, و على كلّ حال فالتضارب في السيرة ليس جديدا و علينا محاولة ربط الأحداث و تفهّم المنطلقات الدينيّة لهؤلاء الموظّفين عند الخليفة أثناء كتابة السيرة.
و كان بعد هذه الحادثة بين محمّد و أبي جهل أنّ حمزة كان عائدا من الصيد فأخبرته امرأة بما حدث:’’2’’ قالت له يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد
فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته فخرج يسعى ولم يقف على أحد ، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول ؟ فرد ذلك علي إن استطعت . فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا
نلاحظ أنّ رجالا من بني مخزوم قاموا لمساندة أبي جهل و لكنّه طلب منهم عدم التدخّل.
قلنا إذن أنّ قريشا قاطعت بني هاشم ثمّ تمّ نقض هذه الصحيفة من طرف خمسة رجال منهم رجل من بني مخزوم قريب لأبي جهل و هو زهير بن أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
نعود إلى حكاية رفض بني ثقيف لمحمّد في الطائف, كيف يستطيع العودة إلى مكّة و هو الذي ذهب يطلب التحالف مع خصوم قومه؟
طبعا لن يستطيع العودة, فذهب إلى غار حراء و أرسل إلى الأخنس بن شريق يطلب أن يجيره و يحميه عند الدخول إلى مكّة { هذا الأخنس هو الذي هجاه محمّد في القرآن بالعتل و الزنيم} و لنستمع لابن هشام : ’’3’’
لما انصرف عن أهل الطائف ، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، من تصديقه ونصرته ، صار إلى حراء ، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره ، فقال : أنا حليف ، والحليف لا يجير . فبعث إلى سهيل بن عمرو ، فقال : إن بني عامر لا تجير على بني كعب . فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك ، ثم تسلح المطعم وأهل بيته ، وخرجوا حتى أتوا المسجد ، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادخل ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطاف بالبيت وصلى عنده ، ثم انصرف إلى منـزله
بسبب عدم قدرته على العودة إلى مكّة فإنّنا نلاحظ أنّ المكان الذي ذهب إليه محمّد هو غار حراء { هل هو البحث عن حماية غيبيّة في المكان الذي حدثت له فيه تلك التجربة العنيفة في أحد الليالي منذ سنوات؟} و بعد رفض الأخنس حمايته و كذلك سهيل بن عمرو فإنّ المطعم بن عديّ قبل بذلك و حماه أثناء دخوله إلى مكّة.
و سهيل بن عمرو هو نفسه الذي سيكتب الهدنة فيما بعد بين المسلمين و قريش أثناء غزوة الحديبيّة و كان شريفا و خطيبا و هو من قريش الظواهر أين كانت تسكن بني عامر بن لؤيّ : ’’3’’ ’’ قريش البطاح بنو كعب بن لؤي وقريش الظواهر ما فوق ذلك سكنوا البطحاء والظواهر روقبائل بني كعب هم عدي وجمح وتيم وسهم ومخزوم وأسد وزهرة وعبد مناف وأمية وهاشم كل هؤلاء قريش البطاح وقريش الظواهر بنو عامر بن لؤي يخلد بن النضر والحارث ومالك وقد درجا والحارث ومحارب ابنا فهر وتيم الأدرم بن غالب بن فهر وقيس بن فهر درج وإنما سموا بذلك لأن قريشا اقتسموا فأصابت بنو كعب بن لؤي البطحاء وأصابت هؤلاء الظواهر فهذا تعريف للقبائل لا للمواضع فإن البطحاويين لو سكنوا بالظواهر كانوا بطحاويين وكذلك الظواهر لو كانوا سكنوا البطحاء كانوا ظواهر وأشرفهم البطحاويون’’
و السؤال هنا : لماذا لم يطلب محمّد حماية أحد أقاربه؟ أين حمزة مثلا؟ أم أنّه لا يجرؤ طلب هذا منهم بعد الذي فعله؟
و مطعم بن عديّ الذي أجار محمّد {جدّه نوفل هو أخو هاشم جدّ محمّد} كان أيضا من الرجال الخمسة الذين نقضوا صحيفة الحصار التي تحدّثنا عنها أعلاه و قد مات هذا الرجل دون أن يسلم بينما ابنه جبير أسلم بعد الفتح.و سنعود لهذا الإسم لاحقا لأنّه ذهب يطلب إطلاق سراح بعض الأسرى بعد معركة بدر و لكنّ محمّد رفض.
أرجو أن لا يشعر القارئ الكريم بالملل لإفراطي أحيانا في الحديث عن نسب شخصيّة ما و كيفيّة تفاعلها مع شخصيّة البطل الرئيسيّة {محمّد} و لكنّي أتعمّد ذلك لتتوضّح لنا الرؤية أكثر و نرى كيفيّة بناء الأشخاص و نفسيّاتهم في هذه السيرة المحمّديّة و التي هي في الأخير عمل أدبيّ له أهدافه و أسبابه الدينيّة و يخضع ككلّ عمل أدبيّ إلى ترابط دراميّ بين الشخصيّات التي تدور حول البطل.
نعود إلى الموضوع:
نشير إلى أنّ هناك نفرا من الجنّ آمنت بمحمّد بعد خروجه من الطائف ’’4’’, و لا تخفى علينا طبعا الحالة النفسيّة التي سيكون عليها محمّد بعد أن طلعت حساباته خاطئة مع بني ثقيف, و نرجّح أنّه كان صادقا في اعتقاده بأنّ الجنّ آمنت به فهي حالة دفاع في اللاوعي أو تصعيد حسب تعريف ’’فرويد’’ و كأنّه يقول إن كانت البشر لا تؤمن بما أقول فها هي الجنّ آمنت بي و هي تعرف الغيب أكثر منكم.
و يبدأ محمّد في الاتّصال بالقبائل الأخرى فعرض نفسه على كندة فرفضوا: ’’5’’
قال ابن إسحاق : حدثنا ابن شهاب الزهري : أنه أتى كندة في منازلهم ، وفيهم سيد لهم يقال له : مُليح ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فأبوا عليه
و بني كلب فرفضوا: ’’6’’
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حصين : أنه أتى كلبا في منازلهم ، إلى بطن منهم يقال لهم : بنو عبدالله ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، حتى إنه ليقول لهم : يا بني عبدالله ، إن الله عز وجل قد أحسن اسم أبيكم ، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم
و بني حنيفة شتموه ’’7’’
قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أصحابنا عن عبدالله بن كعب بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليهم ردا منهم
و بني عامر عرفوا قدراته و اقترحوا أن يكون لهم الحكم بعده فرفض فرفضوا ’’8’’
قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فقال رجل منهم - يقال له : بَيْحرة بن فراس . قال ابن هشام : فراس بن عبدالله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - : والله ، لو أني أخذت هذا الفتى من قريش ، لأكلت به العرب ، ثم قال : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء ؛ قال : فقال له : أفتُهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك ؛ فأبوا عليه
إلى أن التقى بوفد من أهل المدينة و هنا سيأخذ محمّد انطلاقة جديدة و دعم جديد و مجال حرّيّة أكبر و لكن ليكذب علينا كتّاب السيرة أيضا أكبر كذبة في التاريخ المحمّديّ.
يتبع.........
1-ابن هشام/الجزء الثاني
2-المصدر السابق
3-ياقوت الحموي/معجم البلدان/باب الباء و الطاء
4-ابن هشام/الجزء الثاني
و راجع أيضا: السيرة الحلبيّة/ باب خروج النبيّ إلى الطائف
و راجع أيضا : البداية و النهاية/ابن كثير/ الجزء الثالث
حيث يقول برهان الدين الحلبي : فلما انصرف رسول الله من الطائف راجعا إلى مكة ونزل نخلة قام يصلي من الليل فصرف إليه نفر من الجن سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجن، ولم يشعر بهم رسول الله حتى نزل عليه {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} هذا كلامه، ونزول ما ذكر كان بعد انصرافهم.
فقد قال ابن إسحاق «فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا به وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله تعالى خبرهم على النبي »
5-ابن هشام/الجزء الثاني
6-المصدر السابق
7-المصدر السابق
8-المصدر السابق
13
بدءا من الآن سيُكثر كتبة السيرة من ’’الماكياج’’ أو بالأحرى إعطاء المعلومة المضادّة و سنبدأ في قراءة ما بين السطور بأكثر حذر و انتباه.
أقول من الآن لأنّ كلّ الأضواء { أضواء السيرة} بدأت تشتدّ ناحية شخصيّة البطل { محمّد} لتزداد إشعاعا عليه بعد الهجرة و حتّى وفاته, فالفترة المكّيّة كانت قليلة المعلومات و ضبابيّة قليلا فلم يلزم الأمر الكثير من بعض التحسينات و التزيينات هنا و هناك و كذلك بطبيعة الحال اختلاق بعض الروايات الجميلة و المعبّرة.
أمّا الفترة المدنيّة فقد كانت أكثر وضوحا بما أنّ البطل صار مشهورا , و لا يمكن بل من المستحيل نفي العديد من الروايات لانتشارها و معرفة الناس بها , و إنّما أحسن شيء هو تأويلها و تزيينها و على أقصى تقدير اختلاق روايات معارضة لها { بالسند طبعا}
و سأعتمد في هذا الفصل على سيرة ابن هشام و سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي فقط.
قلنا إذن يلتقي محمّد بوفد { ستّة أشخاص} من يثرب جاؤوا إلى مكَة في موسم الحجّ و هم كلّهم من الخزرج.
فآمنوا به و صدّقوه و عادوا إلى يثرب مسلمين.
في الموسم الذي يليه يلتقي باثني عشر شخصا جاؤوا من المدينة فبايعوه و آمنوا به و حين عادوا إلى يثرب أرسل معهم أحد الرجال { مصعب بن عمير} يعلّمهم الدين فكان إمامهم هناك لفترة. سمّيت هذه البيعة {بيعة النساء} و كانوا تسعة من الخزرج و ثلاثة من الأوس.
في الموسم الذي يليه جاء بضع و سبعون رجلا و بايعوه و سمّيت هذه البيعة { بيعة الحرب} حيث تعاهدوا على الحرب ثمّ عادوا إلى المدينة و آمن أغلب من كان فيها حتى أنّ محمّدا حين جاءها مهاجرا استقبلوه استقبال الأبطال و كلّ عائلة تريده أن ينزل عندها.
جميلة جدّا هذه الحكاية أليس كذلك؟
و لكن للأسف تشكو من ضعف كبير و هو : إسقاط صورة البطل الأسطوريّة المتأخّرة على واقعه المعاصر له.
و علينا أن نفهم الأوضاع أوّلا لتتوضّح لنا الرؤية أكثر:
يثرب:
مدينة يثرب ’’في ذلك الوقت’’ هي مدينة كبيرة يتراوح عدد سكّانها بين عشرة آلاف و ثلاثين ألف ساكن, و تتميّز بالموقع الملائم لوقوعها قرب الطريق التجاريّة الكبرى و أرضها ذات التربة الجيّدة و المياه و الآبار و الجداول المنتشرة بها.
يقوم اقتصادها على الزراعة { أوّل منتج للتمور و تبيع لكلّ البلدان بما فيها مكّة} و كذلك الخضروات و القمح , و في المرتبة الثانية نجد التجارة و المهن الحرّة اليدويّة و صناعة السلاح. و بعد الحروب المتتالية بين الأوس و الخزرج و تحالف اليهود حينا مع هذا و حينا مع ذاك فإنّ الحصيلة و بإيجاز:
الأوس هم المنتصرون في آخر حرب مع الخزرج.
اليهود يمثّلون قوّة اقتصاديّة هائلة و لهم ثقلهم و وزنهم في المدينة.
الأوس و الخزرج يمثّلون قوّة سياسيّة و حربيّة.
و الآن نتساءل:
ماذا كان دور اليهود في هذه المفاوضات بين محمّد و الوفود القادمة من يثرب؟
احتمال1: اليهود لم تكن تعرف شيئا و تمّت البيعة و جاء محمّد إلى المدينة و وجدوا أنفسهم أمام الأمر الواقع { غير ممكن}
احتمال2:اليهود كانت تعرف و لكنّها تجاهلت الأمر و لم تعطه اهتماما { غير ممكن فالقادم سيأتي كحاكم و مشرّع و من الطبيعي أن يعرفوا من يكون خاصّة أنّه تمّت مبايعته على الحرب من قبل الهجرة}
احتمال3:اليهود لم توافق و تمّ اجبارها على القبول أو تمّ تجاهل رأيها المعارض { غير ممكن، و إلاّ ما ضيّع كتبة السيرة هذه الفرصة التي تضع اليهود في موقف العدوّ منذ البداية –كبداية تبرير منهجيّ لإجلائهم فيما بعد و قتلهم- }
احتمال4:اليهود كانت تعلم و وافقت على مجيء محمّد { لماذا وافقت؟ = هل رأت أنّ نبيّا يذكر موسى في العديد من آيات قرآنه و يصلّي مثلهم نحو بيت المقدس و يدعو إلى عبادة إله واحد من المفيد أن يكون موجودا لإعطائهم أيضا ثقلا دينيّا توحيديّا ؟ لكن اليهود لم يحاولوا أبدا نشر ديانتهم و يعتبرونها حكرا عليهم فقط بوصفهم الشعب المختار. لا ندري فعلا السبب في موافقتهم على مجيء محمّد بل و ربّما دعمه و إنّما الواضح أنّه كان لهم دور في هذا و عدم ذكرهم في السيرة يبدو متعمّدا لأنّه يجب أن يكونوا أشرارا دائما, حسب التوجّه الإيديولوجي في السيرة}
سؤال آخر:
لماذا بايع أهل المدينة محمّدا؟
أوّلا إنّ الروايات التي تقول بإيمان كلّ أو اغلب يثرب هي طبعا غير صحيحة و إلاّ لما خرج معه في بدر 300 شخص تقريبا من مدينة تُعدّ بالآلاف, هذا دون حساب عدد المهاجرين و من آمن من القبائل الأخرى لينخفض عدد الأنصار كثيرا في غزوة بدر.
إذن إنّ الذين اتّبعوا محمّدا كانوا قلّة و لكن لماذا؟
احتمال1: كانوا مشركين و وجدوا الحقّ أخيرا فدخل قلوبهم { احتمال ضعيف, و إلاّ لماذا لم يتهوّدوا أو يتمسَحوا أو يصبحوا مانويّين بما أنّ ماني كان مصدّقا للتوراة و الإنجيل و خاتما للرسل, قبل أن يسلموا؟ }
احتمال2: كانوا يعتبرون الديانة التوحيديّة أحسن من الشرك و كانوا يشعرون بعقدة نقص تجاه اليهود { هذا أيضا ما نفهمه من سياق الكلام في السيرة و لكنّه احتمال ضعيف فلم تكن الديانة تمثّل لهم هاجسا يصلون به إلى الشرف بل كانت الفروسيّة و الشعر و الحماسة , كما أنّ الديانة التوحيديّة ليست متفوّقة على دياناتهم –في مفهومهم- و لنا أن نأخذ مثالا الهنود الحمر الذين لم يشعروا بأيّة عقدة نقص تجاه المسيحييّن أثناء غزو امريكا و لم يؤمنوا طبعا إلاّ تحت حدّ السيف و الإبادة}
احتمال3: كان رجلا عظيما فآمنوا به { احتمال ضعيف. فمحمّد كان بمثابة المطرود من قومه و يتعرّض إلى القبائل في مواسم الحجّ في مكّة لينصروه و يحموه , و قومه لا تفتأ تسخر منه بل و تحتقره – كقول القرآن حين كانوا يهزؤون من محمّد: أهذا الذي بعث الله رسولا- كما أنّ محمّدا لم يكن معروفا بالفروسيّة و الشجاعة أو بمآثر الشرف كجدّه هاشم أو قصيّ مثلا , بل مجرّد شخص يقول كلاما جميلا و بليغا و يدّعي أنّه جاءه من السماء –كما ادّعى من قبله أو في عصره كمسيلمة- }
احتمال4: بايعه فقط قلّة قليلة { أغلبها من الخزرج} و هذه القلّة هي التي آوته في المدينة و لم تكن ذات سلطة سياسيّة لتفرضه بالقوّة كما أنّه من غير المعقول بل من المستحيل أن يذهب الأوس و الخزرج و اليهود للبحث عن رجل ليس منهم يحكمهم , كما أنّ هذا الرجل أصلا محلّ استهزاء من قومه.
و ما يؤيّد هذا الإحتمال هو حالة الفقر الشديد التي كانت عليه هذه المجموعة في المدينة في البداية { أي محمّد و أتباعه} و لنستمع للحافظ الذهبي في سير الأعلام و النبلاء / باب مصعب بن عمير : ’’ كنا قبل الهجرة يصيبنا ظلف العيش وشدته فلا نصبر عليه فما هو إلا أن هاجرنا فأصابنا الجوع والشدة فاستضلعنا بهما وقوينا عليهما فأما مصعب بن عمير فإنه كان أترف غلام بمكة بين أبويه فيما بيننا فلما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي فنعرض له القسي ثم نحمله على عواتقنا’’
فالرجل هنا يكاد يموت من الجوع , و ثروة أبو بكر ذهبت و لم يبق منها إلاّ القليل , و لو كان محمّد هو حاكم المدينة منذ وصوله لما وصل متّبعوه إلى هذه الحالة, فكان لابدّ من التحرّك و إيجاد حلّ و إلاّ فإنّ هذه الدعوة لن تدوم, يجب إيجاد المال.
إذن ما الحلّ؟ الحلّ الذي اختاره محمّد هو الغزو { تحت غطاء إلهيّ} فخرج في أوّل غزوة له إلى قبيلة بني ضمرة فلم يفعل شيئا و عاد بخفّي حنين إلى المدينة, ثمّ أرسل عبيدة بن الحارث مع ثمانين شخصا {لاحظوا: لا يوجد فيهم أحد من الأنصار } إلى قافلة كبيرة من قريش فضُرب سعد بن أبي وقّاص بسهم و عادت هذه البعثة دون أن تفعل شيئا لعدم تكافئ القوى, ثمّ أرسل حمزة مع ثلاثين رجلا { لاحظوا: لا يوجد فيهم أحد من الأنصار} إلى قافلة قرب البحر يقودها أبو جهل مع ثلاثمائة رجل و طبعا عادوا دون فعل أيّ شيء فالقوى غير متكافئة, كلّ هذا و الأمور تسوء في المدينة و الفقر يزداد فخرج محمّد بنفسه في غزوة أخرى إلى قافلة قرب مكان اسمه بواط , و لم يفعل شيئا و عاد إلى المدينة و كذلك خرج إلى غزوة العشيرة و إلى أرض الخرّار و إلى بئر صفوان و كلّها كانت بلا فائدة.
سبع غزوات أو محاولة غزوات كانت كلّها بلا فائدة, و أتباع محمّد يتضوّرون من الجوع و الأمور من سيّئ إلى أسوء فقام محمّد بعمليّة اهتزّت لها المدينة.
إنّها الحاجة و الفاقة, فلا أخلاق أو أعراف أو تقاليد, فماذا فعل؟
ما أن عاد محمّد من المحاولة الفاشلة لغزوة صفوان الأخيرة حتى أعطى لعبد الله بن جحش كتابا مغلقا و طلب منه الاّ يقرأه إلاّ بعد مسيرة يومين و أرسل معه ثمانية أشخاص { لاحظوا : لا يوجد فيهم أحد من الأنصار} و كان في هذه الرسالة السرّيّة أن يرصد قافلة لقريش ستعبر قرب نخلة بين مكّة و الطائف و يغير عليها { طبعا من المستحيل أن يذكر ابن هشام كلمة ’’ و يغير عليها’’ و إنّما قال: ’’ جاء في الرسالة : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكّة و الطائف فترصّد بها قريشا و تعلّم لنا من أخبارها’’ و لا أدري ماذا ذهب يفعل هؤلاء الرجال هل ليشاهدوا قافلة عابرة من هناك –رغم علمهم أصلا بوجودها – ثمّ يعودوا إلى المدينة و يقولوا لمحمّد : يا رسول الله لقد رأينا قرب نخلة قافلة ’’ فيقول لهم محمّد ’’ بارك الله فيكم على المعلومة’’ , إنّ الرسالة كانت تحتوي أمرا بالإغارة كما أنّ السريّة التي اتّبعها محمّد تفضح كلّ ذلك }
قد يقول قائل: و ما المشكل هنا؟ ألم يخرج من قبل للإغارة أيضا ؟
المشكلة: إنّه الشهر الحرام.
فالقوافل تمرّ آمنة أثناء هذا الشهر.
إذن حين علمت البعثة بهذا الأمر تخلّف اثنان من هذه المجموعة { على أساس أنّهما فقدا بعير لهما و لكن ربّما هي صحوة الضمير} بينما قال عبد الله بن جحش { قد نهاني –أي محمّد – أن أستكره منكم أحدا فمن كان منكم يريد الشهادة و يرغب فيها فلينطلق, و من كره ذلك فليرجع} طبعا فالأمر دقيق فمن ناحية يُطلب منهم الإغارة في الشهر الحرام و من ناحية اخرى يلزمهم أن يتحصّلوا على المال أو الغنيمة بسبب الفقر, و في الأخير حزموا أمرهم و انطلقوا.
فحلق اشرف بن عكاشة رأسه و اشرف على القافلة { كانت متكوّنة من 4 أشخاص, أي قافلة صغيرة تحمل بعض الزبيب و الجلد و بعض الأشياء الأخرى} و حين رأوه اطمأنّوا له و اعتبروهم ذاهبين في عمرة إلى مكّة, و حين أمنت لهم القافلة انقضّوا عليها { القوى غير متكافئة+ الغدر و الهجوم الخاطف} فقتلوا شخصا و أسروا شخصين و فرّ منهم الرابع.
و كانت الفضيحة.
اهتزّت قريش من ناحية حين بلغها الشخص الهارب و اهتزّت المدينة فما كان من محمّد إلاّ ان أنكر و قال ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ثمّ و كملاحظ دقيق { و هذه من إحدى ميزاته} بقي يقيس الأمور ليرى طبعا ردّة الفعل من كلّ الأطراف و بعد مدّة حزم أمره { فعلى كلّ حال يلزمهم تقاسم تلك الغنيمة التي ظلّت معلّقة منذ جاؤوا بها} فجاء هنا دور القرآن ليشرّع العمليّة و من ثمّة أخذ محمّد الخمس:
يسالونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير
يتبع.......
14
قبل أن نواصل مع بداية الغزوات و حياة محمّد في المدينة فإنّه يجدر بنا أن نتوقّف قبل ذلك عند الكتاب الذي كتبه محمّد في يثرب حال وصوله, و الذي يسمّيه الدارسون اصطلاحا: معاهدة المدينة.
و هو نصّ طويل و قد قمت بتبويبه إلى فصول و ترقيمه و لا أدري إن قام أحد قبلي بهذا العمل في العربيّة [ صاحب الفكرة الأوّل هو wensinck سنة 1908] و قد رأيت أنّها فكرة جيّدة و أسهل في القراءة.
كلّ المستشرقين تقريبا [على حدّ علمي] يرون أنّ هذا النصّ تمّت كتابته أثتاء حياة محمّد و يعتبرونه أقدم نصّ وصلنا منه, دون اعتبار القرآن.
النصّ:
ابن هشام/الجزء الثالث/باب هجرة النبيّ:
1- بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم ، فلحق بهم ، وجاهد معهم
2- إنهم أمة واحدة من دون الناس
1-3 المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين
2-3 وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
3-3 وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
4-3 وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
5-3 وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
6-3 وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
7-3 وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
8-3 وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
9-3 وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
4-وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه
5- وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظُلم ، أو إثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين
6- وإن أيديهم عليه جميعا ، ولو كان ولد أحدهم
7- ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ، ولا ينصر كافرا على مؤمن
8- وإن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم
9- وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس
10- وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة ، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم
11-وإن سلم المؤمنين واحدة ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله ، إلا على سواء وعدل بينهم
12- وإن كل غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضا
13- وإن المؤمنين يُبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله
14-وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه
15- وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ، ولا يحول دونه على مؤمن
16- وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول
1-16 وإن المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلا قيام عليه
17- وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخر ، أن ينصر مُحْدثا ولا يُؤويه
1-17 وأنه من نصره أو آواه ، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل
18-وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء ، فإن مرده إلى الله عز وجل ، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم
19- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين
20- وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه ، وأهل بيته
1-20وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف
2-20 وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف
3-20 وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف
4-20وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف
5-20 وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف
6-20وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف ؛ إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته
7-20 وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم
8-20 وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوف
9-20 وإن البر دون الإثم
10-20وإن موالي ثعلبة كأنفسهم
11-20 وإن بطانة يهود كأنفسهم
1-11-20وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم
21-وإنه لا ينحجز على نار جرح
22- وإنه من فتك فبنفسه فتك ، وأهل بيته ، إلا من ظلم
23- وإن الله على أبر هذا
24-وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم
1-24 وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة
2-24 وإن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم
25- وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه
26- وإن النصر للمظلوم
27- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين
28- وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة
29-وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم
30- وإنه لا تجُار حُرمة إلا بإذن أهلها
31- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخُاف فساده ، فإن مرده إلى الله عز وجل ، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
32- وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره
33- وإنه لا تجُار قريش ولا من نصرها
34- وإن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه ، فإنهم يصالحونه ويلبسونه
1-34 وإنهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين ، إلا من حارب في الدين ، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهم
35- وإن يهود الأوس ، مواليهم وأنفسهم ، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة . مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة .
36-وإن البر دون الإثم ، لا يكسب كاسب إلا على نفسه
37- وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره
38- وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم
39- وإنه من خرج آمنٌ ، ومن قعد آمن بالمدينة ، إلا من ظلم أو أثم
40- وإن الله جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا هو الكتاب أو المعاهدة و قد قسّمته إلى أربعين فصلا.
الفصول من 3-1 إلى 3-9 تذكر القبائل الحاضرة في هذا الحلف.
من 4 إلى 18 تنظّم القوانين الداخليّة في حاليْ الحرب و السلم.
من 19 إلى 20 و 24 و 27 و 35 يذكر القبائل اليهوديّة الحاضرة.
و البقيّة تذكير و تأكيد على ضرورة احترام هذه المعاهدة.
لكن!
هناك شيء غريب.
أين بنو قريظة و بنو النضير و بنو قينقاع؟
كيف ينسى أن يذكرهم و لهم ما لهم من ثقل اقتصاديّ و تجاريّ في يثرب؟
الجواب واضح: لم يكونوا موجودين في المدينة!
فهذه المعاهدة كُتبت بعد نفيهم و قتلهم و بالتالي لا داعي لذكرهم.
و هو ما يؤكّد ما ذهبنا إليه إلى أنّ محمّدا حين وصل إلى يثرب لم يكن ذلك المشرّع و الحاكم بل تمّ استقباله من طرف عصبة قليلة و لم يبلغ ما بلغه فيها إلاّ بفضل الغزوات الناجحة التي جعلت العديد ينضمّون إلى عصابته و بدأ جيشه يكبر رويدا رويدا إلى أن أجلى قبائل اليهود الثلاث فيما بعد و صار هو الحاكم و المشرّع و بالتالي كتب هذه المعاهدة و لم يكن يستطيع كتابتها حال وصوله.
و السيرة العربيّة جعلت هذه المعاهدة تُكتب في البداية لكن و كما نرى نرجّح أنّها كتبت بعد قتل و نفي اليهود.
و يبدو أنّي أستبق الأحداث كثيرا لذلك سأعود إلى مكّة لأتعرّض لحادثتي الإسراء و فداء عليّ له بنفسه ثمّ نعود مرّة أخرى إلى المدينة.
يتبع.....
15
نعود الآن إلى مكّة, و في منزل أمّ هانئ بنت أبي طالب بالتحديد حيث كان محمّد نائما في بيتها.
التاريخ؟ فيه اختلافات.
رؤيا أم حقيقة؟ فيهما اختلافات.
و سأحدّثكم الآن عن الإسراء و المعراح.
و لكن!
لن أفتح كتاب سيرة بن هشام بل كتابا آخر:
عنوانه: الأساطير اليهوديّة.
ترجمة عن الكتاب من الإنجليزيّة بعنوان:The legends of jews
تأليف: Louis Ginzberg
الكتاب بالفرنسيّة: Les legendes des juifs
ترجمة: Gabrielle sed-Rajna
سنة الطبع و الدار: 2001 / Les editions du Cerf
الجزء الثالث, الفصل العاشر.
النصّ:
بين معقّفين هو كلامي الشخصي:
[يتحدّث النصّ عن الرؤيا التي رآها موسى حين اقترب من النار - في الوادي المقدّس طوى حسب القرآن- و بعد أن يتحدّث مع الله و يأمره بالذهاب إلى فرعون نقرأ التالي]حينها أمر الله الملاك ميتاترون أن يحمل موسى إلى المناطق السماويّة و أن يصطفّ له ثلاثون ألف ملاك, خمسة عشر ألف على يمينه و مثلهم على شماله, و في خوف شديد سأل موسى الملاك:
-من أنت؟
أجاب الملاك: أنا أنوخ بن جارد, جدّك, و قد أمرني الله أن أرافقك حتّى العرش.
(...) في السماء الأولى رأى موسى العديد من الجداول و لاحظ هذه السماء تحتوي على نوافذ كثيرة و على كلّ نافذة يوجد ملاك, نافذة الصلاة, نافذة الدعاء, نافذة البكاء و الفرح, نافذة الحياة و الموت, (...) و نوافذ أخرى عديدة.
في السماء الثانية, رأى موسى الملاك ’’نور-إيل’’ واقفا على ارتفاع ثلاثمائة ذراع و من خلفه خمسون ملاكا, مخلوقين كلّهم من الماء و النار و يديرون وجوههم نحو السكينة shekinah و هم يسبّحون الله و يمجّدونه.
فقال متراتون [مُرافق موسى] : هؤلاء الملائكة يسيّرون السحاب و الرياح و المطار و ما أن ينتهوا من أمر أمرهم به الله [في تسيير مقادير الأرض] حتّى يعودوا إلى مكانهم و يواصلون تسبيحهم و تمجيدهم.
في السماء الثالثة رأى موسى ملاكا يبلغ علوّه مسيرة خمسمائة عام, و كان له سبعون ألف رأس, و كلّ رأس فيه مثل هذا العدد من الأفواه، و كلّ فم فيه مثل هذا العدد من الألسنة, و كان خلف هذا الملاك سبعون ملاكا و كلّهم يطلقون نيرانا بيضاء و يسبّحون الله و يمجّدونه.
في السماء الرابعة رأى موسى معبدا, كانت أعمدته من نيران حمراء [...] و كانت الملائكة تدخل إلى هذا المعبد و تسبّح الله و تمجّده.
سأل موسى: ما هؤلاء؟
أجاب مُرافقه: إنّها الملائكة التي تسيّر الشمس و القمر و النجوم و باقي الأجرام السماويّة و كلّهم يسبّحون الله.
و رأى موسى ايضا في هذه السماء كوكبيْ مارس و فينوس, كانا عرضيهما كعرض الأرض, فتساءل موسى: لماذا خلق الله هذين الكوكبين؟
أجاب الملاك: حين يأتي الصيف يغرب فينوس على الشمس لتبريدها و إلاّ فستحرق كلّ الأرض, أمّ مارس فهو يغرب نحو القمر لإعطائه بعض الدفء حتّى لا تتجمّد الأرض.
في السماء الخامسة رأى موسى جندا من الملائكة, كان نصفهم الأعلى من النار و النصف الأسفل من الثلج, لكن دون أن يختلطا لأنّ الله خلق تناسقا كاملا بين هذين العنصرين. هذه الملائكة اسمها ’’إيشيم’’ و لا تفعل شيئا منذ بدء الخلق إلاّ تسبيحه و تمجيده.
في السماء السادسة كان يوجد الملايين من صفوف الملائكة يسبّحون الله, أسماؤهم كانت ’’إيرين’’ و ’’قدوسيم’’ [ الحافظون و القدّيسون] و كان رئيسهم مخلوقا من التبر [كالثلج] و كان علوّ هذا الملاك مسيرة خمسمائة سنة.
في السماء الأخيرة رأى موسى ملاكين, الأوّل اسمه ’’عف’’ [غضب] و الثاني اسمه ’’حميه’’ [رعب و خوف] , هذان الملاكان خلقهما الله منذ بدء الخليقة و يأتمرون بأمره. أصاب موسى الخوف من منظر الملاكين لكن رفيقه ’’ميتراتون’’ قال له : يا موسى, يا موسى, يا حبيب الله,[المعنى الحرفي: أيّها المصطفى] لا تخف.
لكن كان يوجد في السماء السابعة أيضا ملاك آخر مختلف عن البقيّة و له منظر مخيف, كان علوّه يساوي مسيرة خمسمائة سنة, و كان في رأسه العديد من العيون التي تبرق, فقال ميتراتون: هذا الملاك اسمه ’’شمائيل’’ و هو المكلّف بقبض الأرواح.
[مازال هناك العديد ممّا سيراه موسى في السماء السابعة ثمّ سيزور أيضا الجنّة و النار, و سنواصل هذا المسلسل في الحلقة القادمة]
يتبع....
16
تكملة لقصّة الإسراء و المعراج:
و رأى موسى في السماء السابعة الملائكة ’’حيّوت’’ يحملون العرش و رأى أيضا الملاك ’’زجزج-إيل’’ و هو أمير التوراة و الحكمة, كان بصدد تعليم التوراة لأرواح البشر في سبعين لغة, و من هذا الملاك الذي له قرون من المجد تعلّم موسى الأسرار العشرة.
و بعد أن رأى موسى هذه السموات كلّم الله و قال له:
-لا تتركني أبرح هذا المكان دون أن تهبني هبة منك
فقال الله:
-سأهبك التوراة و سيسمّيها الناس ’’وصايا موسى’’
و حين همّ موسى بالرجوع إلى الأرض سمع هاتفا يقول:
-لقد جئت حتّى هنا و رأيت عرش مجدي, فستذهب أيضا لزيارة الجنّة و النار.
ثمّ أرسل الله الملاك جبريل ليكون رفيقا لموسى.
حين اقترب موسى من أبواب جهنّم وجد خازن النار الذي اسمه’’نصرج-إيل’’ فقال له هذا الأخير:
من أنت؟
أجاب موسى: أنا موسى بن عمران.
قال الملاك: هذا ليس مكانك فأنت من اهل الجنّة.
أجاب موسى: لقد جئت لأرى قوّة و جبروت الله.
ثمّ دخلا إلى جهنّم فرأى أناسا معلّقين من أشفار أعينهم و آخرين معلّقين من آذانهم و آخرين من ألسنتهم و كانوا يبكون بمرارة و حرقة, و النساء كانت معلّقات من شعورهنّ أو نهودهنّ و حولهنّ سلسلة من نار [يستعمل المترجم هنا كلمة destruction حين يتحدّث عن ملائكة العذاب و بعدها يتحدّث عن سلسلة النار حول النسوة , أعتقد أنّ كلمة destruction موجودة في النصّ الأصلي بالعبريّة: مشد, و يمكن مقاربتها مع مسد العربيّة و النساء و السلسة من النار في قوله : في جيدها حبل من مسد] فقال الملاك: هؤلاء معلّقون من أعينهم لأنّهم نظروا برغبة إلى زوجات جيرانهم و بحسد إلى أموال غيرهم, أمّا المعلّقون من آذانهم فلأنّهم كانوا يستمعون للهو و لم يستمعوا للتوراة, أمّ المعلّقون من ألسنتهم فلأنّهم كانوا يحبّون اللغو, و المعلّقون من سيقانهم لأنّهم لم يذهبوا إلى المسجد, و النسوة المعلّقات من شعورهنّ و نهودهنّ لأنّهنّ لم يستترن أمام رجل غريب.
سمع موسى النار تصرخ و تقول:
هل من مزيد؟
فأجابها ملاك النار: و ماذا تريدين؟
قالت: أعطني أرواح البررة أيضا.
فقال الملاك: الله حرّمهم عليك.
و رأى موسى الذين كانوا معلّقين من سيقانهم و وجوههم في الأسفل و على أجسادهم دود كثير, رآهم يصرخون و يقولون:
يا ويلتنا من هذا العذاب, أعطنا الموت لنستريح.
فقال الملاك لموسى: إنّ هؤلاء هم الذين حلفوا بالله كذبا, و قاموا بأعمال يوم السبت, و لم يساعدوا شيخا, و لم يطعموا جارهم المسكين، و لم يعطفوا على أرملة و يتيم, و الذين شهدوا زورا.
ثمّ ذهب موسى إلى مكان آخر في جهنّم فرأى أناسا ملقيّين على الأرض و تحيط بهم العقارب و تلدغهم من كلّ ناحية, كانت كلّ عقرب لها سبعون ألف رأس, في كلّ رأس سبعون ألف فم, في كلّ فم سبعون ألف لسان , في كلّ لسان سبعون ألف جيب من السمّ, و كانوا هؤلاء يسقون به و هم يبكون في حرقة و مرارة.
قال الملاك لموسى: هؤلاء من منعوا أموالهم عن المؤمنين الإسرائيليّين, من خانوا إخوتهم و سلّموهم لأيدي الأمم [الأمم الوثنيّة] هم الذين لم يؤمنوا بالتوراة و قالوا أنّ الله ليس خالق هذا الكون.
[حتّى لا أطيل عليكم فإنّ موسى سيرى أيضا عذاب الذين أكلوا لحم الخنزير و لحوما أخرى لم يُذكر عليها اسم الله و حلّلوا لأنفسهم الميتة و الدم, و كانوا مطفّفين في الميزان, و الذين لم يطيعوا آباءهم , ثمّ سيذهب موسى إلى الجنّة و يرى فيها ما لم تره عين, و لم تسمع به أذن، و حتّى لا أطيل فعندكم التراث الإسلامي في وصف الجنّة -كعذاب النار- يتشابه مع ما رآه موسى, فيرى أربعة أنهار من عسل و لبن و خمر إلخ...]
نتوقّف هنا عند سؤالين:
1-من نقل عن الآخر هذه القصّة عن الإسراء و المعراج؟ اليهود أم المسلمون؟
2-ما موقع القرآن من هذا الأمر؟
هذه قصّة مدراشيّة [ من المدراش] و المدراش و هو تدارس التوراة نجد توأمه الإسلاميّ في ’’التفسير’’ و هو تدارس القرآن, و لا يخفى علينا كمّ الأساطير الموجودة في كليهما.
في الحقيقة و دون أن نتعب أنفسنا كثيرا فإنّ قصّة الإسراء و المعراج المنسوبة لمحمّد [و أقول منسوبة لأنّ القرآن له رأي آخر] مأخوذة من التراث اليهوديّ و تمّ إلباسها لباسا عربيّا إسلاميّا, و الدليل -و بكلّ بساطة- هو التالي:
يروي لنا الطبري في تفسيره قصّة نقلها عن ابن اسحاق [ أي سيرة ابن إسحاق الحقيقيّة و التي أنقص منها ابن هشام الكثير و أخرجها من موروثها ’’الأبيونيّ’’ و ألبسها لباسا عربيّا, و هي السيرة الرسميّة للرسول الآن بينما سيرة ابن اسحاق الأصليّة مفقودة -سنعود فيما بعد لهذا الأمر- ]
لن أنقل كلّ الرواية و إنّما فقط بدايتها و لمن يريد قراءتها كاملة فليعد لتفسير الطبري لسورة الأعراف, الآية 143.
يقول الطبري:
قَالَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم الْأُوَل بِأَحَادِيث أَهْل الْكِتَاب :
و يروي قصّة مجيء موسى لطور سيناء , و هذه القصّة موجودة فعلا في المدراش و هي تسبق تماما قصّة إسراء و معراج موسى التي ذكرناها أعلاه, ممّا يدلّ على أنّهم [ معاصرو ابن إسحاق] كانت لهم معرفة بهذا الروايات المدراشيّة و أنّ إحدى هذه الروايات و هي الإسراء و المعراج تمّ نسبها لمحمّد.
لماذا؟
لأنّ دور القرآن كان محوريّا في التفسير, و حين لا يفهم المفسّرون آية ما فإنّهم -بعد إيراد كلّ الروايات- يضيفون عليها من عندهم أي يتفرّعون و يسهبون في التفسير و لنا مثلا تفسير القرطبي و حديثه عن نملة سليمان فأعطانا اسمها و اسم قبيلتها أيضا! و هذا يدلّ على أنّهم كانوا يستعملون الخيال كثيرا في فهم الآيات.
نعود للسؤال: لماذا؟
لأنّه توجد آية في القرآن تتحدّث عن الإسراء و المسجد الحرام و عبده, إذن فلا توجد أيّ مشكلة, المادّة الخام متوفّرة و هي المدراش و إسراء موسى, و ما علينا إلاّ أن نعيد تركيب القصّة على محمّد و منها نفسّر الآية التي في سورة الإسراء.
مع ترك الخيال طبعا يأخذ مجاله فنرى التفنّن في وصف إسراء و معراج محمّد و ما إلى ذلك من قصص الخيال الأسطوري.
إذن نتساءل:
-هل أسرى محمّد أم لا؟
-فإن كان نعم فكيف؟ و إن كان لا فما تفسير الآية القائلة: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا.....؟
الإجابة بعد الفاصل :)
يتبع....
17
تبقّى لنا في مكّة شيئان للحديث عنهما قبل العودة للمدينة و هما انشقاق القمر و فداء عليّ بن أبي طالب له بنفسه.
لن أعود إلى قصّة الإسراء و المعراج لأنّي لاحظت أنّي سأدخل في مقاربات و تأويلات قرآنيّة و هي لا تتماشى مع منهجي هنا من حيث قراءة ما خلف سطور السيرة.
انشقاق القمر:
لن أقارب القصّة مع القرآن و لا هل كان لمحمّد آيات و معجزات و هل هذا يتّفق مع القرآن في نفيه المعجزات عن محمّد, و إنّما سألتزم فقط بالمنهج الذي رسمتُه كما أشرتُ أعلاه.
يقول البخاري: ’’1’’
حدثني عبد الله بن عبد الوهاب حدثنا بشر بن المفضل حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه أن أهل مكة سألوا رسول الله أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما
و يقول أيضا: ’’2’’
حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله رضى الله تعالى عنه قال انشق القمر ونحن مع النبي بمنى ، فقال اشهدوا وذهبت فرقة نحو الجبل ، وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله انشق بمكة وتابعه محمد بن مسلم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله
أمّا مسلم فيقول: ’’3’’
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِمِنًى إِذَا انْفَلَقَ الْقَمَرُ فِلْقَتَيْنِ فَكَانَتْ فِلْقَةٌ وَرَاءَ الْجَبَلِ وَفِلْقَةٌ دُونَهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ اشْهَدُوا
نلاحظ أنّ الوحيد الذي شاهد حكاية انشقاق القمر هو عبد الله بن مسعود , و رواها بعض الصحابة الآخرين كأنس بن مالك و لكن لم يحضروا الحادثة, و الغريب أنّ عبد الله بن مسعود يقول أعلاه: انشقّ القمر و نحن مع النبيّ بمنى, و لكن من هم هؤلاء ’’النحن’’؟ و الحال أنّ هذه الحادثة لم يروها أحد غيره؟ و لماذا لم يروها من كان حاضرا من المسلمين أيضا؟
و الأعجب من ذلك أنّ هذه الحادثة, حادثة انشقاق القمر, لم يذكرها ابن هشام في السيرة! رغم بحثه عن كلّ ما يدعّم نبوّة محمّد, و هنا احتمالان:
1-رأى أنّها أسطورة لذلك لم يذكرها [ و هذا غريب لأنّه لا يتورّع عن ذكر أساطير غيرها ربّما أعجب منها و ينسبها لمحمّد و أوّلها إسراؤه و معراجه]
2-لم يكن يعلم بها لذلك لم يذكرها [ في البداية رجّحت هذا الأمر و اعتبرت أنّ الحديث لابن مسعود تمّ اختلاقه لاحقا بعد ابن هشام و عدت لكتاب تفسير مقاتل بن سليمان* المتوفّي حوالي 150 هجري أي عاش قبل ابن هشام و هو يذكر هذه الحادثة]
طبعا نحن نعرف أنّه من غير المعقول أن ينشقّ القمر و غيره من هذا الكلام الأسطوريّ و هنا نجد عندنا احتمالان:
1-أنّ ابن مسعود اختلق الرواية لأنّه أراد أن يعطي شرعيّة واقعيّة للآية, ثمّ رواها لغيره و محمّد لم يعارض و ربّما صدّق هو أيضا لأنّ محمّدا كان يؤمن إيمانا عميقا أنّه نبيّ فعلا و بالتالي ما المشكل أن يعطيه الله معجزة؟
2-أنّ ابن مسعود لم يكذب و قد رأى فعلا ’’انشقاق القمر’’ أو بالأحرى تهيّؤات بصريّة إثر مرور جرم سماويّ أو نيزك كبير قطع الطريق بين الأرض و القمر, و ربّما كان هذا الجرم مرئيّا بالعين المجرّدة و إثر توسّطه المسافة بين القمر و الأرض و بفعل الضوء و المؤثّرات بدا و كأنّه نجمة مضيئة تبدو خلف القمر الذي انشطر إلى نصفين! ثمّ لم يعدم ابن مسعود الخيال فيما بعد في جعل القمر يبدو منشطرا حتّى خلف الجبل.
عليّ يفديه بنفسه:
يتبع.......
......................................................
1-صحيح البخاري/كتاب فضائل الصحابة
2-المصدر السابق
3-مختصر صحيح مسلم/كتاب الفضائل
*تفسير مقاتل بن سليمان هو أقدم تفسير وصلنا, و ليس تفسير الطبري كما هو شائع, و هو متروك لأنّه لا يتّفق مع الرواية الإسلاميّة الرسميّة فنرى مثلا تفسيره لسورة العلق حيث لا يذكر قصّة الغار فيقول:وله : ( اقرأ باسم ربك ( يعني بالواحد ) الذي خلق ) [ آية : 1 ] يعني الإنسان ، وكان أول شئ نزل من القرآن خمس آيات من أول هذه السورة [أين؟ ليس في غار حراء بل استمعوا لما يقول:]وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دخل
المسجد الحرام ، فإذا أبو جهل يقلد إلهه الذي يعبده طوقاً من ذهب ، وقد طيبه بالمسك ، وهو يقول : يا هبل لكل شئ سكن ، ولك خير جزاء ، أما وعزتك لأسرنك القابل ، وذلك أنه كان ولد له في تلك السنة ألف من الإبل ، وجاءه عير من الشام فربح عشرة آلاف مثقال من الذهب ، فجعل ذلك الشكر لهبل ، وهو صنم كان في جوف الكعبة طوله ثمانية عشرة ذراعاً .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ويحك ، أعطاك إلهك وشكرت غيره ، أما والله لله فيك نقمة ، فانظر متى تكون ؟
(...)فأنزل الله عز وجل : ( علم الإنسن ما لم يعلم ) [ آية : 5 ] والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يومئذٍ بالأراك ضحى ، ثم بين ، فقال : ( خلق الإنسن من علقٍ ( يعنى من دم حتى تحولت النطفة دماً ، اقرأ
يا محمد ، ثم استأنف ، فقال : ( وربك الأكرم الذي علم ( الكتابة ) بالقلم علم الإنسن ( من القرآن ) ما لم يعلم
18
فداء عليّ بنفسه:
في الحقيقة حاولت أن أتتبّع مصدر هذه الرواية أو هذه القصّة و معرفة طرقها و اسانيدها, و لكنّي فشلت!
فشلت لأنّها أشهر من نار على علم و يرويها العديد دون ذكر أسنادهم بسبب تواترها, ثمّ هي في الحقيقة لا تدخل في باب الحديث عن محمّد و إنّما في باب السيرة, و هي واقعة بلغت حدّ التواتر.
فكما يوجد حديث متواتر توجد أيضا قصص متواترة.
و أودّ أن أفتح قوسا بالمناسبة:
الحديث المتواتر و دون أن ندخل في تعريفات الفقهاء فهو الذي يرويه أكثر من شخص أو صحّابيّ, و كلّما زاد عدد الشهود زادت صحّة الواقعة لعدم تواطئهم -كما يقول الفقهاء- على الكذب.
و إذ نرى أنّ البخاري جمع ألفين و بضع و سبعمائة حديث -إن لم تخنّي الذاكرة- و سمّاها بالصحيح , فإنّ الأحاديث المتواترة لا تتجاوز 112 حديثا مثلما أحصاها الإمام محمّد بن جعفر الكتاني قائلا "وعدة أحاديثه فيه ما ذكره السيوطي هو في آخره مائة لكني عددتها فوجدتها تزيد على ذلك باثني عشر" "4" أي أنّه يمكننا القول أنّ هذه المائة و إثني عشر حديثا لا يمكن الشكّ في صدقها مطلقا و أنّ محمّدا قد قالها فعلا فيمكننا أن نضعها من حيث قيمتها اليقينيّة فوق أحاديث البخاري.
و من هذه الأحاديث المتواترة مثلا:
من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار 73 صحابيا
من شهد أن لا إله إلا اللّه وجبت له الجنة 34 صحابيّا
و لكن لنستمع لهذا الحديث المتواتر أيضا و الذي رواه 24 صحّابيّا:
تقتل عماراً الفئة الباغية
التاريخ يخبرنا أنّ الأمويّين هم الذين قتلوا عمّار بن ياسر, و نعرف أيضا أنّ هذه الأحاديث دوّنت في العصر العبّاسي, و نحن نعرف عداء العبّاسيّين للأمويّين, فالخليفة العبّاس أوّل خلفاء العبّاسيّين قال على المنبر يوم بيعته:’’5’’ ’’ إنّ الله ردّ علينا حقّنا و ختم بنا كما افتتح بنا فاستعدّوا فأنا السفاح المبين و الثائر المبير’’
و يقول فرج فوده:’’6’’ و قد أثبت السفّاح أنّه جدير بالتسمية, فقد بدأ حكمه بقرارين يغنيان عن التعليق و أظنّ أنّه ليس لهما سابقة في التاريخ كلّه , كما لا أظنّ أنّ أحدا بعد السفّاح قد بزّه [أي فعل مثله و تجاوزه] فيما أتاه , أو فاقه فيما فعل.
أمّا القرار الأوّل, أو القرار رقم واحد بلغة العصر الحديث فهو أمره بإخراج جثث بني أميّة من قبورهم و جلدهم و صلبهم و حرق جثثهم, و نثر رمادهم في الريح’’
نرى هنا حجم الكره الذي يكنّه العبّاسيّون للأمويّين و حين نعلم أنّ ما وصلنا قد دوّن في عصرهم فإنّه من الواجب و الحيطة أن نتعامل مع هذه النصوص بحذر شديد و لا نأخذ كلامهم بتصديق خاصّة إذا تعلّق الأمر بحديث عن الأمويّين.
و إذا وجدنا هذا الحديث عن عمّار الذي تقتله الفئة الباغية مسنودا لأكثر من عشرين صحّابيّ فإنّنا نخلص إلى انّهم يستطيعون اختلاق الروايات التي يريدون بل و يجعلون لها سندا متعدّدا و يرفعون الرواية إلى مرتبة المتواتر.
لقد فتحت هذا القوس لأشير إلى في حالتنا هذه [أي ضمن حركات سياسيّة و مذاهب متعدّدة] لا نسلّم بأيّ رواية أو حديث, متواترا كان أو ضعيفا, بل نجعلهم سواسيّة على محكّ النقد و العقل.
إذن قلنا فإنّ رواية فداء عليّ بنفسه هي رواية متواترة و مشهورة, و لنستمع لابن هشام: ’’7’’
فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه . قال : فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام ، فيثبون عليه ؛ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم ، قال لعلي بن أبي طالب : نم على فراشي وتسجّ بِبُردي هذا الحضرمي الأخضر ، فنم فيه ، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام (...)قال : وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : أنا أقول ذلك ، أنت أحدهم . وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه ، فلا يرونه ، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس : ( يس والقرآن الحكيم . إنك لمن المرسلين . على صراط مستقيم . تنزيل العزيز الرحيم ) ... إلى قوله : ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) . حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات ، ولم يبق منهم رجل إلا و قد وضع على رأسه ترابا ، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب ، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم ، فقال : ما تنتظرون ها هنا ؟ قالوا : محمدا ؛ قال : خيبكم الله ! قد والله خرج عليكم محمد ، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟ قال : فوضع كل رجل منهم يده على رأسه ، فإذا عليه تراب ، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا بِبُرْد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : والله إن هذا لمحمد نائما ، عليه برده . فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي رضي الله عنه عن الفراش ، فقالوا : والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا
القصّة تجعلنا نطرح اسئلة عديدة:
1-لماذا ظلّوا ينتظرون في الخارج و لم يدخلوا مباشرة؟
2-لماذا جعل عليّا في مكانه, أي كيف سيعرف الكفّار إن كان هناك شخص نائم في الداخل؟ هل كانوا ينظرون من النوافذ مثلا؟ [السهيلي تفطّن لهذا الأمر حيث يقول:و ذكر بعض اهل التفسير السبب المانع لهم من التقحّم عليه في الدار مع قصر الجدار و إنّهم إنّما جاؤوا ليقتلونه , فذكر في الخبر أنّهم همّوا بالولوج عليه, فصاحت امرأة من الدار, فقال بعضهم لبعض: و الله إنّها للسبّة في العرب أن يتحدّث عنّا أنّا تسوّرنا بالحيطان على بنات العمّ]’’8’’
نرى مثلا في هذا التبرير أنّهم كانوا يستطيعون الرؤية لأنّ الحائط كان قصيرا و لم يدخلوا لأنّهم لا يريدون هتك حرمة المنزل, و في الحقيقة لا أدري ما معنى هذا التبرير فهل كان المنزل بلا سقف؟
في الحقيقة تبدو المسرحيّة مفبركة و أظنّ انّ يدا شيعيّة اختلقتها منذ البداية ثمّ انتشرت القصّة كالنار في الهشيم.
و هناك احتمال آخر:
ربّما خرج محمّد فعلا مهاجرا [ فهو على كلّ حال يعدّ لهذا الأمر منذ ثلاث سنوات و لا ينتظر هجوم قريش ليخرج, بل هو يتمنّى الخروج بفارغ الصبر] و نام عليّ في مكانه على أساس أن يلحق به فيما بعد, و ربّما اتّفقت قريش على قتله, و حين هاجمته وجدت عليّا, أي كان وجود عليّ هناك مجرّد صدفة, فأخذها الشيعة و جعلوه فداء و أنّه تعمّد ذلك, مع إضافة بعض البهارات و التزيينات طبعا.
و لكن العجيب هو رغبة قريش في قتله, رغم موقفها السلميّ لمدّة 13 عاما, و الأعجب أنّها أرسلت لمحمّد عائلته فيما بعد, فإن كان شخصا مطلوبا أو مهدورا دمه فكان يمكن لقريش استعمالها كورقة ضغط عليه, و أرى أنّ قريش لم تفكّر في الجانب الدمويّ أبدا بل و فرحت أنّه هاجر و الدليل إرسال عائلته إليه كما سنتعرّض لذلك فيما بعد, أمّا بحثها عنه و مطاردتها له و اختبائه في الغار فهذا قد يعود إلى رغبة كتبة السيرة في تقديم صورة البطل و تضحيته بنفسه أمام الأشرار.
يتبع......
4-نظم المتناثر من الحديث المتواتر/محمّد بن جعفر الكتاني/المقدّمة
5-فرج فودة/الحقيقة الغائبة/قراءة جديدة في أوراق العبّاسيّين
6-المصدر السابق/ينقله فودة عن الكامل في التاريخ لابن الأثير, و مروج الذهب للمسعودي
7-سيرة ابن هشام/الجزء الثالث
8-سيرة ابن هشام/دار الكتب العلميّة/طبعة 2004/صفحة 342/الهامش رقم 2 للمحقّق نقلا عن السهيلي
19
لقد فاتتني نقطتان سأتطرّق إليهما ثمّ أغلق ملفّ مكّة حاليّا و أعود إلى المدينة, فالنقطة الأولى مرتبطة بقول القرآن: اقتربت الساعة و انشقّ القمر, و علاقتها مع شعر امرئ القيس, و الثانية زواج النبيّ من سودة بنت زمعة قبل الهجرة.
من غزال صاد قلبي و نفر:
يرى البعض أنّ القرآن اقتبس الآية الأولى في سورة القمر و آيات أخرى في القرآن من أبيات لقصيدة لامرئ القيس تقول:
دنت الساعة وانشق القمر * من غزال صاد قلبي ونفر
أحور قد حرت في أوصافه * ناعس الطرف بعينيه حور
مر يوم العيد في زينته * فرماني فتعاطى فعقر
بسهام من لحاظ فاتك * فتركني كهشيم المحتظر
وإذا ما غاب عني ساعة * كانت الساعة أدهى وأمر
و في الحقيقة راجعت ديوان امرئ القيس في كلّ طبعاته و كلّ تحقيقاته فلم أجد بها هذه الأبيات, رغم أنّ المحقّقين يوردون أيضا أشعارا يرون أنّها منحولة و ليست من شعره و رغم ذلك يشيرون إليها, لكن لم يشر أحد من المحقّقين لهذه الأبيات.
و قد علمت مصدرها و هو كتاب ’’فيض القدير شرح الجامع الصغير’’ للمناوي ’’1’’ حيث يذكر بعض هذه الأبيات ناسبا إيّاها لامرئ القيس.
لا يخفى على كلّ عالم بالشعر و الأدب, و مطّلع على لغة و لسان العرب, أنّ هذه الأبيات منسوبة زورا, و أنّها ممّا يعبره الشعر عبورا, فلا يتوقّف عندها الصغار, ناهيك عن نسبتها للكبار, و امرؤ القيس شاعر جاهليّ مُجيد, و شعره منتصب البنيان عتيد, و لولا معرفتي أنّ كلامي يقرؤه بعض العوام, و قد تختلط عليهم الأفهام, لما فصّلت في هذا الأمر الكلام!
أقول هذا لأنّ النقد الأدبيّ له قواعده و خصائصه, و الشعر له ضروبه و أسسه, و إنّي أعجب من قول المناوي و كيف لم يحقّق, أخذ الأبيات المنسوبة لامرئ القيس بغثّها و غثيثها, و أوّلها السقطات العروضيّة و آخرها لغة امرئ القيس الأندلسيّة!
فقوله ’’اقتربت الساعة’’ ساقطة عروضيّا, و لا تستقيم على بحر الرمل, لذلك -و على ما يبدو-أخذها من بعده و أصلح وزنها ليجعلها: ’’دنت الساعة’’ و لو كان الأمر على هذا لكان هيّنا, و لكنّ امرأ القيس أصبح شاعرا من المولّدين, يتغزّل بالغلمان, و يحار في الوصف, و يجعل العذار يشقّ خدّه, و يتكلّف القافية!
هذا الشعر لا يقوله شاعر جاهليّ, و ألفاظه حديثة, و معانيه متأخّرة, و أغلب الظنّ أنّها من الشعر الأندلسي, و قد كانوا يقتبسون من القرآن اقتباسا, و يعتبرونه طريقا للبلاغة و نبراسا, و يقيسون عليه قياسا, و هذا الشعر ما يعجز عنه امرؤ القيس, ليس عجز إدراك, بل عجز تفاوت, لأنّ شعره أجزل و أمتن, و قريضه أبلغ و أبين.
العديد من آيات القرآن مقتبسة من الكتب السابقة, و فيها ما هو نقل حرفيّ لكلام الأحبار و الرهبان, و فيها ما هو على سياق السجّاع و الكهّان, و فيها الأخطاء العلميّة, و القصص الأسطوريّة, لكن علينا التحرّي أثناء النقد, فلا نأتي بشعر أندلسيّ و ننسبه لامرئ القيس ثمّ نقول أخذه القرآن, فهذا ليس من النزاهة و الموضوعيّة بمكان.
سودة بنت زمعة:
بعد وفاة خديجة تزوّج محمّد من سودة و هي: ’’2’’
سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية وهي أول من تزوج بها النبي بعد خديجة وانفردت به نحوا من ثلاث سنين أو أكثر حتى دخل بعائشة وكانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة وكانت أولا عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو العامري
و هذه المرأة كانت متزوّجة من شخص اسمه ’’السكران بن عمرو’’ و هو أخو سهيل بن عمرو الذي ذكرناه أعلاه حيث رفض أن يُجير محمّدا حين عاد من الطائف, و هو أيضا الذي كتب الصحيفة أثناء صلح الحديبيّة, حيث طالب بمسح كلمة ’’رسول الله’’ من المعاهدة, كما سيأتي في حينه.
و حين توفّي زوجها بعد عودتهما من الحبشة تزوّجها محمّد و خطب أيضا عائشة في الوقت نفسه: ’’3’’
قالت عائشة: لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟
قال: «من؟».
قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا.
قال: «فمن البكر؟».
قالت: أحب خلق الله إليك عائشة ابنة أبي بكر.
قال: «ومن الثيب؟».
قالت: سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك.
قال: «فاذهبي فاذكريهما علي».
هناك سؤال يطرح نفسه:
لماذا لم يتزوّج امرأة شابّة؟ لماذا لا تقترح عليه خولة بنت حكيم إلاّ أرملة لها خمسة أولاد أو طفلة صغيرة؟
هل أقفرت مكّة من النساء حتّى لا يكون خياره إلاّ هذا؟ فبعد خديجة يتزوّج أرملة أخرى!
قد يقول قائل: لقد تزوّج من سودة بنت زمعة لأنّها كانت أرملة و لكي يعينها على تربية أطفالها, أي أنّ الزواج راعى هذا الجانب الإنسانيّ.
كلام جميل و لكنّه غير صحيح و إلاّ فأين هذا الجانب الإنسانيّ حين أراد تطليقها بعد أن كبرت, و شعر بثقل المسؤوليّة معها, حتّى أنّها تنازلت له عن ليلتها لعائشة على أن يبقيها زوجة له؟
إنّها حتّى تستعطفه حين أراد طلاقها بعد الهجرة:’’4’’
حدثنا القاسم بن أبي بزة أن النبي بعث إلى سودة بطلاقها فجلست على طريقه فقالت أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه لم طلقتني؟ ألموجدة؟ قال لا قالت فأنشدك الله لما راجعتني فلا حاجة لي في الرجال ولكني أحب أن أبعث في نسائك فراجعها قالت فإني قد جعلت يومي لعائشة
و قد علمَتْ سبب تطليقه لها و هو أنّها امرأة عجوز و لا تمارس الجنس و لذلك قالت له لا حاجة لي في الرجال و يمكنك أن تأخذ ليلتي [حيث كان محمّد يبيت كلّ ليلة عند واحدة من نسائه] و تعطيها لعائشة, و هو ما فعله محمّد فعلا, فصار يبيت ليلتين عند عائشة و ربّما لسان حاله يقول كما ذكر مسند أحمد بن حنبل: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ ’’5’’
و ماذا سيفعل محمّد بهذه العجوز الضخمة و البدينة و عنده عائشة يلاعبها و تلاعبه؟!
يتبع.....................
1-المناوي/فيض القدير شرح الجامع الصغير/حرف الهمزة/88-411 و يقول:
وقد تكلم امرؤ القيس بالقرآن قبل أن ينزل. فقال:
يتمنى المرء في الصيف الشتاء * حتى إذا جاء الشتاء أنكره
فهو لا يرضى بحال واحد * قتل الإنسان ما أكفره
وقال:
اقتربت الساعة وانشق القمر * من غزال صاد قلبي ونفر
وقال:
إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها * ليوم الحساب ترى حالها
يحاسبها ملك عادل * فإما عليها وإما لها
2-سير اعلام النبلاء/الحافظ الذهبي/سودة بنت زمعة
3-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثالث
4-سير اعلام النبلاء/الحافظ الذهبي/سودة بنت زمعة
في تهذيب التهذيب/ابن حجر/ كتاب النساء
يذكر أنّه همّ بطلاقها:
لما اسنت هم النبي بطلاقها فوهبت يومها لعائشه
كان واعية أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا ، فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة ، فجلس معهم .
الغريب أنّ محمّدا لم يردّ على أبي جهل و هذا الأمر يظلّ نقطة استفهام , و عاد محمّد دون أن يقول شيئا رغم أنّ ابن هشام يروي رواية عن رجل سلبه أبو جهل فاشتكى هذا الرجل لمحمّد فأخذ محمّد حقّه له من أبي جهل, و على كلّ حال فالتضارب في السيرة ليس جديدا و علينا محاولة ربط الأحداث و تفهّم المنطلقات الدينيّة لهؤلاء الموظّفين عند الخليفة أثناء كتابة السيرة.
و كان بعد هذه الحادثة بين محمّد و أبي جهل أنّ حمزة كان عائدا من الصيد فأخبرته امرأة بما حدث:’’2’’ قالت له يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد
فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته فخرج يسعى ولم يقف على أحد ، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول ؟ فرد ذلك علي إن استطعت . فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا
نلاحظ أنّ رجالا من بني مخزوم قاموا لمساندة أبي جهل و لكنّه طلب منهم عدم التدخّل.
قلنا إذن أنّ قريشا قاطعت بني هاشم ثمّ تمّ نقض هذه الصحيفة من طرف خمسة رجال منهم رجل من بني مخزوم قريب لأبي جهل و هو زهير بن أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
نعود إلى حكاية رفض بني ثقيف لمحمّد في الطائف, كيف يستطيع العودة إلى مكّة و هو الذي ذهب يطلب التحالف مع خصوم قومه؟
طبعا لن يستطيع العودة, فذهب إلى غار حراء و أرسل إلى الأخنس بن شريق يطلب أن يجيره و يحميه عند الدخول إلى مكّة { هذا الأخنس هو الذي هجاه محمّد في القرآن بالعتل و الزنيم} و لنستمع لابن هشام : ’’3’’
لما انصرف عن أهل الطائف ، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، من تصديقه ونصرته ، صار إلى حراء ، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره ، فقال : أنا حليف ، والحليف لا يجير . فبعث إلى سهيل بن عمرو ، فقال : إن بني عامر لا تجير على بني كعب . فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك ، ثم تسلح المطعم وأهل بيته ، وخرجوا حتى أتوا المسجد ، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادخل ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطاف بالبيت وصلى عنده ، ثم انصرف إلى منـزله
بسبب عدم قدرته على العودة إلى مكّة فإنّنا نلاحظ أنّ المكان الذي ذهب إليه محمّد هو غار حراء { هل هو البحث عن حماية غيبيّة في المكان الذي حدثت له فيه تلك التجربة العنيفة في أحد الليالي منذ سنوات؟} و بعد رفض الأخنس حمايته و كذلك سهيل بن عمرو فإنّ المطعم بن عديّ قبل بذلك و حماه أثناء دخوله إلى مكّة.
و سهيل بن عمرو هو نفسه الذي سيكتب الهدنة فيما بعد بين المسلمين و قريش أثناء غزوة الحديبيّة و كان شريفا و خطيبا و هو من قريش الظواهر أين كانت تسكن بني عامر بن لؤيّ : ’’3’’ ’’ قريش البطاح بنو كعب بن لؤي وقريش الظواهر ما فوق ذلك سكنوا البطحاء والظواهر روقبائل بني كعب هم عدي وجمح وتيم وسهم ومخزوم وأسد وزهرة وعبد مناف وأمية وهاشم كل هؤلاء قريش البطاح وقريش الظواهر بنو عامر بن لؤي يخلد بن النضر والحارث ومالك وقد درجا والحارث ومحارب ابنا فهر وتيم الأدرم بن غالب بن فهر وقيس بن فهر درج وإنما سموا بذلك لأن قريشا اقتسموا فأصابت بنو كعب بن لؤي البطحاء وأصابت هؤلاء الظواهر فهذا تعريف للقبائل لا للمواضع فإن البطحاويين لو سكنوا بالظواهر كانوا بطحاويين وكذلك الظواهر لو كانوا سكنوا البطحاء كانوا ظواهر وأشرفهم البطحاويون’’
و السؤال هنا : لماذا لم يطلب محمّد حماية أحد أقاربه؟ أين حمزة مثلا؟ أم أنّه لا يجرؤ طلب هذا منهم بعد الذي فعله؟
و مطعم بن عديّ الذي أجار محمّد {جدّه نوفل هو أخو هاشم جدّ محمّد} كان أيضا من الرجال الخمسة الذين نقضوا صحيفة الحصار التي تحدّثنا عنها أعلاه و قد مات هذا الرجل دون أن يسلم بينما ابنه جبير أسلم بعد الفتح.و سنعود لهذا الإسم لاحقا لأنّه ذهب يطلب إطلاق سراح بعض الأسرى بعد معركة بدر و لكنّ محمّد رفض.
أرجو أن لا يشعر القارئ الكريم بالملل لإفراطي أحيانا في الحديث عن نسب شخصيّة ما و كيفيّة تفاعلها مع شخصيّة البطل الرئيسيّة {محمّد} و لكنّي أتعمّد ذلك لتتوضّح لنا الرؤية أكثر و نرى كيفيّة بناء الأشخاص و نفسيّاتهم في هذه السيرة المحمّديّة و التي هي في الأخير عمل أدبيّ له أهدافه و أسبابه الدينيّة و يخضع ككلّ عمل أدبيّ إلى ترابط دراميّ بين الشخصيّات التي تدور حول البطل.
نعود إلى الموضوع:
نشير إلى أنّ هناك نفرا من الجنّ آمنت بمحمّد بعد خروجه من الطائف ’’4’’, و لا تخفى علينا طبعا الحالة النفسيّة التي سيكون عليها محمّد بعد أن طلعت حساباته خاطئة مع بني ثقيف, و نرجّح أنّه كان صادقا في اعتقاده بأنّ الجنّ آمنت به فهي حالة دفاع في اللاوعي أو تصعيد حسب تعريف ’’فرويد’’ و كأنّه يقول إن كانت البشر لا تؤمن بما أقول فها هي الجنّ آمنت بي و هي تعرف الغيب أكثر منكم.
و يبدأ محمّد في الاتّصال بالقبائل الأخرى فعرض نفسه على كندة فرفضوا: ’’5’’
قال ابن إسحاق : حدثنا ابن شهاب الزهري : أنه أتى كندة في منازلهم ، وفيهم سيد لهم يقال له : مُليح ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فأبوا عليه
و بني كلب فرفضوا: ’’6’’
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حصين : أنه أتى كلبا في منازلهم ، إلى بطن منهم يقال لهم : بنو عبدالله ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، حتى إنه ليقول لهم : يا بني عبدالله ، إن الله عز وجل قد أحسن اسم أبيكم ، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم
و بني حنيفة شتموه ’’7’’
قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أصحابنا عن عبدالله بن كعب بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليهم ردا منهم
و بني عامر عرفوا قدراته و اقترحوا أن يكون لهم الحكم بعده فرفض فرفضوا ’’8’’
قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فقال رجل منهم - يقال له : بَيْحرة بن فراس . قال ابن هشام : فراس بن عبدالله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - : والله ، لو أني أخذت هذا الفتى من قريش ، لأكلت به العرب ، ثم قال : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء ؛ قال : فقال له : أفتُهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك ؛ فأبوا عليه
إلى أن التقى بوفد من أهل المدينة و هنا سيأخذ محمّد انطلاقة جديدة و دعم جديد و مجال حرّيّة أكبر و لكن ليكذب علينا كتّاب السيرة أيضا أكبر كذبة في التاريخ المحمّديّ.
يتبع.........
1-ابن هشام/الجزء الثاني
2-المصدر السابق
3-ياقوت الحموي/معجم البلدان/باب الباء و الطاء
4-ابن هشام/الجزء الثاني
و راجع أيضا: السيرة الحلبيّة/ باب خروج النبيّ إلى الطائف
و راجع أيضا : البداية و النهاية/ابن كثير/ الجزء الثالث
حيث يقول برهان الدين الحلبي : فلما انصرف رسول الله من الطائف راجعا إلى مكة ونزل نخلة قام يصلي من الليل فصرف إليه نفر من الجن سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجن، ولم يشعر بهم رسول الله حتى نزل عليه {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} هذا كلامه، ونزول ما ذكر كان بعد انصرافهم.
فقد قال ابن إسحاق «فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا به وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله تعالى خبرهم على النبي »
5-ابن هشام/الجزء الثاني
6-المصدر السابق
7-المصدر السابق
8-المصدر السابق
13
بدءا من الآن سيُكثر كتبة السيرة من ’’الماكياج’’ أو بالأحرى إعطاء المعلومة المضادّة و سنبدأ في قراءة ما بين السطور بأكثر حذر و انتباه.
أقول من الآن لأنّ كلّ الأضواء { أضواء السيرة} بدأت تشتدّ ناحية شخصيّة البطل { محمّد} لتزداد إشعاعا عليه بعد الهجرة و حتّى وفاته, فالفترة المكّيّة كانت قليلة المعلومات و ضبابيّة قليلا فلم يلزم الأمر الكثير من بعض التحسينات و التزيينات هنا و هناك و كذلك بطبيعة الحال اختلاق بعض الروايات الجميلة و المعبّرة.
أمّا الفترة المدنيّة فقد كانت أكثر وضوحا بما أنّ البطل صار مشهورا , و لا يمكن بل من المستحيل نفي العديد من الروايات لانتشارها و معرفة الناس بها , و إنّما أحسن شيء هو تأويلها و تزيينها و على أقصى تقدير اختلاق روايات معارضة لها { بالسند طبعا}
و سأعتمد في هذا الفصل على سيرة ابن هشام و سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي فقط.
قلنا إذن يلتقي محمّد بوفد { ستّة أشخاص} من يثرب جاؤوا إلى مكَة في موسم الحجّ و هم كلّهم من الخزرج.
فآمنوا به و صدّقوه و عادوا إلى يثرب مسلمين.
في الموسم الذي يليه يلتقي باثني عشر شخصا جاؤوا من المدينة فبايعوه و آمنوا به و حين عادوا إلى يثرب أرسل معهم أحد الرجال { مصعب بن عمير} يعلّمهم الدين فكان إمامهم هناك لفترة. سمّيت هذه البيعة {بيعة النساء} و كانوا تسعة من الخزرج و ثلاثة من الأوس.
في الموسم الذي يليه جاء بضع و سبعون رجلا و بايعوه و سمّيت هذه البيعة { بيعة الحرب} حيث تعاهدوا على الحرب ثمّ عادوا إلى المدينة و آمن أغلب من كان فيها حتى أنّ محمّدا حين جاءها مهاجرا استقبلوه استقبال الأبطال و كلّ عائلة تريده أن ينزل عندها.
جميلة جدّا هذه الحكاية أليس كذلك؟
و لكن للأسف تشكو من ضعف كبير و هو : إسقاط صورة البطل الأسطوريّة المتأخّرة على واقعه المعاصر له.
و علينا أن نفهم الأوضاع أوّلا لتتوضّح لنا الرؤية أكثر:
يثرب:
مدينة يثرب ’’في ذلك الوقت’’ هي مدينة كبيرة يتراوح عدد سكّانها بين عشرة آلاف و ثلاثين ألف ساكن, و تتميّز بالموقع الملائم لوقوعها قرب الطريق التجاريّة الكبرى و أرضها ذات التربة الجيّدة و المياه و الآبار و الجداول المنتشرة بها.
يقوم اقتصادها على الزراعة { أوّل منتج للتمور و تبيع لكلّ البلدان بما فيها مكّة} و كذلك الخضروات و القمح , و في المرتبة الثانية نجد التجارة و المهن الحرّة اليدويّة و صناعة السلاح. و بعد الحروب المتتالية بين الأوس و الخزرج و تحالف اليهود حينا مع هذا و حينا مع ذاك فإنّ الحصيلة و بإيجاز:
الأوس هم المنتصرون في آخر حرب مع الخزرج.
اليهود يمثّلون قوّة اقتصاديّة هائلة و لهم ثقلهم و وزنهم في المدينة.
الأوس و الخزرج يمثّلون قوّة سياسيّة و حربيّة.
و الآن نتساءل:
ماذا كان دور اليهود في هذه المفاوضات بين محمّد و الوفود القادمة من يثرب؟
احتمال1: اليهود لم تكن تعرف شيئا و تمّت البيعة و جاء محمّد إلى المدينة و وجدوا أنفسهم أمام الأمر الواقع { غير ممكن}
احتمال2:اليهود كانت تعرف و لكنّها تجاهلت الأمر و لم تعطه اهتماما { غير ممكن فالقادم سيأتي كحاكم و مشرّع و من الطبيعي أن يعرفوا من يكون خاصّة أنّه تمّت مبايعته على الحرب من قبل الهجرة}
احتمال3:اليهود لم توافق و تمّ اجبارها على القبول أو تمّ تجاهل رأيها المعارض { غير ممكن، و إلاّ ما ضيّع كتبة السيرة هذه الفرصة التي تضع اليهود في موقف العدوّ منذ البداية –كبداية تبرير منهجيّ لإجلائهم فيما بعد و قتلهم- }
احتمال4:اليهود كانت تعلم و وافقت على مجيء محمّد { لماذا وافقت؟ = هل رأت أنّ نبيّا يذكر موسى في العديد من آيات قرآنه و يصلّي مثلهم نحو بيت المقدس و يدعو إلى عبادة إله واحد من المفيد أن يكون موجودا لإعطائهم أيضا ثقلا دينيّا توحيديّا ؟ لكن اليهود لم يحاولوا أبدا نشر ديانتهم و يعتبرونها حكرا عليهم فقط بوصفهم الشعب المختار. لا ندري فعلا السبب في موافقتهم على مجيء محمّد بل و ربّما دعمه و إنّما الواضح أنّه كان لهم دور في هذا و عدم ذكرهم في السيرة يبدو متعمّدا لأنّه يجب أن يكونوا أشرارا دائما, حسب التوجّه الإيديولوجي في السيرة}
سؤال آخر:
لماذا بايع أهل المدينة محمّدا؟
أوّلا إنّ الروايات التي تقول بإيمان كلّ أو اغلب يثرب هي طبعا غير صحيحة و إلاّ لما خرج معه في بدر 300 شخص تقريبا من مدينة تُعدّ بالآلاف, هذا دون حساب عدد المهاجرين و من آمن من القبائل الأخرى لينخفض عدد الأنصار كثيرا في غزوة بدر.
إذن إنّ الذين اتّبعوا محمّدا كانوا قلّة و لكن لماذا؟
احتمال1: كانوا مشركين و وجدوا الحقّ أخيرا فدخل قلوبهم { احتمال ضعيف, و إلاّ لماذا لم يتهوّدوا أو يتمسَحوا أو يصبحوا مانويّين بما أنّ ماني كان مصدّقا للتوراة و الإنجيل و خاتما للرسل, قبل أن يسلموا؟ }
احتمال2: كانوا يعتبرون الديانة التوحيديّة أحسن من الشرك و كانوا يشعرون بعقدة نقص تجاه اليهود { هذا أيضا ما نفهمه من سياق الكلام في السيرة و لكنّه احتمال ضعيف فلم تكن الديانة تمثّل لهم هاجسا يصلون به إلى الشرف بل كانت الفروسيّة و الشعر و الحماسة , كما أنّ الديانة التوحيديّة ليست متفوّقة على دياناتهم –في مفهومهم- و لنا أن نأخذ مثالا الهنود الحمر الذين لم يشعروا بأيّة عقدة نقص تجاه المسيحييّن أثناء غزو امريكا و لم يؤمنوا طبعا إلاّ تحت حدّ السيف و الإبادة}
احتمال3: كان رجلا عظيما فآمنوا به { احتمال ضعيف. فمحمّد كان بمثابة المطرود من قومه و يتعرّض إلى القبائل في مواسم الحجّ في مكّة لينصروه و يحموه , و قومه لا تفتأ تسخر منه بل و تحتقره – كقول القرآن حين كانوا يهزؤون من محمّد: أهذا الذي بعث الله رسولا- كما أنّ محمّدا لم يكن معروفا بالفروسيّة و الشجاعة أو بمآثر الشرف كجدّه هاشم أو قصيّ مثلا , بل مجرّد شخص يقول كلاما جميلا و بليغا و يدّعي أنّه جاءه من السماء –كما ادّعى من قبله أو في عصره كمسيلمة- }
احتمال4: بايعه فقط قلّة قليلة { أغلبها من الخزرج} و هذه القلّة هي التي آوته في المدينة و لم تكن ذات سلطة سياسيّة لتفرضه بالقوّة كما أنّه من غير المعقول بل من المستحيل أن يذهب الأوس و الخزرج و اليهود للبحث عن رجل ليس منهم يحكمهم , كما أنّ هذا الرجل أصلا محلّ استهزاء من قومه.
و ما يؤيّد هذا الإحتمال هو حالة الفقر الشديد التي كانت عليه هذه المجموعة في المدينة في البداية { أي محمّد و أتباعه} و لنستمع للحافظ الذهبي في سير الأعلام و النبلاء / باب مصعب بن عمير : ’’ كنا قبل الهجرة يصيبنا ظلف العيش وشدته فلا نصبر عليه فما هو إلا أن هاجرنا فأصابنا الجوع والشدة فاستضلعنا بهما وقوينا عليهما فأما مصعب بن عمير فإنه كان أترف غلام بمكة بين أبويه فيما بيننا فلما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي فنعرض له القسي ثم نحمله على عواتقنا’’
فالرجل هنا يكاد يموت من الجوع , و ثروة أبو بكر ذهبت و لم يبق منها إلاّ القليل , و لو كان محمّد هو حاكم المدينة منذ وصوله لما وصل متّبعوه إلى هذه الحالة, فكان لابدّ من التحرّك و إيجاد حلّ و إلاّ فإنّ هذه الدعوة لن تدوم, يجب إيجاد المال.
إذن ما الحلّ؟ الحلّ الذي اختاره محمّد هو الغزو { تحت غطاء إلهيّ} فخرج في أوّل غزوة له إلى قبيلة بني ضمرة فلم يفعل شيئا و عاد بخفّي حنين إلى المدينة, ثمّ أرسل عبيدة بن الحارث مع ثمانين شخصا {لاحظوا: لا يوجد فيهم أحد من الأنصار } إلى قافلة كبيرة من قريش فضُرب سعد بن أبي وقّاص بسهم و عادت هذه البعثة دون أن تفعل شيئا لعدم تكافئ القوى, ثمّ أرسل حمزة مع ثلاثين رجلا { لاحظوا: لا يوجد فيهم أحد من الأنصار} إلى قافلة قرب البحر يقودها أبو جهل مع ثلاثمائة رجل و طبعا عادوا دون فعل أيّ شيء فالقوى غير متكافئة, كلّ هذا و الأمور تسوء في المدينة و الفقر يزداد فخرج محمّد بنفسه في غزوة أخرى إلى قافلة قرب مكان اسمه بواط , و لم يفعل شيئا و عاد إلى المدينة و كذلك خرج إلى غزوة العشيرة و إلى أرض الخرّار و إلى بئر صفوان و كلّها كانت بلا فائدة.
سبع غزوات أو محاولة غزوات كانت كلّها بلا فائدة, و أتباع محمّد يتضوّرون من الجوع و الأمور من سيّئ إلى أسوء فقام محمّد بعمليّة اهتزّت لها المدينة.
إنّها الحاجة و الفاقة, فلا أخلاق أو أعراف أو تقاليد, فماذا فعل؟
ما أن عاد محمّد من المحاولة الفاشلة لغزوة صفوان الأخيرة حتى أعطى لعبد الله بن جحش كتابا مغلقا و طلب منه الاّ يقرأه إلاّ بعد مسيرة يومين و أرسل معه ثمانية أشخاص { لاحظوا : لا يوجد فيهم أحد من الأنصار} و كان في هذه الرسالة السرّيّة أن يرصد قافلة لقريش ستعبر قرب نخلة بين مكّة و الطائف و يغير عليها { طبعا من المستحيل أن يذكر ابن هشام كلمة ’’ و يغير عليها’’ و إنّما قال: ’’ جاء في الرسالة : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكّة و الطائف فترصّد بها قريشا و تعلّم لنا من أخبارها’’ و لا أدري ماذا ذهب يفعل هؤلاء الرجال هل ليشاهدوا قافلة عابرة من هناك –رغم علمهم أصلا بوجودها – ثمّ يعودوا إلى المدينة و يقولوا لمحمّد : يا رسول الله لقد رأينا قرب نخلة قافلة ’’ فيقول لهم محمّد ’’ بارك الله فيكم على المعلومة’’ , إنّ الرسالة كانت تحتوي أمرا بالإغارة كما أنّ السريّة التي اتّبعها محمّد تفضح كلّ ذلك }
قد يقول قائل: و ما المشكل هنا؟ ألم يخرج من قبل للإغارة أيضا ؟
المشكلة: إنّه الشهر الحرام.
فالقوافل تمرّ آمنة أثناء هذا الشهر.
إذن حين علمت البعثة بهذا الأمر تخلّف اثنان من هذه المجموعة { على أساس أنّهما فقدا بعير لهما و لكن ربّما هي صحوة الضمير} بينما قال عبد الله بن جحش { قد نهاني –أي محمّد – أن أستكره منكم أحدا فمن كان منكم يريد الشهادة و يرغب فيها فلينطلق, و من كره ذلك فليرجع} طبعا فالأمر دقيق فمن ناحية يُطلب منهم الإغارة في الشهر الحرام و من ناحية اخرى يلزمهم أن يتحصّلوا على المال أو الغنيمة بسبب الفقر, و في الأخير حزموا أمرهم و انطلقوا.
فحلق اشرف بن عكاشة رأسه و اشرف على القافلة { كانت متكوّنة من 4 أشخاص, أي قافلة صغيرة تحمل بعض الزبيب و الجلد و بعض الأشياء الأخرى} و حين رأوه اطمأنّوا له و اعتبروهم ذاهبين في عمرة إلى مكّة, و حين أمنت لهم القافلة انقضّوا عليها { القوى غير متكافئة+ الغدر و الهجوم الخاطف} فقتلوا شخصا و أسروا شخصين و فرّ منهم الرابع.
و كانت الفضيحة.
اهتزّت قريش من ناحية حين بلغها الشخص الهارب و اهتزّت المدينة فما كان من محمّد إلاّ ان أنكر و قال ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ثمّ و كملاحظ دقيق { و هذه من إحدى ميزاته} بقي يقيس الأمور ليرى طبعا ردّة الفعل من كلّ الأطراف و بعد مدّة حزم أمره { فعلى كلّ حال يلزمهم تقاسم تلك الغنيمة التي ظلّت معلّقة منذ جاؤوا بها} فجاء هنا دور القرآن ليشرّع العمليّة و من ثمّة أخذ محمّد الخمس:
يسالونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير
يتبع.......
14
قبل أن نواصل مع بداية الغزوات و حياة محمّد في المدينة فإنّه يجدر بنا أن نتوقّف قبل ذلك عند الكتاب الذي كتبه محمّد في يثرب حال وصوله, و الذي يسمّيه الدارسون اصطلاحا: معاهدة المدينة.
و هو نصّ طويل و قد قمت بتبويبه إلى فصول و ترقيمه و لا أدري إن قام أحد قبلي بهذا العمل في العربيّة [ صاحب الفكرة الأوّل هو wensinck سنة 1908] و قد رأيت أنّها فكرة جيّدة و أسهل في القراءة.
كلّ المستشرقين تقريبا [على حدّ علمي] يرون أنّ هذا النصّ تمّت كتابته أثتاء حياة محمّد و يعتبرونه أقدم نصّ وصلنا منه, دون اعتبار القرآن.
النصّ:
ابن هشام/الجزء الثالث/باب هجرة النبيّ:
1- بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم ، فلحق بهم ، وجاهد معهم
2- إنهم أمة واحدة من دون الناس
1-3 المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين
2-3 وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
3-3 وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
4-3 وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
5-3 وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
6-3 وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
7-3 وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
8-3 وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
9-3 وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
4-وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه
5- وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظُلم ، أو إثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين
6- وإن أيديهم عليه جميعا ، ولو كان ولد أحدهم
7- ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ، ولا ينصر كافرا على مؤمن
8- وإن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم
9- وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس
10- وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة ، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم
11-وإن سلم المؤمنين واحدة ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله ، إلا على سواء وعدل بينهم
12- وإن كل غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضا
13- وإن المؤمنين يُبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله
14-وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه
15- وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ، ولا يحول دونه على مؤمن
16- وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول
1-16 وإن المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلا قيام عليه
17- وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخر ، أن ينصر مُحْدثا ولا يُؤويه
1-17 وأنه من نصره أو آواه ، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل
18-وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء ، فإن مرده إلى الله عز وجل ، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم
19- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين
20- وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه ، وأهل بيته
1-20وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف
2-20 وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف
3-20 وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف
4-20وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف
5-20 وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف
6-20وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف ؛ إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته
7-20 وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم
8-20 وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوف
9-20 وإن البر دون الإثم
10-20وإن موالي ثعلبة كأنفسهم
11-20 وإن بطانة يهود كأنفسهم
1-11-20وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم
21-وإنه لا ينحجز على نار جرح
22- وإنه من فتك فبنفسه فتك ، وأهل بيته ، إلا من ظلم
23- وإن الله على أبر هذا
24-وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم
1-24 وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة
2-24 وإن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم
25- وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه
26- وإن النصر للمظلوم
27- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين
28- وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة
29-وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم
30- وإنه لا تجُار حُرمة إلا بإذن أهلها
31- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخُاف فساده ، فإن مرده إلى الله عز وجل ، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
32- وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره
33- وإنه لا تجُار قريش ولا من نصرها
34- وإن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه ، فإنهم يصالحونه ويلبسونه
1-34 وإنهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين ، إلا من حارب في الدين ، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهم
35- وإن يهود الأوس ، مواليهم وأنفسهم ، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة . مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة .
36-وإن البر دون الإثم ، لا يكسب كاسب إلا على نفسه
37- وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره
38- وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم
39- وإنه من خرج آمنٌ ، ومن قعد آمن بالمدينة ، إلا من ظلم أو أثم
40- وإن الله جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا هو الكتاب أو المعاهدة و قد قسّمته إلى أربعين فصلا.
الفصول من 3-1 إلى 3-9 تذكر القبائل الحاضرة في هذا الحلف.
من 4 إلى 18 تنظّم القوانين الداخليّة في حاليْ الحرب و السلم.
من 19 إلى 20 و 24 و 27 و 35 يذكر القبائل اليهوديّة الحاضرة.
و البقيّة تذكير و تأكيد على ضرورة احترام هذه المعاهدة.
لكن!
هناك شيء غريب.
أين بنو قريظة و بنو النضير و بنو قينقاع؟
كيف ينسى أن يذكرهم و لهم ما لهم من ثقل اقتصاديّ و تجاريّ في يثرب؟
الجواب واضح: لم يكونوا موجودين في المدينة!
فهذه المعاهدة كُتبت بعد نفيهم و قتلهم و بالتالي لا داعي لذكرهم.
و هو ما يؤكّد ما ذهبنا إليه إلى أنّ محمّدا حين وصل إلى يثرب لم يكن ذلك المشرّع و الحاكم بل تمّ استقباله من طرف عصبة قليلة و لم يبلغ ما بلغه فيها إلاّ بفضل الغزوات الناجحة التي جعلت العديد ينضمّون إلى عصابته و بدأ جيشه يكبر رويدا رويدا إلى أن أجلى قبائل اليهود الثلاث فيما بعد و صار هو الحاكم و المشرّع و بالتالي كتب هذه المعاهدة و لم يكن يستطيع كتابتها حال وصوله.
و السيرة العربيّة جعلت هذه المعاهدة تُكتب في البداية لكن و كما نرى نرجّح أنّها كتبت بعد قتل و نفي اليهود.
و يبدو أنّي أستبق الأحداث كثيرا لذلك سأعود إلى مكّة لأتعرّض لحادثتي الإسراء و فداء عليّ له بنفسه ثمّ نعود مرّة أخرى إلى المدينة.
يتبع.....
15
نعود الآن إلى مكّة, و في منزل أمّ هانئ بنت أبي طالب بالتحديد حيث كان محمّد نائما في بيتها.
التاريخ؟ فيه اختلافات.
رؤيا أم حقيقة؟ فيهما اختلافات.
و سأحدّثكم الآن عن الإسراء و المعراح.
و لكن!
لن أفتح كتاب سيرة بن هشام بل كتابا آخر:
عنوانه: الأساطير اليهوديّة.
ترجمة عن الكتاب من الإنجليزيّة بعنوان:The legends of jews
تأليف: Louis Ginzberg
الكتاب بالفرنسيّة: Les legendes des juifs
ترجمة: Gabrielle sed-Rajna
سنة الطبع و الدار: 2001 / Les editions du Cerf
الجزء الثالث, الفصل العاشر.
النصّ:
بين معقّفين هو كلامي الشخصي:
[يتحدّث النصّ عن الرؤيا التي رآها موسى حين اقترب من النار - في الوادي المقدّس طوى حسب القرآن- و بعد أن يتحدّث مع الله و يأمره بالذهاب إلى فرعون نقرأ التالي]حينها أمر الله الملاك ميتاترون أن يحمل موسى إلى المناطق السماويّة و أن يصطفّ له ثلاثون ألف ملاك, خمسة عشر ألف على يمينه و مثلهم على شماله, و في خوف شديد سأل موسى الملاك:
-من أنت؟
أجاب الملاك: أنا أنوخ بن جارد, جدّك, و قد أمرني الله أن أرافقك حتّى العرش.
(...) في السماء الأولى رأى موسى العديد من الجداول و لاحظ هذه السماء تحتوي على نوافذ كثيرة و على كلّ نافذة يوجد ملاك, نافذة الصلاة, نافذة الدعاء, نافذة البكاء و الفرح, نافذة الحياة و الموت, (...) و نوافذ أخرى عديدة.
في السماء الثانية, رأى موسى الملاك ’’نور-إيل’’ واقفا على ارتفاع ثلاثمائة ذراع و من خلفه خمسون ملاكا, مخلوقين كلّهم من الماء و النار و يديرون وجوههم نحو السكينة shekinah و هم يسبّحون الله و يمجّدونه.
فقال متراتون [مُرافق موسى] : هؤلاء الملائكة يسيّرون السحاب و الرياح و المطار و ما أن ينتهوا من أمر أمرهم به الله [في تسيير مقادير الأرض] حتّى يعودوا إلى مكانهم و يواصلون تسبيحهم و تمجيدهم.
في السماء الثالثة رأى موسى ملاكا يبلغ علوّه مسيرة خمسمائة عام, و كان له سبعون ألف رأس, و كلّ رأس فيه مثل هذا العدد من الأفواه، و كلّ فم فيه مثل هذا العدد من الألسنة, و كان خلف هذا الملاك سبعون ملاكا و كلّهم يطلقون نيرانا بيضاء و يسبّحون الله و يمجّدونه.
في السماء الرابعة رأى موسى معبدا, كانت أعمدته من نيران حمراء [...] و كانت الملائكة تدخل إلى هذا المعبد و تسبّح الله و تمجّده.
سأل موسى: ما هؤلاء؟
أجاب مُرافقه: إنّها الملائكة التي تسيّر الشمس و القمر و النجوم و باقي الأجرام السماويّة و كلّهم يسبّحون الله.
و رأى موسى ايضا في هذه السماء كوكبيْ مارس و فينوس, كانا عرضيهما كعرض الأرض, فتساءل موسى: لماذا خلق الله هذين الكوكبين؟
أجاب الملاك: حين يأتي الصيف يغرب فينوس على الشمس لتبريدها و إلاّ فستحرق كلّ الأرض, أمّ مارس فهو يغرب نحو القمر لإعطائه بعض الدفء حتّى لا تتجمّد الأرض.
في السماء الخامسة رأى موسى جندا من الملائكة, كان نصفهم الأعلى من النار و النصف الأسفل من الثلج, لكن دون أن يختلطا لأنّ الله خلق تناسقا كاملا بين هذين العنصرين. هذه الملائكة اسمها ’’إيشيم’’ و لا تفعل شيئا منذ بدء الخلق إلاّ تسبيحه و تمجيده.
في السماء السادسة كان يوجد الملايين من صفوف الملائكة يسبّحون الله, أسماؤهم كانت ’’إيرين’’ و ’’قدوسيم’’ [ الحافظون و القدّيسون] و كان رئيسهم مخلوقا من التبر [كالثلج] و كان علوّ هذا الملاك مسيرة خمسمائة سنة.
في السماء الأخيرة رأى موسى ملاكين, الأوّل اسمه ’’عف’’ [غضب] و الثاني اسمه ’’حميه’’ [رعب و خوف] , هذان الملاكان خلقهما الله منذ بدء الخليقة و يأتمرون بأمره. أصاب موسى الخوف من منظر الملاكين لكن رفيقه ’’ميتراتون’’ قال له : يا موسى, يا موسى, يا حبيب الله,[المعنى الحرفي: أيّها المصطفى] لا تخف.
لكن كان يوجد في السماء السابعة أيضا ملاك آخر مختلف عن البقيّة و له منظر مخيف, كان علوّه يساوي مسيرة خمسمائة سنة, و كان في رأسه العديد من العيون التي تبرق, فقال ميتراتون: هذا الملاك اسمه ’’شمائيل’’ و هو المكلّف بقبض الأرواح.
[مازال هناك العديد ممّا سيراه موسى في السماء السابعة ثمّ سيزور أيضا الجنّة و النار, و سنواصل هذا المسلسل في الحلقة القادمة]
يتبع....
16
تكملة لقصّة الإسراء و المعراج:
و رأى موسى في السماء السابعة الملائكة ’’حيّوت’’ يحملون العرش و رأى أيضا الملاك ’’زجزج-إيل’’ و هو أمير التوراة و الحكمة, كان بصدد تعليم التوراة لأرواح البشر في سبعين لغة, و من هذا الملاك الذي له قرون من المجد تعلّم موسى الأسرار العشرة.
و بعد أن رأى موسى هذه السموات كلّم الله و قال له:
-لا تتركني أبرح هذا المكان دون أن تهبني هبة منك
فقال الله:
-سأهبك التوراة و سيسمّيها الناس ’’وصايا موسى’’
و حين همّ موسى بالرجوع إلى الأرض سمع هاتفا يقول:
-لقد جئت حتّى هنا و رأيت عرش مجدي, فستذهب أيضا لزيارة الجنّة و النار.
ثمّ أرسل الله الملاك جبريل ليكون رفيقا لموسى.
حين اقترب موسى من أبواب جهنّم وجد خازن النار الذي اسمه’’نصرج-إيل’’ فقال له هذا الأخير:
من أنت؟
أجاب موسى: أنا موسى بن عمران.
قال الملاك: هذا ليس مكانك فأنت من اهل الجنّة.
أجاب موسى: لقد جئت لأرى قوّة و جبروت الله.
ثمّ دخلا إلى جهنّم فرأى أناسا معلّقين من أشفار أعينهم و آخرين معلّقين من آذانهم و آخرين من ألسنتهم و كانوا يبكون بمرارة و حرقة, و النساء كانت معلّقات من شعورهنّ أو نهودهنّ و حولهنّ سلسلة من نار [يستعمل المترجم هنا كلمة destruction حين يتحدّث عن ملائكة العذاب و بعدها يتحدّث عن سلسلة النار حول النسوة , أعتقد أنّ كلمة destruction موجودة في النصّ الأصلي بالعبريّة: مشد, و يمكن مقاربتها مع مسد العربيّة و النساء و السلسة من النار في قوله : في جيدها حبل من مسد] فقال الملاك: هؤلاء معلّقون من أعينهم لأنّهم نظروا برغبة إلى زوجات جيرانهم و بحسد إلى أموال غيرهم, أمّا المعلّقون من آذانهم فلأنّهم كانوا يستمعون للهو و لم يستمعوا للتوراة, أمّ المعلّقون من ألسنتهم فلأنّهم كانوا يحبّون اللغو, و المعلّقون من سيقانهم لأنّهم لم يذهبوا إلى المسجد, و النسوة المعلّقات من شعورهنّ و نهودهنّ لأنّهنّ لم يستترن أمام رجل غريب.
سمع موسى النار تصرخ و تقول:
هل من مزيد؟
فأجابها ملاك النار: و ماذا تريدين؟
قالت: أعطني أرواح البررة أيضا.
فقال الملاك: الله حرّمهم عليك.
و رأى موسى الذين كانوا معلّقين من سيقانهم و وجوههم في الأسفل و على أجسادهم دود كثير, رآهم يصرخون و يقولون:
يا ويلتنا من هذا العذاب, أعطنا الموت لنستريح.
فقال الملاك لموسى: إنّ هؤلاء هم الذين حلفوا بالله كذبا, و قاموا بأعمال يوم السبت, و لم يساعدوا شيخا, و لم يطعموا جارهم المسكين، و لم يعطفوا على أرملة و يتيم, و الذين شهدوا زورا.
ثمّ ذهب موسى إلى مكان آخر في جهنّم فرأى أناسا ملقيّين على الأرض و تحيط بهم العقارب و تلدغهم من كلّ ناحية, كانت كلّ عقرب لها سبعون ألف رأس, في كلّ رأس سبعون ألف فم, في كلّ فم سبعون ألف لسان , في كلّ لسان سبعون ألف جيب من السمّ, و كانوا هؤلاء يسقون به و هم يبكون في حرقة و مرارة.
قال الملاك لموسى: هؤلاء من منعوا أموالهم عن المؤمنين الإسرائيليّين, من خانوا إخوتهم و سلّموهم لأيدي الأمم [الأمم الوثنيّة] هم الذين لم يؤمنوا بالتوراة و قالوا أنّ الله ليس خالق هذا الكون.
[حتّى لا أطيل عليكم فإنّ موسى سيرى أيضا عذاب الذين أكلوا لحم الخنزير و لحوما أخرى لم يُذكر عليها اسم الله و حلّلوا لأنفسهم الميتة و الدم, و كانوا مطفّفين في الميزان, و الذين لم يطيعوا آباءهم , ثمّ سيذهب موسى إلى الجنّة و يرى فيها ما لم تره عين, و لم تسمع به أذن، و حتّى لا أطيل فعندكم التراث الإسلامي في وصف الجنّة -كعذاب النار- يتشابه مع ما رآه موسى, فيرى أربعة أنهار من عسل و لبن و خمر إلخ...]
نتوقّف هنا عند سؤالين:
1-من نقل عن الآخر هذه القصّة عن الإسراء و المعراج؟ اليهود أم المسلمون؟
2-ما موقع القرآن من هذا الأمر؟
هذه قصّة مدراشيّة [ من المدراش] و المدراش و هو تدارس التوراة نجد توأمه الإسلاميّ في ’’التفسير’’ و هو تدارس القرآن, و لا يخفى علينا كمّ الأساطير الموجودة في كليهما.
في الحقيقة و دون أن نتعب أنفسنا كثيرا فإنّ قصّة الإسراء و المعراج المنسوبة لمحمّد [و أقول منسوبة لأنّ القرآن له رأي آخر] مأخوذة من التراث اليهوديّ و تمّ إلباسها لباسا عربيّا إسلاميّا, و الدليل -و بكلّ بساطة- هو التالي:
يروي لنا الطبري في تفسيره قصّة نقلها عن ابن اسحاق [ أي سيرة ابن إسحاق الحقيقيّة و التي أنقص منها ابن هشام الكثير و أخرجها من موروثها ’’الأبيونيّ’’ و ألبسها لباسا عربيّا, و هي السيرة الرسميّة للرسول الآن بينما سيرة ابن اسحاق الأصليّة مفقودة -سنعود فيما بعد لهذا الأمر- ]
لن أنقل كلّ الرواية و إنّما فقط بدايتها و لمن يريد قراءتها كاملة فليعد لتفسير الطبري لسورة الأعراف, الآية 143.
يقول الطبري:
قَالَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم الْأُوَل بِأَحَادِيث أَهْل الْكِتَاب :
و يروي قصّة مجيء موسى لطور سيناء , و هذه القصّة موجودة فعلا في المدراش و هي تسبق تماما قصّة إسراء و معراج موسى التي ذكرناها أعلاه, ممّا يدلّ على أنّهم [ معاصرو ابن إسحاق] كانت لهم معرفة بهذا الروايات المدراشيّة و أنّ إحدى هذه الروايات و هي الإسراء و المعراج تمّ نسبها لمحمّد.
لماذا؟
لأنّ دور القرآن كان محوريّا في التفسير, و حين لا يفهم المفسّرون آية ما فإنّهم -بعد إيراد كلّ الروايات- يضيفون عليها من عندهم أي يتفرّعون و يسهبون في التفسير و لنا مثلا تفسير القرطبي و حديثه عن نملة سليمان فأعطانا اسمها و اسم قبيلتها أيضا! و هذا يدلّ على أنّهم كانوا يستعملون الخيال كثيرا في فهم الآيات.
نعود للسؤال: لماذا؟
لأنّه توجد آية في القرآن تتحدّث عن الإسراء و المسجد الحرام و عبده, إذن فلا توجد أيّ مشكلة, المادّة الخام متوفّرة و هي المدراش و إسراء موسى, و ما علينا إلاّ أن نعيد تركيب القصّة على محمّد و منها نفسّر الآية التي في سورة الإسراء.
مع ترك الخيال طبعا يأخذ مجاله فنرى التفنّن في وصف إسراء و معراج محمّد و ما إلى ذلك من قصص الخيال الأسطوري.
إذن نتساءل:
-هل أسرى محمّد أم لا؟
-فإن كان نعم فكيف؟ و إن كان لا فما تفسير الآية القائلة: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا.....؟
الإجابة بعد الفاصل :)
يتبع....
17
تبقّى لنا في مكّة شيئان للحديث عنهما قبل العودة للمدينة و هما انشقاق القمر و فداء عليّ بن أبي طالب له بنفسه.
لن أعود إلى قصّة الإسراء و المعراج لأنّي لاحظت أنّي سأدخل في مقاربات و تأويلات قرآنيّة و هي لا تتماشى مع منهجي هنا من حيث قراءة ما خلف سطور السيرة.
انشقاق القمر:
لن أقارب القصّة مع القرآن و لا هل كان لمحمّد آيات و معجزات و هل هذا يتّفق مع القرآن في نفيه المعجزات عن محمّد, و إنّما سألتزم فقط بالمنهج الذي رسمتُه كما أشرتُ أعلاه.
يقول البخاري: ’’1’’
حدثني عبد الله بن عبد الوهاب حدثنا بشر بن المفضل حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه أن أهل مكة سألوا رسول الله أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما
و يقول أيضا: ’’2’’
حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله رضى الله تعالى عنه قال انشق القمر ونحن مع النبي بمنى ، فقال اشهدوا وذهبت فرقة نحو الجبل ، وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله انشق بمكة وتابعه محمد بن مسلم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله
أمّا مسلم فيقول: ’’3’’
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِمِنًى إِذَا انْفَلَقَ الْقَمَرُ فِلْقَتَيْنِ فَكَانَتْ فِلْقَةٌ وَرَاءَ الْجَبَلِ وَفِلْقَةٌ دُونَهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ اشْهَدُوا
نلاحظ أنّ الوحيد الذي شاهد حكاية انشقاق القمر هو عبد الله بن مسعود , و رواها بعض الصحابة الآخرين كأنس بن مالك و لكن لم يحضروا الحادثة, و الغريب أنّ عبد الله بن مسعود يقول أعلاه: انشقّ القمر و نحن مع النبيّ بمنى, و لكن من هم هؤلاء ’’النحن’’؟ و الحال أنّ هذه الحادثة لم يروها أحد غيره؟ و لماذا لم يروها من كان حاضرا من المسلمين أيضا؟
و الأعجب من ذلك أنّ هذه الحادثة, حادثة انشقاق القمر, لم يذكرها ابن هشام في السيرة! رغم بحثه عن كلّ ما يدعّم نبوّة محمّد, و هنا احتمالان:
1-رأى أنّها أسطورة لذلك لم يذكرها [ و هذا غريب لأنّه لا يتورّع عن ذكر أساطير غيرها ربّما أعجب منها و ينسبها لمحمّد و أوّلها إسراؤه و معراجه]
2-لم يكن يعلم بها لذلك لم يذكرها [ في البداية رجّحت هذا الأمر و اعتبرت أنّ الحديث لابن مسعود تمّ اختلاقه لاحقا بعد ابن هشام و عدت لكتاب تفسير مقاتل بن سليمان* المتوفّي حوالي 150 هجري أي عاش قبل ابن هشام و هو يذكر هذه الحادثة]
طبعا نحن نعرف أنّه من غير المعقول أن ينشقّ القمر و غيره من هذا الكلام الأسطوريّ و هنا نجد عندنا احتمالان:
1-أنّ ابن مسعود اختلق الرواية لأنّه أراد أن يعطي شرعيّة واقعيّة للآية, ثمّ رواها لغيره و محمّد لم يعارض و ربّما صدّق هو أيضا لأنّ محمّدا كان يؤمن إيمانا عميقا أنّه نبيّ فعلا و بالتالي ما المشكل أن يعطيه الله معجزة؟
2-أنّ ابن مسعود لم يكذب و قد رأى فعلا ’’انشقاق القمر’’ أو بالأحرى تهيّؤات بصريّة إثر مرور جرم سماويّ أو نيزك كبير قطع الطريق بين الأرض و القمر, و ربّما كان هذا الجرم مرئيّا بالعين المجرّدة و إثر توسّطه المسافة بين القمر و الأرض و بفعل الضوء و المؤثّرات بدا و كأنّه نجمة مضيئة تبدو خلف القمر الذي انشطر إلى نصفين! ثمّ لم يعدم ابن مسعود الخيال فيما بعد في جعل القمر يبدو منشطرا حتّى خلف الجبل.
عليّ يفديه بنفسه:
يتبع.......
......................................................
1-صحيح البخاري/كتاب فضائل الصحابة
2-المصدر السابق
3-مختصر صحيح مسلم/كتاب الفضائل
*تفسير مقاتل بن سليمان هو أقدم تفسير وصلنا, و ليس تفسير الطبري كما هو شائع, و هو متروك لأنّه لا يتّفق مع الرواية الإسلاميّة الرسميّة فنرى مثلا تفسيره لسورة العلق حيث لا يذكر قصّة الغار فيقول:وله : ( اقرأ باسم ربك ( يعني بالواحد ) الذي خلق ) [ آية : 1 ] يعني الإنسان ، وكان أول شئ نزل من القرآن خمس آيات من أول هذه السورة [أين؟ ليس في غار حراء بل استمعوا لما يقول:]وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دخل
المسجد الحرام ، فإذا أبو جهل يقلد إلهه الذي يعبده طوقاً من ذهب ، وقد طيبه بالمسك ، وهو يقول : يا هبل لكل شئ سكن ، ولك خير جزاء ، أما وعزتك لأسرنك القابل ، وذلك أنه كان ولد له في تلك السنة ألف من الإبل ، وجاءه عير من الشام فربح عشرة آلاف مثقال من الذهب ، فجعل ذلك الشكر لهبل ، وهو صنم كان في جوف الكعبة طوله ثمانية عشرة ذراعاً .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ويحك ، أعطاك إلهك وشكرت غيره ، أما والله لله فيك نقمة ، فانظر متى تكون ؟
(...)فأنزل الله عز وجل : ( علم الإنسن ما لم يعلم ) [ آية : 5 ] والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يومئذٍ بالأراك ضحى ، ثم بين ، فقال : ( خلق الإنسن من علقٍ ( يعنى من دم حتى تحولت النطفة دماً ، اقرأ
يا محمد ، ثم استأنف ، فقال : ( وربك الأكرم الذي علم ( الكتابة ) بالقلم علم الإنسن ( من القرآن ) ما لم يعلم
18
فداء عليّ بنفسه:
في الحقيقة حاولت أن أتتبّع مصدر هذه الرواية أو هذه القصّة و معرفة طرقها و اسانيدها, و لكنّي فشلت!
فشلت لأنّها أشهر من نار على علم و يرويها العديد دون ذكر أسنادهم بسبب تواترها, ثمّ هي في الحقيقة لا تدخل في باب الحديث عن محمّد و إنّما في باب السيرة, و هي واقعة بلغت حدّ التواتر.
فكما يوجد حديث متواتر توجد أيضا قصص متواترة.
و أودّ أن أفتح قوسا بالمناسبة:
الحديث المتواتر و دون أن ندخل في تعريفات الفقهاء فهو الذي يرويه أكثر من شخص أو صحّابيّ, و كلّما زاد عدد الشهود زادت صحّة الواقعة لعدم تواطئهم -كما يقول الفقهاء- على الكذب.
و إذ نرى أنّ البخاري جمع ألفين و بضع و سبعمائة حديث -إن لم تخنّي الذاكرة- و سمّاها بالصحيح , فإنّ الأحاديث المتواترة لا تتجاوز 112 حديثا مثلما أحصاها الإمام محمّد بن جعفر الكتاني قائلا "وعدة أحاديثه فيه ما ذكره السيوطي هو في آخره مائة لكني عددتها فوجدتها تزيد على ذلك باثني عشر" "4" أي أنّه يمكننا القول أنّ هذه المائة و إثني عشر حديثا لا يمكن الشكّ في صدقها مطلقا و أنّ محمّدا قد قالها فعلا فيمكننا أن نضعها من حيث قيمتها اليقينيّة فوق أحاديث البخاري.
و من هذه الأحاديث المتواترة مثلا:
من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار 73 صحابيا
من شهد أن لا إله إلا اللّه وجبت له الجنة 34 صحابيّا
و لكن لنستمع لهذا الحديث المتواتر أيضا و الذي رواه 24 صحّابيّا:
تقتل عماراً الفئة الباغية
التاريخ يخبرنا أنّ الأمويّين هم الذين قتلوا عمّار بن ياسر, و نعرف أيضا أنّ هذه الأحاديث دوّنت في العصر العبّاسي, و نحن نعرف عداء العبّاسيّين للأمويّين, فالخليفة العبّاس أوّل خلفاء العبّاسيّين قال على المنبر يوم بيعته:’’5’’ ’’ إنّ الله ردّ علينا حقّنا و ختم بنا كما افتتح بنا فاستعدّوا فأنا السفاح المبين و الثائر المبير’’
و يقول فرج فوده:’’6’’ و قد أثبت السفّاح أنّه جدير بالتسمية, فقد بدأ حكمه بقرارين يغنيان عن التعليق و أظنّ أنّه ليس لهما سابقة في التاريخ كلّه , كما لا أظنّ أنّ أحدا بعد السفّاح قد بزّه [أي فعل مثله و تجاوزه] فيما أتاه , أو فاقه فيما فعل.
أمّا القرار الأوّل, أو القرار رقم واحد بلغة العصر الحديث فهو أمره بإخراج جثث بني أميّة من قبورهم و جلدهم و صلبهم و حرق جثثهم, و نثر رمادهم في الريح’’
نرى هنا حجم الكره الذي يكنّه العبّاسيّون للأمويّين و حين نعلم أنّ ما وصلنا قد دوّن في عصرهم فإنّه من الواجب و الحيطة أن نتعامل مع هذه النصوص بحذر شديد و لا نأخذ كلامهم بتصديق خاصّة إذا تعلّق الأمر بحديث عن الأمويّين.
و إذا وجدنا هذا الحديث عن عمّار الذي تقتله الفئة الباغية مسنودا لأكثر من عشرين صحّابيّ فإنّنا نخلص إلى انّهم يستطيعون اختلاق الروايات التي يريدون بل و يجعلون لها سندا متعدّدا و يرفعون الرواية إلى مرتبة المتواتر.
لقد فتحت هذا القوس لأشير إلى في حالتنا هذه [أي ضمن حركات سياسيّة و مذاهب متعدّدة] لا نسلّم بأيّ رواية أو حديث, متواترا كان أو ضعيفا, بل نجعلهم سواسيّة على محكّ النقد و العقل.
إذن قلنا فإنّ رواية فداء عليّ بنفسه هي رواية متواترة و مشهورة, و لنستمع لابن هشام: ’’7’’
فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه . قال : فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام ، فيثبون عليه ؛ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم ، قال لعلي بن أبي طالب : نم على فراشي وتسجّ بِبُردي هذا الحضرمي الأخضر ، فنم فيه ، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام (...)قال : وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : أنا أقول ذلك ، أنت أحدهم . وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه ، فلا يرونه ، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس : ( يس والقرآن الحكيم . إنك لمن المرسلين . على صراط مستقيم . تنزيل العزيز الرحيم ) ... إلى قوله : ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) . حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات ، ولم يبق منهم رجل إلا و قد وضع على رأسه ترابا ، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب ، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم ، فقال : ما تنتظرون ها هنا ؟ قالوا : محمدا ؛ قال : خيبكم الله ! قد والله خرج عليكم محمد ، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟ قال : فوضع كل رجل منهم يده على رأسه ، فإذا عليه تراب ، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا بِبُرْد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : والله إن هذا لمحمد نائما ، عليه برده . فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي رضي الله عنه عن الفراش ، فقالوا : والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا
القصّة تجعلنا نطرح اسئلة عديدة:
1-لماذا ظلّوا ينتظرون في الخارج و لم يدخلوا مباشرة؟
2-لماذا جعل عليّا في مكانه, أي كيف سيعرف الكفّار إن كان هناك شخص نائم في الداخل؟ هل كانوا ينظرون من النوافذ مثلا؟ [السهيلي تفطّن لهذا الأمر حيث يقول:و ذكر بعض اهل التفسير السبب المانع لهم من التقحّم عليه في الدار مع قصر الجدار و إنّهم إنّما جاؤوا ليقتلونه , فذكر في الخبر أنّهم همّوا بالولوج عليه, فصاحت امرأة من الدار, فقال بعضهم لبعض: و الله إنّها للسبّة في العرب أن يتحدّث عنّا أنّا تسوّرنا بالحيطان على بنات العمّ]’’8’’
نرى مثلا في هذا التبرير أنّهم كانوا يستطيعون الرؤية لأنّ الحائط كان قصيرا و لم يدخلوا لأنّهم لا يريدون هتك حرمة المنزل, و في الحقيقة لا أدري ما معنى هذا التبرير فهل كان المنزل بلا سقف؟
في الحقيقة تبدو المسرحيّة مفبركة و أظنّ انّ يدا شيعيّة اختلقتها منذ البداية ثمّ انتشرت القصّة كالنار في الهشيم.
و هناك احتمال آخر:
ربّما خرج محمّد فعلا مهاجرا [ فهو على كلّ حال يعدّ لهذا الأمر منذ ثلاث سنوات و لا ينتظر هجوم قريش ليخرج, بل هو يتمنّى الخروج بفارغ الصبر] و نام عليّ في مكانه على أساس أن يلحق به فيما بعد, و ربّما اتّفقت قريش على قتله, و حين هاجمته وجدت عليّا, أي كان وجود عليّ هناك مجرّد صدفة, فأخذها الشيعة و جعلوه فداء و أنّه تعمّد ذلك, مع إضافة بعض البهارات و التزيينات طبعا.
و لكن العجيب هو رغبة قريش في قتله, رغم موقفها السلميّ لمدّة 13 عاما, و الأعجب أنّها أرسلت لمحمّد عائلته فيما بعد, فإن كان شخصا مطلوبا أو مهدورا دمه فكان يمكن لقريش استعمالها كورقة ضغط عليه, و أرى أنّ قريش لم تفكّر في الجانب الدمويّ أبدا بل و فرحت أنّه هاجر و الدليل إرسال عائلته إليه كما سنتعرّض لذلك فيما بعد, أمّا بحثها عنه و مطاردتها له و اختبائه في الغار فهذا قد يعود إلى رغبة كتبة السيرة في تقديم صورة البطل و تضحيته بنفسه أمام الأشرار.
يتبع......
4-نظم المتناثر من الحديث المتواتر/محمّد بن جعفر الكتاني/المقدّمة
5-فرج فودة/الحقيقة الغائبة/قراءة جديدة في أوراق العبّاسيّين
6-المصدر السابق/ينقله فودة عن الكامل في التاريخ لابن الأثير, و مروج الذهب للمسعودي
7-سيرة ابن هشام/الجزء الثالث
8-سيرة ابن هشام/دار الكتب العلميّة/طبعة 2004/صفحة 342/الهامش رقم 2 للمحقّق نقلا عن السهيلي
19
لقد فاتتني نقطتان سأتطرّق إليهما ثمّ أغلق ملفّ مكّة حاليّا و أعود إلى المدينة, فالنقطة الأولى مرتبطة بقول القرآن: اقتربت الساعة و انشقّ القمر, و علاقتها مع شعر امرئ القيس, و الثانية زواج النبيّ من سودة بنت زمعة قبل الهجرة.
من غزال صاد قلبي و نفر:
يرى البعض أنّ القرآن اقتبس الآية الأولى في سورة القمر و آيات أخرى في القرآن من أبيات لقصيدة لامرئ القيس تقول:
دنت الساعة وانشق القمر * من غزال صاد قلبي ونفر
أحور قد حرت في أوصافه * ناعس الطرف بعينيه حور
مر يوم العيد في زينته * فرماني فتعاطى فعقر
بسهام من لحاظ فاتك * فتركني كهشيم المحتظر
وإذا ما غاب عني ساعة * كانت الساعة أدهى وأمر
و في الحقيقة راجعت ديوان امرئ القيس في كلّ طبعاته و كلّ تحقيقاته فلم أجد بها هذه الأبيات, رغم أنّ المحقّقين يوردون أيضا أشعارا يرون أنّها منحولة و ليست من شعره و رغم ذلك يشيرون إليها, لكن لم يشر أحد من المحقّقين لهذه الأبيات.
و قد علمت مصدرها و هو كتاب ’’فيض القدير شرح الجامع الصغير’’ للمناوي ’’1’’ حيث يذكر بعض هذه الأبيات ناسبا إيّاها لامرئ القيس.
لا يخفى على كلّ عالم بالشعر و الأدب, و مطّلع على لغة و لسان العرب, أنّ هذه الأبيات منسوبة زورا, و أنّها ممّا يعبره الشعر عبورا, فلا يتوقّف عندها الصغار, ناهيك عن نسبتها للكبار, و امرؤ القيس شاعر جاهليّ مُجيد, و شعره منتصب البنيان عتيد, و لولا معرفتي أنّ كلامي يقرؤه بعض العوام, و قد تختلط عليهم الأفهام, لما فصّلت في هذا الأمر الكلام!
أقول هذا لأنّ النقد الأدبيّ له قواعده و خصائصه, و الشعر له ضروبه و أسسه, و إنّي أعجب من قول المناوي و كيف لم يحقّق, أخذ الأبيات المنسوبة لامرئ القيس بغثّها و غثيثها, و أوّلها السقطات العروضيّة و آخرها لغة امرئ القيس الأندلسيّة!
فقوله ’’اقتربت الساعة’’ ساقطة عروضيّا, و لا تستقيم على بحر الرمل, لذلك -و على ما يبدو-أخذها من بعده و أصلح وزنها ليجعلها: ’’دنت الساعة’’ و لو كان الأمر على هذا لكان هيّنا, و لكنّ امرأ القيس أصبح شاعرا من المولّدين, يتغزّل بالغلمان, و يحار في الوصف, و يجعل العذار يشقّ خدّه, و يتكلّف القافية!
هذا الشعر لا يقوله شاعر جاهليّ, و ألفاظه حديثة, و معانيه متأخّرة, و أغلب الظنّ أنّها من الشعر الأندلسي, و قد كانوا يقتبسون من القرآن اقتباسا, و يعتبرونه طريقا للبلاغة و نبراسا, و يقيسون عليه قياسا, و هذا الشعر ما يعجز عنه امرؤ القيس, ليس عجز إدراك, بل عجز تفاوت, لأنّ شعره أجزل و أمتن, و قريضه أبلغ و أبين.
العديد من آيات القرآن مقتبسة من الكتب السابقة, و فيها ما هو نقل حرفيّ لكلام الأحبار و الرهبان, و فيها ما هو على سياق السجّاع و الكهّان, و فيها الأخطاء العلميّة, و القصص الأسطوريّة, لكن علينا التحرّي أثناء النقد, فلا نأتي بشعر أندلسيّ و ننسبه لامرئ القيس ثمّ نقول أخذه القرآن, فهذا ليس من النزاهة و الموضوعيّة بمكان.
سودة بنت زمعة:
بعد وفاة خديجة تزوّج محمّد من سودة و هي: ’’2’’
سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية وهي أول من تزوج بها النبي بعد خديجة وانفردت به نحوا من ثلاث سنين أو أكثر حتى دخل بعائشة وكانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة وكانت أولا عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو العامري
و هذه المرأة كانت متزوّجة من شخص اسمه ’’السكران بن عمرو’’ و هو أخو سهيل بن عمرو الذي ذكرناه أعلاه حيث رفض أن يُجير محمّدا حين عاد من الطائف, و هو أيضا الذي كتب الصحيفة أثناء صلح الحديبيّة, حيث طالب بمسح كلمة ’’رسول الله’’ من المعاهدة, كما سيأتي في حينه.
و حين توفّي زوجها بعد عودتهما من الحبشة تزوّجها محمّد و خطب أيضا عائشة في الوقت نفسه: ’’3’’
قالت عائشة: لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟
قال: «من؟».
قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا.
قال: «فمن البكر؟».
قالت: أحب خلق الله إليك عائشة ابنة أبي بكر.
قال: «ومن الثيب؟».
قالت: سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك.
قال: «فاذهبي فاذكريهما علي».
هناك سؤال يطرح نفسه:
لماذا لم يتزوّج امرأة شابّة؟ لماذا لا تقترح عليه خولة بنت حكيم إلاّ أرملة لها خمسة أولاد أو طفلة صغيرة؟
هل أقفرت مكّة من النساء حتّى لا يكون خياره إلاّ هذا؟ فبعد خديجة يتزوّج أرملة أخرى!
قد يقول قائل: لقد تزوّج من سودة بنت زمعة لأنّها كانت أرملة و لكي يعينها على تربية أطفالها, أي أنّ الزواج راعى هذا الجانب الإنسانيّ.
كلام جميل و لكنّه غير صحيح و إلاّ فأين هذا الجانب الإنسانيّ حين أراد تطليقها بعد أن كبرت, و شعر بثقل المسؤوليّة معها, حتّى أنّها تنازلت له عن ليلتها لعائشة على أن يبقيها زوجة له؟
إنّها حتّى تستعطفه حين أراد طلاقها بعد الهجرة:’’4’’
حدثنا القاسم بن أبي بزة أن النبي بعث إلى سودة بطلاقها فجلست على طريقه فقالت أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه لم طلقتني؟ ألموجدة؟ قال لا قالت فأنشدك الله لما راجعتني فلا حاجة لي في الرجال ولكني أحب أن أبعث في نسائك فراجعها قالت فإني قد جعلت يومي لعائشة
و قد علمَتْ سبب تطليقه لها و هو أنّها امرأة عجوز و لا تمارس الجنس و لذلك قالت له لا حاجة لي في الرجال و يمكنك أن تأخذ ليلتي [حيث كان محمّد يبيت كلّ ليلة عند واحدة من نسائه] و تعطيها لعائشة, و هو ما فعله محمّد فعلا, فصار يبيت ليلتين عند عائشة و ربّما لسان حاله يقول كما ذكر مسند أحمد بن حنبل: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ ’’5’’
و ماذا سيفعل محمّد بهذه العجوز الضخمة و البدينة و عنده عائشة يلاعبها و تلاعبه؟!
يتبع.....................
1-المناوي/فيض القدير شرح الجامع الصغير/حرف الهمزة/88-411 و يقول:
وقد تكلم امرؤ القيس بالقرآن قبل أن ينزل. فقال:
يتمنى المرء في الصيف الشتاء * حتى إذا جاء الشتاء أنكره
فهو لا يرضى بحال واحد * قتل الإنسان ما أكفره
وقال:
اقتربت الساعة وانشق القمر * من غزال صاد قلبي ونفر
وقال:
إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها * ليوم الحساب ترى حالها
يحاسبها ملك عادل * فإما عليها وإما لها
2-سير اعلام النبلاء/الحافظ الذهبي/سودة بنت زمعة
3-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثالث
4-سير اعلام النبلاء/الحافظ الذهبي/سودة بنت زمعة
في تهذيب التهذيب/ابن حجر/ كتاب النساء
يذكر أنّه همّ بطلاقها:
لما اسنت هم النبي بطلاقها فوهبت يومها لعائشه
5-الجمع بين الصحيحين/الحميدي/ الجزء الثالث /يذكر حديث جابر بن عبد الله حين أراد الزواج من امرأة لم تعد مع زوجها و أخبر محمّد بذلك:فلما دنونا من المدينة أخذت أرتجل قال أين تريد قلت تزوجت امرأة قد خلا منها قال فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك
و راجع مسند أحمد بن حنبل/باب جابر بن عبد الله20
غزوة بدر:
بعد أن نجحت غزوة نخلة, و لم تكن لها تداعيات على محمّد, فكّر النبيّ في توسيع مجال حركته, فقرّر الهجوم على قافلة قريشيّة عائدة من الشام يقودها أبو سفيان, لكنّ الأمر مختلف, فالقافلة الصغيرة التي استولى عليها عبد الله بن جحش في الشهر الحرام ليست كالقافلة التي يقودها أبو سفيان, خاصّة أنّ أغلب أشراف مكّة كان لهم تجارة فيها, فهي قافلة كبيرة و الغنيمة مغرية.
لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلاً من الشام ندب المسلمين إليهم وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ’’1’’
و لكن هناك من عارض هذه الفكرة و خاصّة من المهاجرين, فكيف سيحملون السيف على أهاليهم؟
و حسم هذا التردّد تدخّل رجل من الأنصار [سعد بن عبادة] ليؤيّد هذه الفكرة, ففي الأخير هو ليس مكّيّا أو قريشيّا فما المانع من القتال؟ خاصّة أنّ الغنيمة كبيرة: ’’2’’
أن رسول الله شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه [لم يعجبه كلام أبي بكر] ثم تكلم عمر فأعرض عنه [لم يعجبه كلام عمر] فقام سعد بن عبادة، [هو من الأنصار و لا يهمّه مهاجمة قريش] فقال إيانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا قال: فندب رسول الله الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا
نلاحظ أنّ النبيّ يشاور أصحابه, و لكنّه في الوقت نفسه يدفعهم للفكرة التي يريدها, و سنرى هذا كثيرا فيما بعد, حيث يبدو كأنّه يعطي رأيه فقط و بالتوازي يختار رأي شخص آخر متّفق معه , و هذه من الأساليب القياديّة التي يلزمها موهبة و فهم للشخصيّات المحيطة به.
إذن فقد أجمعت هذه الجماعة على مهاجمة القافلة, و قبل أن نواصل, نتساءل:
هل أعلم محمّد قريشا بأنّه سيهاجم قوافلهم؟ أي بمعنى آخر هل أعلن الحرب على قريش؟
هل أراد مهاجمة هذه القافلة كرجل حرب, في وقت حرب, أم هاجمها كقاطع طريق و لصّ؟
هناك احتمالان:
1-نعم أعلم قريشا منذ البداية أنّه سيحاربهم,أي من أوّل يوم هاجر فيه, و بالتالي من الطبيعيّ أن يقطع الطرق التجاريّة الرابطة بين مكّة و الشام.
2-لم يعلمهم و قام بالهجوم و الغدر المباغت.
بالنسبة للإحتمال الأوّل, أي أنّهم على علم بحربه لهم, يراودنا سؤال:
إن كان كذلك, فلماذا لم يغيّروا طريق القافلة منذ البداية؟ لماذا لم يتّخذوا مثلا الطرق الشرقيّة القريبة من العراق؟
هل احتقروا قوّة محمّد و اعتبروها مجرّد عصابة صغيرة, و ليس هو من سيجعلهم يتّخذون طريقا أخرى أكثر تكلفة لقوافلهم؟ فلم يأخذوا إعلانه على محمل الجدّ؟
الرأي الأرجح أنّهم كانوا يتخوّفون فعلا من قطعه للطريق لكن ليس إلى حدّ تغيير طرقهم التجاريّة المعتادة, فكان أبو سفيان يرسل بعض الأشخاص يسبقون القافلة و يتأكّدون من أمان الطريق: وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفاً من أمر الناس حتى أصاب خبراً من بعض الركبان أن محمداً قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك ’’3’’
فأرسل ابو سفيان يطلب المدد من مكّة بينما توجّه محمّد إلى بدر و معه ’’جنرالاته’’ كعمر و حمزة إلخ إلاّ عثمان بن عفّان لأنّ زوجته رقيّة و هي بنت محمّد, مريضة فبقي معها في المدينة.
و طبعا سيخرج مع محمّد العديد من الناس الطامعين في الغنيمة, كخبيب بن يساف الذي لحق بمحمّد أثناء خروجه لبدر: ’’4’’ وكان حبيب بن يساف ذا بأس ونجدة ولم يكن أسلم، ولكنه خرج نجدة لقومه من الخزرج طالبا للغنيمة، ففرح المسلمون بخروجه معهم، فقال له رسول الله «لا يصحبنا إلا من كان على ديننا» أي وفي رواية «ارجع فإنا لا نستعين بمشرك» [لكنّ هذا ارجل أصرّ و كرّر طلبه ثلاث مرّات , حتّى أنّه أعلن إسلامه ليستطيع المشاركة]وفي الثالثة قال له: تؤمن بالله ورسوله؟ [ أي محمّد سأل الرجل هل تسلم أم لا؟ ]قال نعم، فأسلم وقاتل قتالا شديدا.
و لا يخفى علينا أنّ هناك من اختصر الأمر و أسلم منذ البداية ليستطيع المشاركة في الغزوات و الحصول على الغنائم.
و قبل أن يصل محمّد إلى بدر أرسل بعض رجاله [منهم عليّ و الزبير و سعد بن أبي وقّاص] إلى بدر يتأكّدون من المكان و يتجسّسون فوجدوا رجلين أرسلتهما قريش أيضا للتجسّس فقبضوا عليهما و جاؤوا بهما للنبيّ الذي كان بصدد الصلاة, فأخذوا يستجوبونهما : ’’5’’ فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد فأتوهما فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما فلما أذلقوهما قالا نحن لأبي سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه ثم سلم وقال إذا صدقاكم ضربتوهما وإذا كذباكم تركتوهما صدقاً والله إنهما لقريش
نلاحظ قوّة فراسة و ملاحظة محمّد, فهو كان يصلّي و في الوقت نفسه يتابع الإستجواب, و عرف أنّ الرجلين قالا الحقيقة منذ البداية و حين تعرّضا للضرب اعترفا بما يريد الصحابة سماعه, لكنّ محمّدا عرف أنّهما لم يكذبا.
إذن و كي لا نطيل فإنّ محمّدا اختار مكان المعركة و توقيتها, كما أنّه كان أوّل النازلين ببدر فقام بردم الآبار فيها , فصار متحكّما في مورد مهمّ في الحرب و هو الماء, و صار له تفوّق استراتيجيّ و تكتيتكيّ على عدوّه, و هذه الفكرة في الحقيقة ليست فكرته بل كان رأي خباب بن المنذر, حيث أنّ محمّدا اختار في البداية مكانا آخر, فقال له خباب: ’’6’’ يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة . فقال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أشرت بالرأي
و أودّ أن أذكر هذه ’’الحكاية الطريفة’’ كي ندخل قليلا في الجوّ العام لعقليّة بعض أصحاب محمّد, ففي طريقهم نحو بدر و معهم النبيّ: ’’7’’ لقوا رجلا من الأعراب ، فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا [أي سألوه إن كان له علم بأخبار قريش]; فقال له الناس سلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أو فيكم رسول الله ؟ [أي هل معكم رسول الله؟]قالوا : نعم, فسلم عليه ثم قال إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه .[انظروا إلى هذا الأعرابيّ! يقول بما أنّك نبيّ فقل لي ماذا يوجد في بطن هذا الجمل الآن, أظنّه يتهكّم] قال له سلمة بن سلامة بن وقش لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عليّ فأنا أخبرك عن ذلك .[تدخّل أحد الصحابة ليجيب بدلا عن محمّد و قال له تعال إلى هنا و سأجيبك أنا ثمّ قال:] نزوت عليها ، ففي بطنها منك سخلة [أي أنت نكحت ناقتك و توجد ابنتك داخلها, يبدو أنّه يتهكّم ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مه أفحشت على الرجل ثم أعرض عن سلمة [ طبعا لم يجبه محمّد, و لاحظوا كلام هذا الصحابيّ و كيف يبدو و كأنّه كلام عصابة قطّاع طرق و ليس تابعي أنبياء]
و قد تردّدت قريش في الخروج لسببين:
1-أبو سفيان استطاع أن يسلك طريقا أخرى و ينجو بالقافلة
2-خوف قريش أن تهاجمهم بنو كنانة من الخلف و ذلك لوجود ثأر بينهم
لكنّ المصمّمين على الخروج خرجوا, و ذلك لتلقين عصابة محمّد الصغيرة درسا و كذلك للمشاركة في سوق بدر السنويّ, و تجدر الإشارة إلى أنّ أبا لهب لم يخرج معهم كما عاد منهم الكثير من بني زهرة و كذلك من بني هاشم.
نتيجة القوى:
قريش: خرجوا على عجل بلا تحضير مسبّق للحرب, و ينقصهم العديد من المحاربين المعتادين على القتال.[ بعكس ما سيحدث في غزوة أحد فيما بعد حين يجهّزون أمورهم]
محمّد:خرج على مهل و اختار المكان المناسب و الوقت المناسب.
قريش: متفوّقة عدديّا.
محمّد: متفوّق استراتيجيّا و تكتيكيّا.
تقابل الطرفين:
و قبل أن تبدأ المعركة وقف محمّد و أخذ حفنة من التراب و الحصى و رمى بها جهة قريش و هو يقول :شاهت الوجوه [ كما تفعل الكهّان قبل الحرب] : ’’7’’ ثمّ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشا بها ، ثم قال شاهت الوجوه ، ثم نفحهم بها
و وعد المسلمين بالجنّة إذا انتصروا ثمّ عاد إلى الخيمة الصغيرة التي صنعوها له و بدأ يصلّي و يدعو الله أن ينصره.
أمّا أبو جهل في الناحية الأخرى فقد أخذ يدعو الله أيضا ’’8’’ : قال أبو جهل بن هشام اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة أي اللهمّ إنّ محمّدا قطع رحمنا و فرّق بين أهلنا و جاءنا بما لم نسمع به من قبل فأهلكه هذا اليوم.
ثمّ بدأت المعركة و انتصر المسلمون و بدؤوا يأسرون العدوّ , و قد كان سعد بن معاذ واقفا على خيمة محمّد بصدد حراستها مع بعض الأنصار و محمّد في الداخل, و إذ بدأ المسلمون في قتل الأسرى خرج محمّد و أمرهم بعدم قتلهم قائلا: ’’9’’ إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها ، لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث ابن أسد فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب ، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها
الخلاصة أنّه طالب بعدم قتل أهله من قريش, ممّا دفع أحدهم أن يقول: ’’10’’ فقال أبو حذيفة أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألحمنه السيف [أي أغرس سيفي فيه] قال فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب يا أبا حفص أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف ؟ فقال عمر يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق [لقد أصبح حذيفة الآن منافقا لأنّه طالب بالعدل في التعامل مع الأسرى, فكيف يقتل أهله بينما محمّد يطالب بعدم لمس بني هاشم]
المهمّ انّ كلّ من كان له عائلة تستطيع أن تفديه أبقوا على حياته لمبادلته بالمال [ثمن الفداء كان بين 1000 و 4000 درهم أي ما يعادل تقريبا بين 20 و 80 ناقة] و الآخرون تمّت تصفيتهم و إلقاؤهم في بئر, و كانت الغنيمة كبيرة, حيث خرج المسلمون في حصانين و سبعين جملا فقط [ انظروا إلى حالة الفقر التي هم عليها] و عادوا بعد المعركة بعشرة أحصنة و 150 جملا و سيوفا و عتادا و خاصّة بالأسرى الذين سيتمّ فداؤهم بالمال.
يتبع.......
1-ابن سيّد الناس/ عيون الأثر في المغازي و السير/18-47
و راجع سيرة ابن هشام/الجزء الثالث
2-صحيح مسلم/كتاب الجهاد و السير/باب غزوة بدر
3-ابن سيّد الناس/عيون الأثر في المغازي و السير/18-47
و راجع سيرة بن هشام/الجزء الثالث
4-برهان الدين الحلبي/السيرة الحلبيّة/باب غزوة بدر
و راجع سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي/ باب خبيب بن يساف
و البخاري يذكرها في التاريخ الكبير/باب خبيب , بهذه الطريقة:
خبيب بن يساف الأنصاري ويقال بن إساف قال عبد الله الجعفي حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا مستلم بن سعيد قال حدثني خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب عن أبيه عن جده قال خرج النبي وجها فأتيته أنا ورجل من قومي قلنا إنا نكره أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم فقال أسلمتما قلنا لا قال فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين فأسلمنا وشهدنا معه
5-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثالث
و راجع سيرة ابن هشام/الجزء الثالث
6-سيرة بن هشام/الجزء الثالث
7-المصدر السابق
8-المصدر السابق
9-المصدر السابق
غزوة بدر:
بعد أن نجحت غزوة نخلة, و لم تكن لها تداعيات على محمّد, فكّر النبيّ في توسيع مجال حركته, فقرّر الهجوم على قافلة قريشيّة عائدة من الشام يقودها أبو سفيان, لكنّ الأمر مختلف, فالقافلة الصغيرة التي استولى عليها عبد الله بن جحش في الشهر الحرام ليست كالقافلة التي يقودها أبو سفيان, خاصّة أنّ أغلب أشراف مكّة كان لهم تجارة فيها, فهي قافلة كبيرة و الغنيمة مغرية.
لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلاً من الشام ندب المسلمين إليهم وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ’’1’’
و لكن هناك من عارض هذه الفكرة و خاصّة من المهاجرين, فكيف سيحملون السيف على أهاليهم؟
و حسم هذا التردّد تدخّل رجل من الأنصار [سعد بن عبادة] ليؤيّد هذه الفكرة, ففي الأخير هو ليس مكّيّا أو قريشيّا فما المانع من القتال؟ خاصّة أنّ الغنيمة كبيرة: ’’2’’
أن رسول الله شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه [لم يعجبه كلام أبي بكر] ثم تكلم عمر فأعرض عنه [لم يعجبه كلام عمر] فقام سعد بن عبادة، [هو من الأنصار و لا يهمّه مهاجمة قريش] فقال إيانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا قال: فندب رسول الله الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا
نلاحظ أنّ النبيّ يشاور أصحابه, و لكنّه في الوقت نفسه يدفعهم للفكرة التي يريدها, و سنرى هذا كثيرا فيما بعد, حيث يبدو كأنّه يعطي رأيه فقط و بالتوازي يختار رأي شخص آخر متّفق معه , و هذه من الأساليب القياديّة التي يلزمها موهبة و فهم للشخصيّات المحيطة به.
إذن فقد أجمعت هذه الجماعة على مهاجمة القافلة, و قبل أن نواصل, نتساءل:
هل أعلم محمّد قريشا بأنّه سيهاجم قوافلهم؟ أي بمعنى آخر هل أعلن الحرب على قريش؟
هل أراد مهاجمة هذه القافلة كرجل حرب, في وقت حرب, أم هاجمها كقاطع طريق و لصّ؟
هناك احتمالان:
1-نعم أعلم قريشا منذ البداية أنّه سيحاربهم,أي من أوّل يوم هاجر فيه, و بالتالي من الطبيعيّ أن يقطع الطرق التجاريّة الرابطة بين مكّة و الشام.
2-لم يعلمهم و قام بالهجوم و الغدر المباغت.
بالنسبة للإحتمال الأوّل, أي أنّهم على علم بحربه لهم, يراودنا سؤال:
إن كان كذلك, فلماذا لم يغيّروا طريق القافلة منذ البداية؟ لماذا لم يتّخذوا مثلا الطرق الشرقيّة القريبة من العراق؟
هل احتقروا قوّة محمّد و اعتبروها مجرّد عصابة صغيرة, و ليس هو من سيجعلهم يتّخذون طريقا أخرى أكثر تكلفة لقوافلهم؟ فلم يأخذوا إعلانه على محمل الجدّ؟
الرأي الأرجح أنّهم كانوا يتخوّفون فعلا من قطعه للطريق لكن ليس إلى حدّ تغيير طرقهم التجاريّة المعتادة, فكان أبو سفيان يرسل بعض الأشخاص يسبقون القافلة و يتأكّدون من أمان الطريق: وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفاً من أمر الناس حتى أصاب خبراً من بعض الركبان أن محمداً قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك ’’3’’
فأرسل ابو سفيان يطلب المدد من مكّة بينما توجّه محمّد إلى بدر و معه ’’جنرالاته’’ كعمر و حمزة إلخ إلاّ عثمان بن عفّان لأنّ زوجته رقيّة و هي بنت محمّد, مريضة فبقي معها في المدينة.
و طبعا سيخرج مع محمّد العديد من الناس الطامعين في الغنيمة, كخبيب بن يساف الذي لحق بمحمّد أثناء خروجه لبدر: ’’4’’ وكان حبيب بن يساف ذا بأس ونجدة ولم يكن أسلم، ولكنه خرج نجدة لقومه من الخزرج طالبا للغنيمة، ففرح المسلمون بخروجه معهم، فقال له رسول الله «لا يصحبنا إلا من كان على ديننا» أي وفي رواية «ارجع فإنا لا نستعين بمشرك» [لكنّ هذا ارجل أصرّ و كرّر طلبه ثلاث مرّات , حتّى أنّه أعلن إسلامه ليستطيع المشاركة]وفي الثالثة قال له: تؤمن بالله ورسوله؟ [ أي محمّد سأل الرجل هل تسلم أم لا؟ ]قال نعم، فأسلم وقاتل قتالا شديدا.
و لا يخفى علينا أنّ هناك من اختصر الأمر و أسلم منذ البداية ليستطيع المشاركة في الغزوات و الحصول على الغنائم.
و قبل أن يصل محمّد إلى بدر أرسل بعض رجاله [منهم عليّ و الزبير و سعد بن أبي وقّاص] إلى بدر يتأكّدون من المكان و يتجسّسون فوجدوا رجلين أرسلتهما قريش أيضا للتجسّس فقبضوا عليهما و جاؤوا بهما للنبيّ الذي كان بصدد الصلاة, فأخذوا يستجوبونهما : ’’5’’ فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد فأتوهما فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما فلما أذلقوهما قالا نحن لأبي سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه ثم سلم وقال إذا صدقاكم ضربتوهما وإذا كذباكم تركتوهما صدقاً والله إنهما لقريش
نلاحظ قوّة فراسة و ملاحظة محمّد, فهو كان يصلّي و في الوقت نفسه يتابع الإستجواب, و عرف أنّ الرجلين قالا الحقيقة منذ البداية و حين تعرّضا للضرب اعترفا بما يريد الصحابة سماعه, لكنّ محمّدا عرف أنّهما لم يكذبا.
إذن و كي لا نطيل فإنّ محمّدا اختار مكان المعركة و توقيتها, كما أنّه كان أوّل النازلين ببدر فقام بردم الآبار فيها , فصار متحكّما في مورد مهمّ في الحرب و هو الماء, و صار له تفوّق استراتيجيّ و تكتيتكيّ على عدوّه, و هذه الفكرة في الحقيقة ليست فكرته بل كان رأي خباب بن المنذر, حيث أنّ محمّدا اختار في البداية مكانا آخر, فقال له خباب: ’’6’’ يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة . فقال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أشرت بالرأي
و أودّ أن أذكر هذه ’’الحكاية الطريفة’’ كي ندخل قليلا في الجوّ العام لعقليّة بعض أصحاب محمّد, ففي طريقهم نحو بدر و معهم النبيّ: ’’7’’ لقوا رجلا من الأعراب ، فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا [أي سألوه إن كان له علم بأخبار قريش]; فقال له الناس سلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أو فيكم رسول الله ؟ [أي هل معكم رسول الله؟]قالوا : نعم, فسلم عليه ثم قال إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه .[انظروا إلى هذا الأعرابيّ! يقول بما أنّك نبيّ فقل لي ماذا يوجد في بطن هذا الجمل الآن, أظنّه يتهكّم] قال له سلمة بن سلامة بن وقش لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عليّ فأنا أخبرك عن ذلك .[تدخّل أحد الصحابة ليجيب بدلا عن محمّد و قال له تعال إلى هنا و سأجيبك أنا ثمّ قال:] نزوت عليها ، ففي بطنها منك سخلة [أي أنت نكحت ناقتك و توجد ابنتك داخلها, يبدو أنّه يتهكّم ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مه أفحشت على الرجل ثم أعرض عن سلمة [ طبعا لم يجبه محمّد, و لاحظوا كلام هذا الصحابيّ و كيف يبدو و كأنّه كلام عصابة قطّاع طرق و ليس تابعي أنبياء]
و قد تردّدت قريش في الخروج لسببين:
1-أبو سفيان استطاع أن يسلك طريقا أخرى و ينجو بالقافلة
2-خوف قريش أن تهاجمهم بنو كنانة من الخلف و ذلك لوجود ثأر بينهم
لكنّ المصمّمين على الخروج خرجوا, و ذلك لتلقين عصابة محمّد الصغيرة درسا و كذلك للمشاركة في سوق بدر السنويّ, و تجدر الإشارة إلى أنّ أبا لهب لم يخرج معهم كما عاد منهم الكثير من بني زهرة و كذلك من بني هاشم.
نتيجة القوى:
قريش: خرجوا على عجل بلا تحضير مسبّق للحرب, و ينقصهم العديد من المحاربين المعتادين على القتال.[ بعكس ما سيحدث في غزوة أحد فيما بعد حين يجهّزون أمورهم]
محمّد:خرج على مهل و اختار المكان المناسب و الوقت المناسب.
قريش: متفوّقة عدديّا.
محمّد: متفوّق استراتيجيّا و تكتيكيّا.
تقابل الطرفين:
و قبل أن تبدأ المعركة وقف محمّد و أخذ حفنة من التراب و الحصى و رمى بها جهة قريش و هو يقول :شاهت الوجوه [ كما تفعل الكهّان قبل الحرب] : ’’7’’ ثمّ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشا بها ، ثم قال شاهت الوجوه ، ثم نفحهم بها
و وعد المسلمين بالجنّة إذا انتصروا ثمّ عاد إلى الخيمة الصغيرة التي صنعوها له و بدأ يصلّي و يدعو الله أن ينصره.
أمّا أبو جهل في الناحية الأخرى فقد أخذ يدعو الله أيضا ’’8’’ : قال أبو جهل بن هشام اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة أي اللهمّ إنّ محمّدا قطع رحمنا و فرّق بين أهلنا و جاءنا بما لم نسمع به من قبل فأهلكه هذا اليوم.
ثمّ بدأت المعركة و انتصر المسلمون و بدؤوا يأسرون العدوّ , و قد كان سعد بن معاذ واقفا على خيمة محمّد بصدد حراستها مع بعض الأنصار و محمّد في الداخل, و إذ بدأ المسلمون في قتل الأسرى خرج محمّد و أمرهم بعدم قتلهم قائلا: ’’9’’ إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها ، لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث ابن أسد فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب ، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها
الخلاصة أنّه طالب بعدم قتل أهله من قريش, ممّا دفع أحدهم أن يقول: ’’10’’ فقال أبو حذيفة أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألحمنه السيف [أي أغرس سيفي فيه] قال فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب يا أبا حفص أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف ؟ فقال عمر يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق [لقد أصبح حذيفة الآن منافقا لأنّه طالب بالعدل في التعامل مع الأسرى, فكيف يقتل أهله بينما محمّد يطالب بعدم لمس بني هاشم]
المهمّ انّ كلّ من كان له عائلة تستطيع أن تفديه أبقوا على حياته لمبادلته بالمال [ثمن الفداء كان بين 1000 و 4000 درهم أي ما يعادل تقريبا بين 20 و 80 ناقة] و الآخرون تمّت تصفيتهم و إلقاؤهم في بئر, و كانت الغنيمة كبيرة, حيث خرج المسلمون في حصانين و سبعين جملا فقط [ انظروا إلى حالة الفقر التي هم عليها] و عادوا بعد المعركة بعشرة أحصنة و 150 جملا و سيوفا و عتادا و خاصّة بالأسرى الذين سيتمّ فداؤهم بالمال.
يتبع.......
1-ابن سيّد الناس/ عيون الأثر في المغازي و السير/18-47
و راجع سيرة ابن هشام/الجزء الثالث
2-صحيح مسلم/كتاب الجهاد و السير/باب غزوة بدر
3-ابن سيّد الناس/عيون الأثر في المغازي و السير/18-47
و راجع سيرة بن هشام/الجزء الثالث
4-برهان الدين الحلبي/السيرة الحلبيّة/باب غزوة بدر
و راجع سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي/ باب خبيب بن يساف
و البخاري يذكرها في التاريخ الكبير/باب خبيب , بهذه الطريقة:
خبيب بن يساف الأنصاري ويقال بن إساف قال عبد الله الجعفي حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا مستلم بن سعيد قال حدثني خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب عن أبيه عن جده قال خرج النبي وجها فأتيته أنا ورجل من قومي قلنا إنا نكره أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم فقال أسلمتما قلنا لا قال فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين فأسلمنا وشهدنا معه
5-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثالث
و راجع سيرة ابن هشام/الجزء الثالث
6-سيرة بن هشام/الجزء الثالث
7-المصدر السابق
8-المصدر السابق
9-المصدر السابق
21
على هامش غزوة بدر:
بعد انتهاء المعركة:
أبو جهل
أمر محمّد بعض صحابته أن يبحثوا عن أبي جهل بين القتلى, فوجده عبد الله بن مسعود, و لم يكن أبو جهل قد مات بعد و إنّما كان يحتضر في دمائه, فرفع عبد الله بن مسعود رجله و وضعها على عنق أبي جهل و قال له: هل أخزاك الله يا عدوّ الله؟
أجاب أبو جهل: و بماذا أخزاني؟ أعمد من رجل قتلتموه [أي لا يوجد عار على رجل قتله قومه], ثمّ سأله أبو جهل: لمن الدائرة اليوم؟ [أي من المنتصر في المعركة؟] فأجاب ابن مسعود: لله و رسوله.
فقال له أبو جهل: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعيّ الغنم [ أي أنّ وضعك لرجلك على عنقي هو شيء أكبر من قدرك و قيمتك]
فذبحه ابن مسعود و قطع رأسه و جاء به إلى محمّد قائلا: هذا رأس عدوّ الله أبي جهل.
فقال محمّد: آلله الذي لا إله غيره [أي يتساءل هل حقّا هو, محمّد يعلم ذلك و لكنّه سؤال استنكاريّ أي سؤال الفرحة]
قال ابن مسعود: نعم, و الله الذي لا إله غيره.
ثمّ ألقى رأس أبي جهل بين يدي محمّد, فحمد الله. ’’1’’
عقبة بن معيط:
كان من بين الأسرى, و قد أسره عبد الله بن سلمة, و لمّا كان المسلمون عائدين من بدر و متّجهين إلى المدينة أمر محمّد بقتل عقبة, فقال له عقبة: يا محمّد أمن بين هؤلاء أقتل؟ [أي لماذا تقتلني أنا فقط من بين الأسرى؟] فقال محمّد: نعم.
فقال عقبة: بم؟ فقال محمّد: بكفرك و فجورك و عتوّك على الله و رسوله.
فقال عقبة: فمن للصبية يا محمّد؟ [أي من سيهتمّ بالصبية بعدي؟ ] فقال محمّد: النار.
ثمّ قام عاصم بن ثابت فقطع عنقه. ’’2’’
و يبدو أنّ محمّدا لم ينس ما فعله به عقبة بن معيط في مكّة: وأخرج أبو نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: " كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا اليه أهل مكة كلهم وكان يكثر مجالسة النبي ويعجبه حديثه وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما ثم دعا رسول الله إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال: أطعم يا ابن أخي قال: ما أنا بالذي أفعل حتى تقول فشهد بذلك وطعم من طعامه فبلغ ذلك أبي خلف فاتاه فقال: أصبوت يا عقبة ؟ - وكان خليله - فقال: لا والله ما صبوت ولكن دخل عليّ رجل فابى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل ان يطعم فشهدت له فطعم, فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبصق في وجهه ففعل عقبة فقال له رسول الله : لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فاسر عقبة يوم بدر فقتل صبرا ’’3’’
و في رواية أخرى أنّ عقبة هو الذي طلب من أبيّ أن يبصق في وجه محمّد في مكّة.
و يروي ابن كثير: لما أمر النبي بقتل عقبة قال: أتقتلني يا محمد من بين قريش؟
قال [أي محمّد]: نعم, أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران، وجاء مرة أخرى بسلا شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي.’’4’’
النضر بن الحارث: ’’5’’
كان بين الأسرى و أثناء العودة إلى المدينة أمر محمّد عليّ بن أبي طالب بقطع عنقه [ سنرى في العديد من المرّات توكيل محمّد لعليّ بفعل القتل كما سيأتي لاحقا], و النضر بن الحارث كان يقول في مكّة حين يسمع القرآن: ’’ما حديث محمد إلا أساطير الأولين’’ ,ويقال إنه الذي {قال سأنزل مثل ما أنزل الله} : أي لأنه ذهب إلى الحيرة واشترى منها أحاديث الأعاجم ثم قدم بها مكة فكان يحدث بها ويقول: هذه كأحاديث محمد عن عاد وثمود وغيرهم
و يروي ابن كثير: والنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة - ومنهم من يقول علقمة بن كلدة قاله السهيلي - وجلوسه بعد النبي في مجالسه حيث يتلو القرآن ويدعو إلى الله، فيتلو عليهم النضر شيئا من أخبار رستم واسفنديار وما جرى بينهما من الحروب في زمن الفرس، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبها.
فأنزل الله تعالى: { وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا }
و قد قامت أخته برثائه حين علمت بقتل محمّد له في الأسر:
ما كان ضرك بأعز لو مننت وربما * منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
أو كنت قابل فدية فلينفقن * بأعز ما يغلو به ما ينفق
والنضر أقرب من أسرت قرابة * وأحقهم إن كان عتق يعتق
ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه * لله أرحام هنالك تشقق
صبرا يقاد إلى المنية متعبا * رسف المقيد وهو عان موثق
و ليس هو ابن الحارث بن كلدة طبيب العرب المشهور في زمن محمّد ’’6’’ ذكر بن أبي أصيبعة في عيون الأنباء أن النضر بن الحارث ابن كلدة الثقفي – الذي كان يؤذي النبي – هو ابن الحارث ابن كلدة الثقفي، طبيب العرب! وتبعه الألوسي في بلوغ الأرب فقال النضر بن الحارث الثقفي! وهذا خطأ، فإن الطبيب هو الحارث بي كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزي بن غيرة بن عوف بن قسي وقسي هو ثقيف. والنضر هو بن الحارث بي كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بي النضر.
أميّة بن خلف:
وقع أسيرا بعد المعركة هو وابنه, أسره عبد الرحمن بن عوف, و كانا صديقين حيث كان يهتمّ عبد الرحمن بأملاك أميّة في المدينة و كان أميّة يهتمّ بأملاك عبد الرحمن في مكّة, فأسرهما عبد الرحمن و أخذ يقودهما من يديهما و هو بينهما, و بينما هم كذلك إذ رآهم بلال فجاء نحوهم و قال: رأس الكفر أميّة بن خلف, لا نجوتُ إن نجا.
فقال عبد الرحمن: أبأسيريّ؟ [ أي إنّهما أسيران عندي و ليس لك أن تلمسهما] فقال بلال:لا نجوتُ إن نجا.
فقال عبد الرحمن: أتسمع يا ابن السوداء؟ [ أي هل تفهم أنّهما أسيران عندي؟] فصرخ بلال: يا أنصار الله, رأس الكفر أميّة بن خلف, لا نجوت إن نجا.
فقام الأنصار و أحاطوا بهم من كلّ جانب, فارتمى عبد الرحمن على أميّة ليحميه بجسده على الأرض, فأخذ أحد الأنصار سيفه و ضرب به ساق ابن أميّة فوقع على الأرض, فصرخ أميّة حين رأى ابنه يسقط مقطوع الساق.
فقال له عبد الرحمن: انجُ بنفسك و لا نجاء بك, فو الله ما أغني عنك شيئا.
لكنّهم انقضّوا عليهما بأسيافهم حتّى فرغوا منهما. ’’7’’
أبو حذيفة يريد أن يبارز أباه: ’’8’’
قبل بداية المعركة, خرج شيبة و عتبة و الوليد و هم أبناء عبد مناف قائلين: هل من مبارز؟
فهمّ أبو حذيفة بالخروج ليبارز أباه عتبة, لكنّ محمّدا منعه.
فقالت هند بنت عتبة [هي أخته و زوجة أبي سفيان و أمّ معاوية بن أبي سفيان] :
الأحول الأثعل المذموم طائره * أبو حذيفة شر الناس في الدين
أما شكرت أبا ربّاك من صغر * حتى شببت شبابا غير محجون
فخرج إليهم: حمزة و عليّ و عبيدة بن الحارث [ و هم أيضا من أبناء عبد مناف]
ثمّ حين انتهت المعركة و أمر محمّد برمي الجثث في البئر, أخذوا يجرّون عتبة من رجليه ليلقوه في البئر, فنظر محمّد إلى وجه أبي حذيفة [ ابن عتبة] فوجده كئيبا, فقال له محمّد: يا أبا حذيفة, لعلّك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟
لكنّ أبا حذيفة قال فيما معناه أنّه كان يرجو أن يدخل أبوه في الإسلام. ’’9’’
الاختلاف حول الغنائم:
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا ، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه والله لولا نحن ما أصبتموه لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو : والله ما أنتم بأحق به منا ، والله لقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله تعالى أكتافه ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو فقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا ’’10’’
لكنّ محمّدا أخذ كلّ الغنائم و قام بقسمتها بينهم بالتساوي.
و أثناء العودة إلى المدينة و إثر وصوله إلى الروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال لهم سلمة بن سلامة - كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، ويزيد بن رومان - : ما الذي تهنئوننا به ؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها [ أي وجدنا شيوخا في هذه الحرب تشبه الخرفان فقمنا بذبحها]، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أي ابن أخي ، أولئك الملأ . [ أي نعم إنّ أشراف مكّة كذلك] ’’11’’
أبو لهب يموت من القهر:
و حين وصل الخبر إلى مكّة لم يصدّق أبو لهب أذنيه , و أصيب بقرحة في معدته من فرط الغيظ, ثمّ مات بعدها بأسبوع.’’12’’
......................................................
يتبع.......
1-سيرة ابن هشام/الجزء الثالث
2-المصدر السابق
و راجع أيضا الحوار الدائر بينهما في: الصارم المسلول على شاتم الرسول/ابن تيميّة
و راجع ابن كثير/البداية و النهاية/باب عقبة و النضر/الجزء الثامن
3-سير أعلام النبلاء/الحافظ الذهبي
4-ابن كثير/البداية و النهاية/ مقتل عقبة و النضر
5-السيرة الحلبيّة/الجزء الثاني
و راجع: ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثالث
و راجع الصارم المسلول على شاتم الرسول/ابن تيميّة
6-علم الرجال و أهمّيته/وضع التراجم/عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
7-سيرة ابن هشام/الجزء الثالث
8-سير أعلام النبلاء/أبو حذيفة
9-سيرة بن هشام/الجزء الثالث
10-المصدر السابق
11-المصدر السابق
12-المصدر السابق
22
قبل أن أواصل أتوقّف عند نقطة توضيحيّة:
قد يذهب في خلد البعض أنّ محمّدا استعمل الدين للوصول إلى أغراضه,و أنّه سلب غيره باسم الدين, و أنّه كان كاذبا في ادّعائه النبوّة, و أنّ خلفاءه أيضا كانوا كاذبين و يخدعون الناس, إلخ...
في الحقيقة فإنّ الأمر يختلف عن ذلك, فمحمّد كان مؤمنا تمام الإيمان أنّه نبيّ, و يمكننا اعتبار القرآن أو بعض منه, المذكّرات الخاصّة بمحمّد, فكانت تنتابه شكوك بين الفينة و الأخرى في نبوّته, أو يكون بينه و بين الأصوات حوار تساؤليّ, فيجيبه الصوت [الذي هو في ذهنه] : ’’فان كنت في شك مما انزلنا اليك فاسال الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ’’ يونس-94
يا محمّد إنّه الحقّ جاءك من الله, فلا تسأل نفسك كثيرا, و لا تشكّ, و نحن نلاحظ هذا الصراع بينه [الأنا] و بين الآخر غير المرئيّ [الأصوات أو الهلوسات]
قلت إذن إنّ محمّدا كان مؤمنا أنّه نبيّ, و العديد من أصحابه يؤمنون بذلك أيضا و لكن هنا يتدخّل عامل محوريّ, تقوم على أساسه كلّ الأديان السماويّة: و هو الدغمائيّة.
ما هي الدغمائيّة؟
الدغمائيّة بمفهومها الإصطلاحيّ الحاليّ مرادفة للدكتاتوريّة, رفض رأي الآخر, امتلاك الحقيقة المطلقة, إطلاق أحكام بلا أدلّة, أي و باختصار الفكر الأحادي المتعالي.
أمّا فلسفيّا فهي في الأصل عكس ’’الريبيّة’’ أو ’’الشكيّة’’ و مفهومها هو أنّ الدغمائيّة تعني كلّ فكر يمكن أن يقودنا إلى اليقين, أي إن كانت ’’الريبيّة’’ ترى أنّ العقل الإنسانيّ قاصر عن بلوغ الحقيقة في معناها المطلق و البرهنة عليها, لذلك لا يمكن التأكيد أو النفي, فإنّ الدغمائيّة ترى عكس ذلك.
و الدين يجيب عن مفهوم الدغمائيّة الإصطلاحي و الفلسفي.
أنا أمتلك الحقيقة, و بما أنّها هي الحقيقة فعليك أنت [أيّها الآخر] اتّباعها, فإن رفضت, فلأنّك لست على الحقيقة.!
و الحقيقة التي أمتلكها [أنا] تخوّل لي أن أحكمك [أنت] أيّها الذي لا تملك الحقيقة.
هذا هو الدين بصفة عامّة.
و بما انّ الحقيقة لا يمكن فعلا البرهنة عليها أو تحديدها فكذلك الشيء [الإله] الذي اعطاني هذه الحقيقة لا يمكن البرهنة عليه, كما لا يمكن نفيه!
نتيجة هذه اللخبطة: [أنا] أملك شيئا اسمه الحقيقة أعطانيه شيء اسمه الله أو إيل أو مردوخ أو أهورا مزدا أو غيرهم.
باسم الحقيقة, و في رواية أخرى باسم الله:
13: 6 و اذا اغواك سرا اخوك ابن امك او ابنك او ابنتك او زوجتك او صاحبك الذي مثل نفسك قائلا نذهب و نعبد الهة اخرى لم تعرفها انت و لا اباؤك
13: 7 من الهة الشعوب الذين حولك القريبين منك او البعيدين عنك من اقصاء الارض الى اقصائها
13: 8 فلا ترض عليه و لا تسمع له و لا تشفق عينك عليه و لا ترق له و لا تستره
13: 9 بل تقتله قتلا, يدك تكون عليه اولا لقتله ثم ايدي جميع الشعب اخيرا
13: 10 ترجمه بالحجارة حتى يموت لانه التمس ان يطوحك عن الرب الهك الذي اخرجك من ارض مصر من بيت العبودية سفر التثنية 13/6-10
هذه هي الحقيقة إنّهم يمتلكونها و بالتالي فالقتل سيكون باسم الحقيقة, إنّه القتل من أجل الخير و السلام!
حين يقوم الكفرة بقتل أتباع كنيسة المسيح فهذا فعل شرّير و غير عادل. و لكن الفعل العادل هو أن تقوم الكنيسة بقتلهم (...) فالكفرة يقومون بالقتل بسبب الشرّ, أمّا الكنيسة فتقتل لأجل الخير ’’القدّيس أوغسطين, سنة 417 /رسالة رقم 185
هذه هي الحقيقة!
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة /29
هذه هي الحقيقة!
إذن إنّه الإنطلاق من فكرة معيّنة -دغمائيّة- و فرضها على الواقع, و ليس الدين فقط من يعاني من هذه النظرة بل و حركات فكريّة عديدة قديمة و حديثة و أضرب على سبيل المثال جرائم الشيوعيّة و التي بلغت بين 65 و 80 مليون قتيل, كما جاء في الإحصاءات التي تمّ نشرها في كتاب ’’الكتاب الأسود للشيوعيّة’’ تحت إشراف ’’stephane courtois’’ سنة 1997 بباريس. [بغضّ النظر عن الإختلافات حول بعض التسميات التي جاءت في الكتاب]
هذه هي الحقيقة!
موسيليني يهنّئ هتلر على قصفه للندن قائلا: إنّه شرف كبير أن يتمّ قصفها. ’’الكتاب الأسود للمسيحيّة-Enrico Riboni’’
إذن, كلّ هؤلاء و غيرهم يتحدّثون باسم الحقيقة, باسم الخير الذي ينوون إعطاءه للعالم, و هم مؤمنون تماما بما يقولون, و مستعدّون للموت من أجل معتقداتهم.
قد يقول بعض العاطفيّين:
المشكلة في التطبيق و ليس في النظريّة.
و على كلّ حال فالخلاصة من كلامي هو أنّ محمّدا و خلفاءه كانوا يعتقدون فعلا فيما يؤمنون به, فإن كنّا نحن في عصرنا هذا نرى هذه الأمور بربريّة أو غير معقولة أو غير عادلة فإنّهم بالعكس منّا كانوا يرونها هي عين العدل و عين الحقيقة و أنّ الله معهم.
أعود إلى الموضوع, يتبع........
قبل أن أواصل أتوقّف عند نقطة توضيحيّة:
قد يذهب في خلد البعض أنّ محمّدا استعمل الدين للوصول إلى أغراضه,و أنّه سلب غيره باسم الدين, و أنّه كان كاذبا في ادّعائه النبوّة, و أنّ خلفاءه أيضا كانوا كاذبين و يخدعون الناس, إلخ...
في الحقيقة فإنّ الأمر يختلف عن ذلك, فمحمّد كان مؤمنا تمام الإيمان أنّه نبيّ, و يمكننا اعتبار القرآن أو بعض منه, المذكّرات الخاصّة بمحمّد, فكانت تنتابه شكوك بين الفينة و الأخرى في نبوّته, أو يكون بينه و بين الأصوات حوار تساؤليّ, فيجيبه الصوت [الذي هو في ذهنه] : ’’فان كنت في شك مما انزلنا اليك فاسال الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ’’ يونس-94
يا محمّد إنّه الحقّ جاءك من الله, فلا تسأل نفسك كثيرا, و لا تشكّ, و نحن نلاحظ هذا الصراع بينه [الأنا] و بين الآخر غير المرئيّ [الأصوات أو الهلوسات]
قلت إذن إنّ محمّدا كان مؤمنا أنّه نبيّ, و العديد من أصحابه يؤمنون بذلك أيضا و لكن هنا يتدخّل عامل محوريّ, تقوم على أساسه كلّ الأديان السماويّة: و هو الدغمائيّة.
ما هي الدغمائيّة؟
الدغمائيّة بمفهومها الإصطلاحيّ الحاليّ مرادفة للدكتاتوريّة, رفض رأي الآخر, امتلاك الحقيقة المطلقة, إطلاق أحكام بلا أدلّة, أي و باختصار الفكر الأحادي المتعالي.
أمّا فلسفيّا فهي في الأصل عكس ’’الريبيّة’’ أو ’’الشكيّة’’ و مفهومها هو أنّ الدغمائيّة تعني كلّ فكر يمكن أن يقودنا إلى اليقين, أي إن كانت ’’الريبيّة’’ ترى أنّ العقل الإنسانيّ قاصر عن بلوغ الحقيقة في معناها المطلق و البرهنة عليها, لذلك لا يمكن التأكيد أو النفي, فإنّ الدغمائيّة ترى عكس ذلك.
و الدين يجيب عن مفهوم الدغمائيّة الإصطلاحي و الفلسفي.
أنا أمتلك الحقيقة, و بما أنّها هي الحقيقة فعليك أنت [أيّها الآخر] اتّباعها, فإن رفضت, فلأنّك لست على الحقيقة.!
و الحقيقة التي أمتلكها [أنا] تخوّل لي أن أحكمك [أنت] أيّها الذي لا تملك الحقيقة.
هذا هو الدين بصفة عامّة.
و بما انّ الحقيقة لا يمكن فعلا البرهنة عليها أو تحديدها فكذلك الشيء [الإله] الذي اعطاني هذه الحقيقة لا يمكن البرهنة عليه, كما لا يمكن نفيه!
نتيجة هذه اللخبطة: [أنا] أملك شيئا اسمه الحقيقة أعطانيه شيء اسمه الله أو إيل أو مردوخ أو أهورا مزدا أو غيرهم.
باسم الحقيقة, و في رواية أخرى باسم الله:
13: 6 و اذا اغواك سرا اخوك ابن امك او ابنك او ابنتك او زوجتك او صاحبك الذي مثل نفسك قائلا نذهب و نعبد الهة اخرى لم تعرفها انت و لا اباؤك
13: 7 من الهة الشعوب الذين حولك القريبين منك او البعيدين عنك من اقصاء الارض الى اقصائها
13: 8 فلا ترض عليه و لا تسمع له و لا تشفق عينك عليه و لا ترق له و لا تستره
13: 9 بل تقتله قتلا, يدك تكون عليه اولا لقتله ثم ايدي جميع الشعب اخيرا
13: 10 ترجمه بالحجارة حتى يموت لانه التمس ان يطوحك عن الرب الهك الذي اخرجك من ارض مصر من بيت العبودية سفر التثنية 13/6-10
هذه هي الحقيقة إنّهم يمتلكونها و بالتالي فالقتل سيكون باسم الحقيقة, إنّه القتل من أجل الخير و السلام!
حين يقوم الكفرة بقتل أتباع كنيسة المسيح فهذا فعل شرّير و غير عادل. و لكن الفعل العادل هو أن تقوم الكنيسة بقتلهم (...) فالكفرة يقومون بالقتل بسبب الشرّ, أمّا الكنيسة فتقتل لأجل الخير ’’القدّيس أوغسطين, سنة 417 /رسالة رقم 185
هذه هي الحقيقة!
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة /29
هذه هي الحقيقة!
إذن إنّه الإنطلاق من فكرة معيّنة -دغمائيّة- و فرضها على الواقع, و ليس الدين فقط من يعاني من هذه النظرة بل و حركات فكريّة عديدة قديمة و حديثة و أضرب على سبيل المثال جرائم الشيوعيّة و التي بلغت بين 65 و 80 مليون قتيل, كما جاء في الإحصاءات التي تمّ نشرها في كتاب ’’الكتاب الأسود للشيوعيّة’’ تحت إشراف ’’stephane courtois’’ سنة 1997 بباريس. [بغضّ النظر عن الإختلافات حول بعض التسميات التي جاءت في الكتاب]
هذه هي الحقيقة!
موسيليني يهنّئ هتلر على قصفه للندن قائلا: إنّه شرف كبير أن يتمّ قصفها. ’’الكتاب الأسود للمسيحيّة-Enrico Riboni’’
إذن, كلّ هؤلاء و غيرهم يتحدّثون باسم الحقيقة, باسم الخير الذي ينوون إعطاءه للعالم, و هم مؤمنون تماما بما يقولون, و مستعدّون للموت من أجل معتقداتهم.
قد يقول بعض العاطفيّين:
المشكلة في التطبيق و ليس في النظريّة.
و على كلّ حال فالخلاصة من كلامي هو أنّ محمّدا و خلفاءه كانوا يعتقدون فعلا فيما يؤمنون به, فإن كنّا نحن في عصرنا هذا نرى هذه الأمور بربريّة أو غير معقولة أو غير عادلة فإنّهم بالعكس منّا كانوا يرونها هي عين العدل و عين الحقيقة و أنّ الله معهم.
أعود إلى الموضوع, يتبع........
23
و بعد انتهاء غزوة بدر, جاء وقت فدية الأسرى, حيث كان عددهم 43 أسيرا, فكلّ من كان له أهل أغنياء يستطيعون فداءه تمّت مبادلته بالمال, أمّا الفقراء [خاصّة الذين لم يؤذوا محمّدا في مكّة] فقد تمّ إخلاء سبيلهم, و هناك من تمّ إطلاق سراحه مبادلة بشخص آخر كعمر بن أبي سفيان, حيث أنّ ابن أبي سفيان و اسمه ’’عمر’’ كان من بين الأسرى: ’’1’’فقيل لأبي سفيان : افْدِ عمرا ابنك ؛ قال : أيجمع علي دمي ومالي ! قتلوا حنظلة ، وأفدي عمرا ! دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم .
حيث أنّ أبا سفيان رفض فداء عمر ابنه قائلا: يقتلون ابني حنظلة ثمّ ادفع المال لأفدي إبني الآخر, فليقعد عندهم!
لكنّه استطاع فداء ابنه بطريقة أخرى, حيث جاء أحد الأشخاص من المدينة معتمرا إلى مكّة [كانت قريش لا تتعرّض للحجّاج من قبل, لكنّ القيم تغيّرتْ] فعدا عليه أبو سفيان و حبسه, قائلا تعطونني ابني أعطيكم رجلكم, فذهب أهله الذين في المدينة و هم بنو عمرو بن عوف, إلى محمّد و طلبوا منه أن يعطيهم ابن أبي سفيان ليسترجعوا صاحبهم, فوافق محمّد و تبادلوا بالأسيرين [مثلا أبدى محمّد هنا قراءة جيّدة للأحداث لأنّه لو رفض, فربّما سيثور ضدّه أهل المدينة حيث أنّه بدأ يعرّض -بحروبه- حياة الأهالي للخطر, و أغلب الظنّ أنّ محمّدا لم يكن يسكن المدينة مع أصحابه و إنّما خارجها و تحديدا عند مسجد قباء, و إلاّ ما الداعي لبنائه لمسجد هناك [مسجد قباء]حال وصوله إلى المدينة و قد كان يستطيع بناءه مباشرة في وسطها؟ و بالتالي نفهم أنّ الذين اتّبعوه لم يكونوا كثيرين في البداية-كما أشرت- و التحقوا به في مقرّه عند مسجد قباء و حينما انتصر محمّد في الحروب و كبر جيشه استطاع حينها الدخول إلى المدينة و إجلاء ما تبقّى من اليهود و كتابة معاهدته التي ذكرناها من قبل و بناء مسجده الذي يسمّى ’’المسجد النبويّ’’ لكنّ كتّاب السيرة جعلوه يبنيه مباشرة حال وصوله و هذا منطقيّ لأنّه من غير المعقول أن يقولوا لنا أنّ المدينة استقبلته و فرحت به, ثمّ يقولون من ناحية أخرى أنّه ظلّ خارجها]
و من الذين تمّت مبادلتهم أيضا ’’ العاص بن الربيع’’ زوج زينب بنت محمّد, حيث أطلق محمّد سراحه بشرط أن يرسل إليه ابنته زينب من مكّة, ’’2’’ لما بعث أهل مكة في فداء أُسَرَائهم ، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها ؛ قالت : فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال : إن رأيتم أن تُطْلقوا لها أسيرها ، وتردوا عليها مالها ، فافعلوا ؛ فقالوا : نعم يارسول الله . فأطلقوه ، وردوا عليها الذي لها . [لاحظوا أنّ محمّدا حين يريد أمرا ما فهو لا يطرحه في شكل قرار بل تساؤل يصل به إلى مراده, و هذا سيتكرّر بكثرة كما حدث في أسر عمّه العبّاس من قبل و كما سيحدث دائما في باقي السيرة]
و فعلا عاد العاص و أرسل زينب, فبدأت تتجهّز للخروج من مكّة فجاءتها هند زوجة أبي سفيان : ’’3’’عن زينب أنها قالت : بينا أنا أتجهز بمكة للحوق بأبي لقيتني هند بنت عتبة ، فقالت : يا بنت محمد ، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟ قالت : فقلت : ما أردت ذلك ؛[زينب أنكرت لأنّها بطبيعة الحال خائفة من هند التي قتل محمّد أباها و أخاها و عمّها] فقالت : أي ابنة عمي ، لا تفعلي ، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك ، أو بمال تتبلَّغين به إلى أبيك ، فإن عندي حاجتك ، فلا تضطني مني ،[أي لا تشكّي فأنا صادقة و لست أستدرجك في الكلام] فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال . قالت : [أي زينب] والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل ،[أي أنّ هندا كانت فعلا صادقة و تريد مساعدة زينب في الخروج] قالت : ولكني خفتها ، فأنكرت أن أكون أريد ذلك ، وتجهزت.
هل فهمتم شيئا؟
هند التي أكلت كبد حمزة نيّئا - كما سنرى- من فرط غلّها على محمّد, تصبح و هكذا فجأة مسالمة و تساعد بنت عدوّها على السفر! رغم أنّها فرصتها للتشفّي من بنت محمّد و لن يتدخّل أحد من مكّة لمنعها بعد الذي حدث في بدر.
بل انظروا هنا:’’4’’
حين خرجت زينب من مكّة لحق بها رجال من قريش ، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذى طُوى ، فكان أول من سبق إليها هبَّار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى ، والفهري ؛ فروّعها هبار بالرمح وهي في هودجها ، وكانت المرأة حاملا - فيما يزعمون - فلما ريعت طرحت ذا بطنها ،[أي أجهضت وليدها] وبرك حموها كنانة ، ونثر كنانته ، ثم قال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما ، فتكركر الناس عنه .
فالقوم في مكّة يبحثون عن الثأر , بل أنّ هندا قامت بهجاء من اعتدى على زينب أصلا:’’4’’
ولما انصرف الذين خرجوا إلى زينب لقيتهم هند بنت عتبة ، فقالت لهم :
أفي السلم أعيار جفاء وغلظة * وفي الحرب أشباه النساء العواركِ
و تعني أنتم في السلم تعتدون على النساء بينما في الحرب [أي غزوة بدر] تشبهون النساء العوارك, و معنى امرأة عارك: امرأة حائض.
كيف تدافع هند عن زينب؟ هذا يذكّرني بقصّة أخرى عجيبة أيضا, لنستمع للبخاري:’’5’’
حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال : حدثني علي بن حسين أن المسور بن مخرمة قال إن عليا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة فأتت رسول الله فقالت يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكح بنت أبي جهل فقام رسول الله فسمعته حين تشهد يقول أما بعد أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدوالله عند رجل واحد فترك علي الخطبة
عليّ يريد الزواج من بنت أبي جهل على فاطمة حتّى أنّها اشتكت لأبيها و طبعا رفض و خيّره بين فاطمة و بين بنت أبي جهل.
من غير المنطقيّ أن تساعد هند زينب على الخروج و أرجّح أنّ هذه القصّة تمّ اختلاقها منذ عهد معاوية [هند هي أمّ معاوية بن أبي سفيان] ثمّ تواترت و انتشرت فصارت حقيقة و دخلت السيرة, و السؤال هو لماذا لم يحذفها المراقب العبّاسيّ؟
مناوشات أم تكتيك عسكريّ؟
بعد غزوة بدر, و بعد مرور بضعة أيّام فقط, يخرج محمّد في غزوة جديدة إلى قبيلة بني سليم* لكنّه لم يدخل معهم في حرب و عاد إلى المدينة, ثمّ جاء أبو سفيان إلى المدينة ليلا و معه مائتي فارس, حيث أنّه نذر ألاّ يغسل رأسه من جنابة حتّى يغزو محمّدا [الجاهليّون كانوا يغتسلون من الجنابة, و يحجّون و يعطفون على اليتيم, و يحترمون الأمانات إلخ ] فنزل عند بني النضير و أرسل إلى مكان اسمه العريض شمال شرقيّ المدينة بعض فرسانه فقاموا بإحراق بعض النخيل و قتلوا شخصين ثمّ عادوا إلى مكّة, فسمع محمّد بهم فخرج وراءهم لكنّهم لم يلحقوا بهم فعادوا إلى المدينة [لم أفهم ماذا أراد أبو سفيان بفعله هذا, هل جاء للقتال أم ليحرق بعض نخلات و يهرب؟ عجيبة هذه القصّة إلاّ إذا افترضنا أنّه تعمّد ذلك لإثارة أهل المدينة ضدّ محمّد, و هذا مجرّد احتمال]
ثمّ خرج محمّد في غزوة أخرى إلى غطفان [غزوة ذي أمر] و لكنّه لم يقاتل و ظلّ هناك قرابة شهر ثمّ عاد, ثمّ ذهب إلى بحران و لم يفعل شيئا و عاد أيضا.
لماذا يفعل محمّد هذا؟
لماذا يقترب من قبيلة أو مكان ما و لا يهاجم و إنّما يظلّ هناك أيّاما أو شهرا ثمّ يعود؟
لا يخفى علينا أنّ أمر انتصاره على قريش في بدر قد انتشر و سمع به العرب, هل هو استعراض قوّة من بعيد؟ هل هو إنذار أنّه إن أراد الحرب فهو قادر عليها؟هل هو جسّ نبض لقبائل العرب الأخرى؟ خاصّة أنّه حقّق اكتفاء ذاتيّا نسبيّا من حيث المعونة و السلاح و الطعام بعد غزوة بدر, و بالتالي فهو ليس في مرحلة الغزو من أجل المال [و إن كان لا يدع الفرصة تضيع حين تحين]بل هو في مرحلة تكتيك عسكريّ فربّما ينضمّ إليه بعض المحاربين من القبائل التي يمرّ عليها حين يرونه.
ثمّ أرسل زيد بن حارثة ناحية ’’نجد’’ ليغير على قافلة يقودها أبو سفيان [لقد غيّرت قريش طريق قافلتها فصارت تمرّ من ناحية الشرق قرب العراق بما انّ محمّدا قاعد لهم بالمرصاد في الطريق الأخرى, و قد تعلّموا ممّا حدث في بدر] :وكان من حديثها : أن قريشا خافوا طريقهم الذي كانوا يسلكون إلى الشام ، حين كان من وقعة بدر ما كان ، فسلكوا طريق العراق ، فخرج منهم تجار ، فيهم : أبو سفيان بن حرب ، ومعه فضة كثيرة ، وهي عظم تجارتهم ، واستأجروا رجلا من بني بكر بن وائل ، يقال له : فرات بن حيان يدلهم في ذلك على الطريق .’’6’’
و استطاع زيد ان يحصل على القافلة بغنائمها و يعود بها إلى المدينة.
ثمّ تأتي غزوة أحد و لكن قبل أن نتناولها فإنّي سأخصّص الفصل القادم للإغتيالات في المدينة[أو ما نسمّيها نحن في عصرنا الحاضر: الاغتيالات السياسيّة]
يتبع.........................
1-سيرة بن هشام/الجزء الثالث
2-المصدر السابق
3-المصدر السابق
4-المصدر السابق
5-صحيح البخاري/كتاب فضائل الصحابة
و يذكره أيضا مسلم في باب فضائل
و أيضا الترمذي في كتاب المناقب
و أيضا ابن ماجة في كتاب النكاح/ باب الغيرة
و ايضا أبو داود في كتاب النكاح
6-سيرة ابن هشام
* ذهب تحديدا إلى مكان اسمه الكدر ناحية معدن بني سليم و هو على مسيرة ثمانية أيّام باتّجاه العراق/ راجع معجم البلدان/ياقوت الحموي/ مادة كدر و قرقرة.
24
الإغتيالات السياسيّة:
1-عصماء بنت مروان:
قامت هذه المرأة بهجاء محمّد ببعض الشعر, و حين عاد من غزوة بدر قال:’’1’’ من لي بها فقال رجل من قومها انا يارسول الله, [هذا الرجل اسمه عمير بن عديّ, و هو أعمى و لم يشارك في بدر, ربّما أراد أن يبرهن عن حسن نيّته, بعد أن رأى تغيّر موازين القوى و عودة المسلمين منتصرين] جاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها في بيتها وحولها نفر من ولدها نيام منهم من ترضعه في صدرها فجسّها بيده فوجد الصبي ترضعه فنحاه عنها ثم وضع سيفه على صدرها حتى انفذه من ظهرها ثم خرج حتى صلى الصبح مع النبي فلما انصرف النبي نظر إلى عمير فقال أقتلت بنت مروان قال نعم بابي انت يا رسول الله
وخشي عمير ان يكون افتات على رسول الله بقتلها فقال هل عليّ في ذلك شيء يا رسول الله قال لا ينتطح فيها عنزان.
هذا الرجل الأعمى كان من أهلها و متعوّدا على الدخول إلى بيتها لذلك لم يجد صعوبة في الدخول عليها ليلا, فوجدها نائمة بين أولادها و فوق صدرها رضيع لها, فنحّاه عنها ثمّ أخذ سيفه و أدخله في صدرها حتّى أخرجه من ظهرها, ثمّ عاد إلى محمّد و صلّى معه الصبح و أخبره بالقصّة فقال له النبيّ: لا ينتطح فيها عنزان أي هي أتفه من أن يثور علينا قومها أو يختلف عليها اثنان.
2-أبو عفك اليهوديّ: ’’2’’
ثم سرية سالم بن عمير العمري إلى أبي عفك اليهودي في شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عفك من بني عمرو بن عوف شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة وكان يهوديا وكان يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول الشعر فقال سالم بن عمير وهو أحد البكائين وقد شهد بدرا علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه فأمهل يطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة فنام أبو عفك بالفناء وعلم به سالم بن عمير فأقبل فوضع السيف على كبده ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش وصاح عدو الله فثاب إليه ناس ممن هم على قوله فأدخلوه منزله وقبروه.
لماذا يقوم محمّد بقتل امرأة و شيخ بسبب بعض الأبيات؟
يقول rene marchand في كتابه ’’محمّد’’ معلّقا: محمّد يقوم باغتيال الشعراء في البداية لأنّه يعرف أنّ هذه الأعمال سوف تنتشر و تسكن في العقول. حيث تمّ تنفيذها بطريقة دعائيّة. (...) لننظر إلى الهدفين: المرأة و الشيخ, لقد تمّ اختيارهما بتدقيق شديد.فقتل امرأة ليس بالشيء المشرّف للعربيّ , و القرآن نفسه يندّد بالقتل في مواضع كثيرة دون أن يفرّق بين المرأة و الرجل, كما أنّ محمّدا في غزوات أخرى يطالب بعدم الإعتداء على النساء و الأطفال, لكنّ قتل امرأة هو شيء منكر, و بهمجيّة لا مثيل لها, و هو ما أراده محمّد, إنّه إنذار مبطّن لكلّ أهل المدينة أنّه لا يوجد شخص محصّن بانتمائه القبليّ أو بعلاقاته السياسيّة مع اليهود أو حتّى لجنسه إن كان امرأة أو شيخا.فالعمليّتان كانتا منظمّتين فقام بالقتل شخص من القبيلة نفسها, فلا أحد منذ اليوم يستطيع أن يثق في الآخر حتّى و إن كان ابنه أو أخيه, فأصحاب محمّد في كلّ مكان و مستعدّون لفعل أيّ شيء.(...) في الحضارة الوثنيّة العربيّة لم نسمع بإله أو ببطل أسطوريّ في الشعر أو في الواقع قاموا بتمجيده لأنّه قتل امرأة و شيخا. و مع هذه العمليّة اللاأخلاقيّة يقوم الإسلام بانكسار آخر في المنظومة الأخلاقيّة بعد ما حدث في غزوة نخلة, و تنقلب المفاهيم و المعطيات على مذبح الله.
و يقول ابن الورّاق في كتابه’’لماذا لست مسلما’’ : بدأت مرحلة جديدة في التوجّه المحمّديّ, سياسيّة عسكريّة أكثر منها دينيّة, مرحلة جديدة و هي ما يسمّيها تحديدا منظّرو الحروب السياسيّة في القرن العشرين: التطرّف الإرهابي, أو تصعيد الموقف بجنون.
لن أضيف كثيرا على ما ورد أعلاه سوى القول بأنّ هذه الإغتيالات تدخل في باب القوّة الإعلاميّة المضادّة, فالشاعر هو وسيلة إعلاميّة -حسب تعبير عصرنا الحديث- و أشعاره تنتشر بسرعة, و المرأة قامت بهجاء محمّد, أي أنّ صورته أمام الرأي العام المحلّي سوف تصبح محلّ سخريّة, و هذه هي الأبيات كما يذكرها ابن تيميّة:
فباست بني مالك والنبيت *وعوف وباست بني الخزرج
اطعتم اتاويّ من غيركم *فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرؤوس* كما يرتجى مرق المنضج
فالمرأة تستنكر فعل القتل في بدر و تنهى قومها أن يتّبعوا شخصا قام بقتل أهله و جرجر معه العرب للتناحر, و نلاحظ هنا بعد تصفيتها جسديّا أبيات حسّان بن ثابت فيها:
بني وائل وبني واقف *وخطمة دون بني الخزرج
متى ما دعت اختكم ويحها *بعولتها والمنايا تجي
فهزت فتى ماجدا عرقه * كريم المداخل والمخرج
فضرجها من نجيع الدما * قبيل الصباح ولم تخرج
فاوردك الله برد الجنا * ن جذلان في نعمة المولج
إنّه الإعلام المضادّ, يتمّ الردّ عليها على البحر و القافية نفسيهما, مع مدح السلطة و قادتها.
و بالنسبة لقصيدة الشيخ يذكر ابن تيميّة قائلا: وذكر قصيدة تتضمن هجو النبي وذمّ من اتبعه, أعظم ما فيها قوله :فيسلبهم امرهم راكب *حراما حلالا لشتى معا أي أنّ محمّدا خلط الحلال بالحرام [لاحظوا هذه الأخلاق الوثنيّة حيث يعتبر القتل و الغزو حرام, و لاحظوا الأخلاق الدينيّة حيث أنّ الغزو و القتل من أجل الله طريق لنيل مرضاته!]
3-كعب بن الأشرف:
لم يصدّق كعب بن الأشرف-و هو من أهل الكتاب- ما حدث في غزوة بدر و مقتل سادة قريش فذهب إلى مكّة فالتقى بأبي سفيان, و لنستمع للحديث الدائر بينهما: ’’3’’ وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك, أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأيّنا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق؟ إنا نطعم الجزور الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هبت الشمال.
فقال له كعب بن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا.
قال: فأنزل الله على رسوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا } [النساء: 51-52]
و قال ابن الأشرف شعرا يهجو به محمّد, و كالعادة قال النبيّ:’’4’’ قال ابن إسحاق: فقال رسول الله - كما حدثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة -: «من لابن الأشرف» فقال له محمد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله. قال: «فافعل إن قدرت على ذلك».
قال: فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل، ولا يشرب، إلا ما يعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول الله فدعاه فقال له: «لم تركت الطعام والشراب؟» فقال: يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفي لك به أم لا؟
قال: «إنما عليك الجهد» قال: يا رسول الله إنه لا بد لنا أن نقول.[أي كي نستطيع قتله لابدّ أن نكذب عليه و نستدرجه] قال: «فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك».
ثمّ يخرج هذا الكومندوس في مهمّته : ’’5’’قال: فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة أحد بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش أحد بني عبد الأشهل، والحارث بن أوس بن معاذ أحد بني عبد الأشهل، أبو عبس بن جبر أخو بني حارثة
و لنستمع لهذه المسرحيّة و كيف استطاعوا قتله: ’’6’’
فقدموا بين أيديهم إلى عدو الله كعب سلكان بن سلامة أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة، فتناشدا شعرا - وكان أبو نائلة يقول الشعر - ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني،[أي أريد أن أقول لك سرّا] قال: أفعل.
قال: كان قدوم هذا الرجل [أي محمّد]علينا بلاء عادتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبيل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا.
فقال كعب: أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر يصير إلى ما أقول، فقال له سلكان: إني قد أردت أن تبيعنا طعاما، ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك.
قال: ترهنوني أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا إن معي أصحابا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم، وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء.[أي نرهنك من سلاحنا] وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤوا بها.
فقال: إن في الحلقة لوفاء. قال: فرجع سلكان إلى أصحابه فاخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله .
قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مشى معهم رسول الله إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال: «انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم».
ثم رجع رسول الله إلى بيته، وهو في ليلة مقمرة، فانطلقوا حتى انتهوا إلى حصنه فهتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس،[أي أنّ كعبا تزوّج حديثا] فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: أنت امرؤ محارب وأن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة.
قال: إنه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني، فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشر.
قال: يقول لها كعب: لو دعي الفتى لطعنة أجاب. فنزل فتحدث معهم ساعة، وتحدثوا معه، ثم قالوا: هل لك يا ابن الأشرف أن تتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ [ أرادوا أن يبعدوه عن بيته]
قال: إن شئتم. فخرجوا فمشوا ساعة. ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط.
ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن.
ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها، فأخذ بفودي رأسه ثم قال: اضربوا عدو الله! فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا.[لم تصبه سيوفهم و يبدو أنّه كان مدرّعا]
قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا في سيفي فأخذته، وقد صاح عدو الله صيحة، لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار.
قال: فوضعته في ثنته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو الله وقد أُصيب الحارث بن أوس بجرح في رجله أو في رأسه، أصابه بعض سيوفنا.
قال:[أي بعد قتله و تنفيذ المهمّة بنجاح] فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد، ثم على بني قريظة، ثم على بعاث، حتى أسندنا في حرة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس، ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة،[ينتظرون أحد افراد ’’الكومندوس’’ الذي أصيب في العمليّة] ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه، فجئنا به رسول الله آخر الليل، وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله.
وتفل رسول الله على جرح صاحبنا، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهودي إلا وهو خائف على نفسه.
يتبع...
.................................................................
1-الصارم المسلول على شاتم الرسول/ابن تيميّة
و الواقدي في المغازي / و راجع السيرة الحلبيّة/ الجزء الرابع
2-المصدر السابق
و راجع الطبقات الكبرى/ابن سعد/الجزء الثاني
و البداية و النهاية/ابن كثير/الجزء الخامس
3-البداية و النهاية/ابن كثير/الجزء الرابع
و راجع صحيح البخاري/كتاب المغازي
و راجع صحيح مسلم/كتاب الجهاد و السير
و راجع سيرة ابن هشام
4-المصدر السابق
5-المصدر السابق
6-المصدر السابق
الإغتيالات السياسيّة:
1-عصماء بنت مروان:
قامت هذه المرأة بهجاء محمّد ببعض الشعر, و حين عاد من غزوة بدر قال:’’1’’ من لي بها فقال رجل من قومها انا يارسول الله, [هذا الرجل اسمه عمير بن عديّ, و هو أعمى و لم يشارك في بدر, ربّما أراد أن يبرهن عن حسن نيّته, بعد أن رأى تغيّر موازين القوى و عودة المسلمين منتصرين] جاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها في بيتها وحولها نفر من ولدها نيام منهم من ترضعه في صدرها فجسّها بيده فوجد الصبي ترضعه فنحاه عنها ثم وضع سيفه على صدرها حتى انفذه من ظهرها ثم خرج حتى صلى الصبح مع النبي فلما انصرف النبي نظر إلى عمير فقال أقتلت بنت مروان قال نعم بابي انت يا رسول الله
وخشي عمير ان يكون افتات على رسول الله بقتلها فقال هل عليّ في ذلك شيء يا رسول الله قال لا ينتطح فيها عنزان.
هذا الرجل الأعمى كان من أهلها و متعوّدا على الدخول إلى بيتها لذلك لم يجد صعوبة في الدخول عليها ليلا, فوجدها نائمة بين أولادها و فوق صدرها رضيع لها, فنحّاه عنها ثمّ أخذ سيفه و أدخله في صدرها حتّى أخرجه من ظهرها, ثمّ عاد إلى محمّد و صلّى معه الصبح و أخبره بالقصّة فقال له النبيّ: لا ينتطح فيها عنزان أي هي أتفه من أن يثور علينا قومها أو يختلف عليها اثنان.
2-أبو عفك اليهوديّ: ’’2’’
ثم سرية سالم بن عمير العمري إلى أبي عفك اليهودي في شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عفك من بني عمرو بن عوف شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة وكان يهوديا وكان يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول الشعر فقال سالم بن عمير وهو أحد البكائين وقد شهد بدرا علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه فأمهل يطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة فنام أبو عفك بالفناء وعلم به سالم بن عمير فأقبل فوضع السيف على كبده ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش وصاح عدو الله فثاب إليه ناس ممن هم على قوله فأدخلوه منزله وقبروه.
لماذا يقوم محمّد بقتل امرأة و شيخ بسبب بعض الأبيات؟
يقول rene marchand في كتابه ’’محمّد’’ معلّقا: محمّد يقوم باغتيال الشعراء في البداية لأنّه يعرف أنّ هذه الأعمال سوف تنتشر و تسكن في العقول. حيث تمّ تنفيذها بطريقة دعائيّة. (...) لننظر إلى الهدفين: المرأة و الشيخ, لقد تمّ اختيارهما بتدقيق شديد.فقتل امرأة ليس بالشيء المشرّف للعربيّ , و القرآن نفسه يندّد بالقتل في مواضع كثيرة دون أن يفرّق بين المرأة و الرجل, كما أنّ محمّدا في غزوات أخرى يطالب بعدم الإعتداء على النساء و الأطفال, لكنّ قتل امرأة هو شيء منكر, و بهمجيّة لا مثيل لها, و هو ما أراده محمّد, إنّه إنذار مبطّن لكلّ أهل المدينة أنّه لا يوجد شخص محصّن بانتمائه القبليّ أو بعلاقاته السياسيّة مع اليهود أو حتّى لجنسه إن كان امرأة أو شيخا.فالعمليّتان كانتا منظمّتين فقام بالقتل شخص من القبيلة نفسها, فلا أحد منذ اليوم يستطيع أن يثق في الآخر حتّى و إن كان ابنه أو أخيه, فأصحاب محمّد في كلّ مكان و مستعدّون لفعل أيّ شيء.(...) في الحضارة الوثنيّة العربيّة لم نسمع بإله أو ببطل أسطوريّ في الشعر أو في الواقع قاموا بتمجيده لأنّه قتل امرأة و شيخا. و مع هذه العمليّة اللاأخلاقيّة يقوم الإسلام بانكسار آخر في المنظومة الأخلاقيّة بعد ما حدث في غزوة نخلة, و تنقلب المفاهيم و المعطيات على مذبح الله.
و يقول ابن الورّاق في كتابه’’لماذا لست مسلما’’ : بدأت مرحلة جديدة في التوجّه المحمّديّ, سياسيّة عسكريّة أكثر منها دينيّة, مرحلة جديدة و هي ما يسمّيها تحديدا منظّرو الحروب السياسيّة في القرن العشرين: التطرّف الإرهابي, أو تصعيد الموقف بجنون.
لن أضيف كثيرا على ما ورد أعلاه سوى القول بأنّ هذه الإغتيالات تدخل في باب القوّة الإعلاميّة المضادّة, فالشاعر هو وسيلة إعلاميّة -حسب تعبير عصرنا الحديث- و أشعاره تنتشر بسرعة, و المرأة قامت بهجاء محمّد, أي أنّ صورته أمام الرأي العام المحلّي سوف تصبح محلّ سخريّة, و هذه هي الأبيات كما يذكرها ابن تيميّة:
فباست بني مالك والنبيت *وعوف وباست بني الخزرج
اطعتم اتاويّ من غيركم *فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرؤوس* كما يرتجى مرق المنضج
فالمرأة تستنكر فعل القتل في بدر و تنهى قومها أن يتّبعوا شخصا قام بقتل أهله و جرجر معه العرب للتناحر, و نلاحظ هنا بعد تصفيتها جسديّا أبيات حسّان بن ثابت فيها:
بني وائل وبني واقف *وخطمة دون بني الخزرج
متى ما دعت اختكم ويحها *بعولتها والمنايا تجي
فهزت فتى ماجدا عرقه * كريم المداخل والمخرج
فضرجها من نجيع الدما * قبيل الصباح ولم تخرج
فاوردك الله برد الجنا * ن جذلان في نعمة المولج
إنّه الإعلام المضادّ, يتمّ الردّ عليها على البحر و القافية نفسيهما, مع مدح السلطة و قادتها.
و بالنسبة لقصيدة الشيخ يذكر ابن تيميّة قائلا: وذكر قصيدة تتضمن هجو النبي وذمّ من اتبعه, أعظم ما فيها قوله :فيسلبهم امرهم راكب *حراما حلالا لشتى معا أي أنّ محمّدا خلط الحلال بالحرام [لاحظوا هذه الأخلاق الوثنيّة حيث يعتبر القتل و الغزو حرام, و لاحظوا الأخلاق الدينيّة حيث أنّ الغزو و القتل من أجل الله طريق لنيل مرضاته!]
3-كعب بن الأشرف:
لم يصدّق كعب بن الأشرف-و هو من أهل الكتاب- ما حدث في غزوة بدر و مقتل سادة قريش فذهب إلى مكّة فالتقى بأبي سفيان, و لنستمع للحديث الدائر بينهما: ’’3’’ وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك, أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأيّنا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق؟ إنا نطعم الجزور الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هبت الشمال.
فقال له كعب بن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا.
قال: فأنزل الله على رسوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا } [النساء: 51-52]
و قال ابن الأشرف شعرا يهجو به محمّد, و كالعادة قال النبيّ:’’4’’ قال ابن إسحاق: فقال رسول الله - كما حدثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة -: «من لابن الأشرف» فقال له محمد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله. قال: «فافعل إن قدرت على ذلك».
قال: فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل، ولا يشرب، إلا ما يعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول الله فدعاه فقال له: «لم تركت الطعام والشراب؟» فقال: يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفي لك به أم لا؟
قال: «إنما عليك الجهد» قال: يا رسول الله إنه لا بد لنا أن نقول.[أي كي نستطيع قتله لابدّ أن نكذب عليه و نستدرجه] قال: «فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك».
ثمّ يخرج هذا الكومندوس في مهمّته : ’’5’’قال: فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة أحد بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش أحد بني عبد الأشهل، والحارث بن أوس بن معاذ أحد بني عبد الأشهل، أبو عبس بن جبر أخو بني حارثة
و لنستمع لهذه المسرحيّة و كيف استطاعوا قتله: ’’6’’
فقدموا بين أيديهم إلى عدو الله كعب سلكان بن سلامة أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة، فتناشدا شعرا - وكان أبو نائلة يقول الشعر - ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني،[أي أريد أن أقول لك سرّا] قال: أفعل.
قال: كان قدوم هذا الرجل [أي محمّد]علينا بلاء عادتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبيل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا.
فقال كعب: أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر يصير إلى ما أقول، فقال له سلكان: إني قد أردت أن تبيعنا طعاما، ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك.
قال: ترهنوني أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا إن معي أصحابا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم، وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء.[أي نرهنك من سلاحنا] وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤوا بها.
فقال: إن في الحلقة لوفاء. قال: فرجع سلكان إلى أصحابه فاخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله .
قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مشى معهم رسول الله إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال: «انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم».
ثم رجع رسول الله إلى بيته، وهو في ليلة مقمرة، فانطلقوا حتى انتهوا إلى حصنه فهتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس،[أي أنّ كعبا تزوّج حديثا] فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: أنت امرؤ محارب وأن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة.
قال: إنه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني، فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشر.
قال: يقول لها كعب: لو دعي الفتى لطعنة أجاب. فنزل فتحدث معهم ساعة، وتحدثوا معه، ثم قالوا: هل لك يا ابن الأشرف أن تتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ [ أرادوا أن يبعدوه عن بيته]
قال: إن شئتم. فخرجوا فمشوا ساعة. ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط.
ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن.
ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها، فأخذ بفودي رأسه ثم قال: اضربوا عدو الله! فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا.[لم تصبه سيوفهم و يبدو أنّه كان مدرّعا]
قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا في سيفي فأخذته، وقد صاح عدو الله صيحة، لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار.
قال: فوضعته في ثنته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو الله وقد أُصيب الحارث بن أوس بجرح في رجله أو في رأسه، أصابه بعض سيوفنا.
قال:[أي بعد قتله و تنفيذ المهمّة بنجاح] فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد، ثم على بني قريظة، ثم على بعاث، حتى أسندنا في حرة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس، ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة،[ينتظرون أحد افراد ’’الكومندوس’’ الذي أصيب في العمليّة] ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه، فجئنا به رسول الله آخر الليل، وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله.
وتفل رسول الله على جرح صاحبنا، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهودي إلا وهو خائف على نفسه.
يتبع...
.................................................................
1-الصارم المسلول على شاتم الرسول/ابن تيميّة
و الواقدي في المغازي / و راجع السيرة الحلبيّة/ الجزء الرابع
2-المصدر السابق
و راجع الطبقات الكبرى/ابن سعد/الجزء الثاني
و البداية و النهاية/ابن كثير/الجزء الخامس
3-البداية و النهاية/ابن كثير/الجزء الرابع
و راجع صحيح البخاري/كتاب المغازي
و راجع صحيح مسلم/كتاب الجهاد و السير
و راجع سيرة ابن هشام
4-المصدر السابق
5-المصدر السابق
6-المصدر السابق
26
نواصل مع الإغتيالات:
أبو رافع اليهوديّ:
و أرسل محمّد ’’كومندوس’’ آخر بقيادة عبد الله بن عتيك لاغتيال أبا رافع و لنستمع للبخاري: ’’1’’بعث رسول الله إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار، فأمّر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه، وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه، أجلسوا مكانكم، فإني منطلق، ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله: إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت،[أي دخلت إلى الحصن و اختفيت في مكان ما] فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على وتد، [أي أنّ البوّاب أغلق باب الحصن]قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه،[أي أنّ أبا رافع كان ساهرا مع أصحابه و حين انتهى من السمر و خرج أصحابه صعد عبد الله إليه] فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت عليّ من الداخل، قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش،[دهش أي لا أرى شيئا بسبب الظلمة] فما أغنيت شيئا، [أي أنّي أخطأته بالسيف فلم أصبه] وصاح، فخرجتُ من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟[غيّر صوته و قال له لماذا تصرخ] فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله،[أي سقط بها أبو رافع على الأرض] ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشا [أي لا أرى شيئا بسبب الظلمة]فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا، حتى أنتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي، وأنا أرى أني قد أنتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة،[أي سقط على الأرض أثناء هروبه فانكسرت ساقه] ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم: أقتلته؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعى أبا رافع تاجر الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاء، فقد قتل أبا رافع، فانتهيت إلى النبي فحدثته، فقال: (ابسط رجلك). فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط.
هذه الإغتيالات كانت قد وقعت في أوقات متفرّقة و لكنّي جمعتها لنقرأ هذا التحوّل في الشخصيّة المحمّديّة منذ غزوة نخلة, فمحمّد سوف يظلّ هو هو و حتّى وفاته لا يتغيّر, يكون كريما و طيّبا و صادقا في مواطن - كما سنرى - و يكون صارما و عنيفا و يقتل بدم بارد حتّى النساء في مواطن أخرى, أو بالأحرى يأمر أتباعه بفعل القتل, لأنّ محمّدا لم يقتل بيده إلاّ شخصين فقط طيلة حياته و هذان الشخصان هما: أبيّ بن خلف حيث طعنه محمّد بحربة يوم أحد, و أبا عزّة قطع محمّد عنقه يوم أحد أيضا ’’2’’ , قلت إذن هذان القطبان أو المحوران في الشخصيّة المحمّديّة سيلازمانه حتّى وفاته.
و هذا التوجّه الثنائي [ القسوة و اللين] كان له دور كبير في التحاق العديد معه و اتّباعه, طبعا بغضّ النظر عن رغبتهم في الغنائم أيضا, فالقسوة أو الإرهاب أو الإغتيالات تبثّ الرعب في قلوب المعارضة بينما الطيبة و اللين تدعّم أواصر العلاقات بينه و بين أتباعه, و نرى أنّ القرآن يعبّر عنها بطريقة دقيقة و واضحة:’’ محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم ’’3’’
لقد قام محمّد بوضع مفاهيم جديدة للأخلاق, فليست العادة أو المعروف هما الذان ينظّمان العلاقات الإجتماعيّة [ معنى ’’المعروف’’ هو ما تعارف الناس عليه و عكسه ’’المنكر’’ و هو ما أنكره الناس لعدم معرفتهم به] بل كلّ ما لا يصبّ في توجّهه الإيديولوجيّ هو منكر.
لم يعد التكاتف القبلي أو رابطة الدم أساسيّين في المعاملات الأخلاقيّة بل صارت هذه الفكرة الإيديولوجيّة[الإسلام] مهيمنة عليهما, و ربّما هذا ممّا يحسب لمحمّد- من وجهة نظر معيّنة-.
و لو أردنا أن نقسّم الأخلاق [المعروف] إلى بنيتين, في مجتمع ما, لأجاز لنا أن نقول:
الفكرة الأخلاقيّة أو النظريّة هي البنية الفوقيّة.
المعاملات الأخلاقيّة أو التطبيق هي البنية التحتيّة.
و محمّد غيّر البنية الفوقيّة في مجتمعه و لكنّه بالمقابل حافظ على البنية التحتيّة, و أضرب مثلا: حدّ السرقة.
فقطع يد السارق [أي التطبيق] ليس جديدا على قريش, فمثلا ’’4’’
مدرك بن عوف بن عبيد بن عمر بن مخزوم سرق في الجاهلية مراراً فقطعت قريش يده ثم عاد فسرق فرجموه حتى مات
والخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف سرق في الجاهلية فقطعت يده
ومليح بن شريح بن الحارث بن السباق بن عبد الدار قطعت يده في أمر غزال الكعبة
ومقيس بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم قطعت يده في أمر الغزال
وعبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم قطعت يده في الجاهلية في سرقة إبل
ووابصة بن خالد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
و كذلك من حرّم السكر و الخمر و الأزلام في الجاهليّة: ’’5’’
عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان يتحنف بحراء
وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى
وأبو أمية بن المغيرة والحارث بن عبيد المخزوميان
وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى العدوي وكان يتحنف بحراء ولا يأكل ما ذبح للأصنام
وعامر بن حذيم الجمحي
وعبد الله بن جدعان التيمي
ومقيس بن قيس بن عدي السهمي
وعثمان بن عفان - رضي الله عنه - بن أبي العاص بن أمية
والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وضرب فيها هشام ابنه
فحمّد حافظ على الكثير من الحدود أو التطبيقات أو الشرائع في الجاهليّة [كالحجّ مثلا] و بالمقابل غيّر المفهوم الأخلاقيّ في منحاه النظري.
بعد غزوة بدر:
محمّد هو المنتصر على قريش, و لا يشكّ لحظة واحدة في أنّ الله معه و أنّه يحميه و متيقّن أنّه لولا عناية الله لما استطاع الإنتصار, فمن ذا سيستطيع الوقوف في طريقه لنشر رسالته -حسب إيديولوجيّته طبعا- حتّى أنّ الملائكة نزلت تحارب معه في بدر بقيادة جبريل.
و بعد عودته من غزوة بدر وجد أنّ ابنته رقيّة قد توفّيت و قام زوجها عثمان بن عفّان بدفنها, و لكن في السنة التي تفصل غزوة بدر عن غزوة أحد ,ابتسمت الحياة للنبيّ و أقبلت نحوه, و زاد أن استولى زيد بن حارثة على قافلة لقريش [ذكرناها أعلاه, و بعض الروايات تقول أنّ القيمة الإجماليّة للقافلة كانت 100 ألف درهم] فتزوّج من حفصة بنت عمر , و زوّج ابنته فاطمة لعليّ, [ لاحظوا أنّه لم يتزوّج إلى الآن إلاّ من أرملتين كبيرتين في السنّ و طفلة صغيرة] لكن بعد زواجه من حفصة [التي توفّي زوجها خنيس بن حذافة] ستأخذ حياته الجنسيّة منعرجا آخر, فسيكثر من الزواج بالنساء و يتجاوز الرقم المحدّد في القرآن [ أربع نساء] و سيتّخذ الإماء و السراري. و هذا المنعرج الجنسيّ يستحقّ لوحده دراسة معمّقة و دقيقة للبحث عن أسبابه و دوافعه.
و قد بدأ محمّد يضيق باليهود, [ربّما لأنّهم يتقوّلون عليه و يسخرون من كلّ هذه البدع الجديدة التي جعلها في النبوّة], و يا محاسن الصدف حدثت مشكلة بين امرأة عربيّة و صائغ يهوديّ [ أرجّح أنّ العمليّة كانت منظّمة و مفبركة من طرف محمّد] فـ ’’6’’ كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها ، فباعته بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يُريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوءتها ، فضحكوا بها ، فصاحتْ . فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ، وكان يهوديا ، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فغضب المسلمون ، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع .
هذه الحادثة جعلت محمّد يجمع بني قينقاع و يخطب فيهم قائلا:يا معشر يهود ، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة ، وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم .
فأجابوه قائلين: يا محمد ، إنك ترى أنا قومك ! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة ، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس . [ يعني لا تغترّ يا محمّد بانتصارك على بعض الشيوخ من قريش في غزوة بدر, فإنّنا لو حاربناك لعرفت ماذا يمكننا أن نفعل]
فقام محمّد بحصارهم لمدّة أسبوعين و في الأخير استسلموا, فأمر بتصفيتهم و قتلهم جميعا! ’’6’’
و هنا يتدخّل عبد الله بن أبيّ بن سلول ليمنعه: ’’7’’ فقام إليه عبدالله بن أبي بن سلول ، حين أمكنه الله منهم ، فقال : يامحمد ، أحسن في موالي ، وكانوا حلفاء الخزرج ، قال : فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : يا محمد ، أحسن في موالي ، قال : فأعرض عنه . فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم .[ أي أمسك محمّد من تحت درعه]
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلني ، [أي أتركني] وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظُللا ، ثم قال : ويحك أرسلني ؛ قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي ، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الحمر والأسود ، تحصدهم في غداة واحدة ،[يعني تقتلهم في عشيّة واحدة] إني والله امرؤ أخشى الدوائر ؛ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم لك .
فقام فقط بإجلائهم -دون أموالهم طبعا- و تقاسم هو و أصحابه الغنيمة. [لنتذكّر دائما أنّ السيرة تشير في البداية إلى أنّ محمّدا جاء ليحكم في المدينة بالعدل بسبب الحروب المتواصلة بينهم]
و إذ بدأ يضيق باليهود فهو أيضا سيغيّر تشريعه الذي كان يهوديّا فيجعل صيام عاشوراء سنّة بعد أن كان فرضا : ’’7’’ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء فقال لهم: " ما هذا اليوم الذي تصومونه " قالوا: هذا يوم عظيم نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرًا فنحن نصومه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فنحن أحق وأولى بموسى منكم " فصامه وأمر بصيامه.
أخرجاه في الصحيحين.
و ربّما غيّر القبلة أيضا من بيت المقدس [ حيث إليها كان يتوجّه اليهود بصلاتهم] إلى الكعبة في تلك السنة.
يتبع........................
1-صحيح البخاري/كتاب المغازي
و راجع كلّ كتب السيرة
العديد يخلطون بينه و بين سلام بن أبي الحقيق و يعتبرونهما شخصين و حادثتين منفصلتين و لكنّهما في الحقيقة شخص واحد, يقول ابن كثير في البداية و النهاية/الجزء الرابع: وكان سلام بن أبي الحقيق - وهو أبو رافع - فيمن حزب الأحزاب على رسول الله ... و ما دفع بعض الباحثين للخلط بينهما هو اختلاف الروايات و تفاصيلها. حيث أنّ هناك من يرويها بطريقة مغايرة فيقول أنّهم دخلوا جميعهم إلى الحصن و أنّهم طعنوه بسيوفهم جميعا و ليس فقط عبد الله بن عتيك: وساروا حتى قدموا على النبي واختلفوا في قتله.
فقال رسول الله: هاتوا أسيافكم فجاؤوا بها فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله أرى فيه أثر العظام.أي أنّهم اختلفوا عند محمّد و كلّ شخص يقول أنا قتلته, فأخذ محمّد سيوفهم و قارنها ثمّ قال إنّ عبد الله بن أنيس هو من قتله, حيث توجد آثار عظام على سيفه. ’’راجع مثلا الكامل في التاريخ لابن الأثير/الجزء الأوّل.
2-المنمّق في أخبار قريش/ محمّد بن حبيب البغداديّ/باب زنادقة قريش
3-القرآن الكريم/سورة الفتح/آية 29
4-المنمّق في أخبار قريش/ محمّد بن حبيب البغداديّ/باب من قطعت قريش يده
5-المصدر السابق
6-عيون الأثر في المغازي و السير/ابن سيّد الناس/ باب بنو قينقاع , حيث يقول: فأنزلهم فكتفوا واستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي فكلم ابن أبي فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وألح عليه فقال حلوهم لعنهم الله ولعنه معهم وتركهم من القتل وأمر أن يجلوا من المدينة وتولى ذلك عبادة بن الصامت فلحقوا بأذرعات فما كان أقل بقاءهم بها وذكر ما تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاحهم وسيأتي ذكرنا له وخمست أموالهم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية الخمس وفض أربعة أخماس على أصحابه.
7-المنتظم في التاريخ/الجزء الثالث/ابن الجوزيّ
27
مرّت سنة على مرور غزوة بدر حتّى جاء وقت غزوة أحد.
و لنا أن تساءل:
لماذا انتظرت قريش كلّ هذه المدّة؟ و العديد من أشرافها قتلوا, و أموالهم نهبوا, فكيف لم يعدّوا جيشا سريعا و يخرجوا إلى المسلمين؟ لماذا انتظروا سنة كاملة؟
قلنا منذ بداية هذه السلسلة أنّ قريشا كان توجّهها سلميّا فلم تقتل النبيّ حين كان بينها, فهي لا تقتل من أجل الدين.
و أغلبهم تجّار يحرّكهم الدرهم و الدينار, و المصلحة المنفعيّة الآنيّة هي المسيطرة على تفكيرهم.
محمّد قطع الطرق الذاهبة إلى الشام عبر المدينة, لا بأس, نأخذ الطرق الغربيّة ناحية العراق.
لكنّ هذه طريق جديدة و مكلفة و شاقّة, لا بأس, نضيف عددا إضافيّا من الإبل لحمل الماء.
و رغم ذلك فقد هاجم محمّد أيضا هذه القاقلة في سريّة زيد كما أشرنا و غنم المسلمون منها مائة ألف درهم, و هنا تحديدا تحرّكت قريش, فمحمّد يهدّد فعلا الإقتصاد المكّي و ينوي تحطيمه تماما بقطعه لكلّ الطرق المؤدّية إلى الشمال.
لا بدّ أنّ هناك -و ربّما منهم أبو سفيان- من طالب بمهاجمة محمّد منذ البداية, أي مباشرة بعد غزوة بدر -كما فعل أبو سفيان- و لكنّهم على ما يبدو لم يلقوا آذانا صاغية, حيث أنّ الملأ [أشراف قريش]يجتمعون و يقرّرون الحرب من عدمها, [تلك ربّما من مساوئ الديمقراطيّة!]و كما قلنا فهم تجّار يميلون إلى الجانب السلميّ, و لكنّ بما أنّ تجارتهم أصبحت فعلا مهدّدة, فقد وجدت الأصوات المطالبة بالحرب آذانا صاغية عندهم.
لكنّ الأمور ليست كبدر, حيث اجتمع بعض الشيوخ للذهاب إلى الحرب و عينهم على سوق بدر للمشاركة فيه, بل هذا إعداد حقيقيّ للحرب, يقول ابن هشام:’’1’’فخرجت قريش بحدّها وجدّها وحديدها وأحابيشها ،ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة و فيهم العديد من المقاتلين الأشدّاء, و حملوا معهم نساءهم كي لا يفرّوا.
و ما الوضع في المدينة؟
لم يدر محمّد ماذا يفعل. هل يخرج إليهم أم لا, و من أين له القوّة على ردّ هذا الجيش القادم نحوه؟
و اختلف أصحابه في هذا الأمر, قسم يرى أنّه من الحكمة عدم الخروج و البقاء في المدينة فإن هاجمتهم قريش فسيكون العديد من المتساكنين المحايدين مجبورين على القتال للدفاع عن أرضهم, و من أصحاب هذا الرأي مثلا: محمّد نفسه, و عبد الله بن أبيّ بن سلول [ لنا أن نتساءل لماذا يشير ابن سلول على محمّد بهذا الرأي الصائب], و قسم يرى ضرورة الخروج [ ربّما لأنّهم يعتقدون أنّ الله سيكون معهم أيضا كما في بدر, ففي الأخير قد أثبت محمّد فعلا لهم أنّه نبيّ و أنّ الملائكة تحارب معه و الدليل غزوة بدر] و يبدو أنّهم أصرّوا و بدؤوا يلحّون على القتال, فـ ’’2’’لم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم ، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ، فلبس لأْمته ، [أي لبس لباس الحرب]وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة. كيف يخطئ محمّد هذا الخطأ؟ كيف لم يحسبها؟ أم أنّه توكّل على الله متيقّنا أنّه لن يخذله؟ أم هي سكرة المحارب المنتصر كما يقول الإغريق؟
على كلّ حال فقد تجهّز الجميع و اتّجهوا نحو جبل أحد, و في الطريق تراجع عبد الله بن أبيّ بن سلول فتراجع معه ثلث الجيش [لاحظوا مكانته في المدينة, فهو الوحيد الذي أمسك محمّد من ’’خناقه’’ كما اشرنا أعلاه في أمر بني قينقاع, و هو الآن يتراجع فيتراجع معه الثلث] قائلا: ’’3’’ أطاعهم وعصاني ، [أي أنّ محمّدا لم يستمع لرأيي حين أشرت عليه بالبقاء في المدينة]ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس ، فرجع بمن اتبعه من قومه , حينئذ بدأ بعض المسلمين يقدّرون خطورة الموقف فقالوا لمحمّد: ’’4’’ يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود لكنّ محمّدا يعلم أنّ اليهود لن تكون بجانبه خاصّة أنّه لم يمض وقت طويل على إجلائه لبني قينقاع و تقسيم أموالهم, فأجاب : لا حاجة لنا فيهم
و في طريقهم إلى جبل أحد, أرادوا أن يعبروا مكانا آمنا لا يكون فيه بعض قريش, فدخلوا في أرض لشيخ ضرير اسمه ابن قيظيّ, فـ ’’5’’ لمّا سمع حِس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين ، قام يحثي في وجوههم التراب ، ويقول : إن كنت رسول الله ، فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي .[أي لا أحلّ لك أن تعبر من أرضي] و أخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك .
فابتدره القوم ليقتلوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقتلوه ، فهذا الأعمى أعمى القلب ، أعمى البصر "
و لكن, قام سعد بن زيد بضرب الشيخ بالقوس في رأسه فشجّه, يقول ابن هشام: [ضربه] قبل نهي رسول الله, و كما نرى فابن هشام يريد تبرير هذه الفعلة, أيّ ضرب شيخ ضرير, و لكنّ محمّدا لم ينهاهم عن ضربه بل فقط عن قتله.فقال لا تقتلوه, و كان يستطيع أن يقول مثلا: لا تلمسوه, فيكون أيضا نهيا عن الضرب. و ربّما لم يكن محمّد في موقف يخوّل له اختيار كلماته بعناية فهو مقبل على حرب.
أمّا قريش فقد كانت منظّمة [ خاصّة أنّ المحاربين المعتادين على القتال جاؤوا فيها] فكان خالد بن الوليد على الجناح الأيمن من الجيش, و عكرمة بن أبي جهل على الجناح الأيسر, و جعلوا مائة حصان في الخلف كاحتياط.
و هذا يدلّ على قدرتهم العسكريّة المتفوّقة تماما على المسلمين, فأن يجعلوا مائة حصان موجودة بلا فارس, و فقط للإحتياط, فلنا أن نتخيّل عدد الأحصنة المشاركة فعليّا في المعركة, و للأحصنة دور حاسم و قاطع في ترجيح كفّة المعارك القديمة حيث تخترق الصفوف و تبعثر المحاربين.يقول ابن اسحاق: ’’6’’وتعبأت قريش ، وهم ثلاثة آلاف رجل ، ومعهم مئتا فرس قد جنبوها ، [جنبوها تعني انّهم جعلوها في جنوب الجيش فلا يستعملونها إلاّ إذا تعبت الأحصنة المقاتلة في المعركة أو قتلت]فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل
بينما جيش محمّد لا يتجاوز 700 شخصا, و عدد الأحصنة لا تتجاوز العشرة.
يتبع.........
1-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
2-المصدر السابق
3-المصدر السابق
4-المصدر السابق
5-المصدر السابق
28
و اختار محمّد أن يجعل ظهره إلى جبل أحد حيث يكون الجيش مقابلا للمدينة, و ترك على هضبة قريبة منه ثلاثين راميا بالنبال. و قد أحسن النبيّ اختيار هذا المكان حيث يكون قد حمى ظهر الجيش من الخلف, كما أنّ الهضاب و المرتفعات المنتشرة في المنطقة تعيق حركة خيول قريش.
تقول كلّ كتب السيرة أنّ المسلمين انتصروا في بداية المعركة و لكنّ الرماة الذين على الجبل تركوا أماكنهم للحصول على الغنائم فالتفّ خالد بن الوليد و معه مائتا فارس و هاجموا المسلمين من الخلف.
و هذا عجيب, حيث نفهم أنّ خالد بن الوليد لم يكن يستطيع التحرّك بسبب وجود الرماة, فأين رماة قريش إذن؟
لقد كانوا مائة شخص: ’’1’’ وجعلوا على الخيل صفوان بن أمية وقيل عمرو بن العاص وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة وكانوا مائة رام وفيهم سبعمائة دارع
فلماذا لم يتكفّل رماة قريش بمهاجمة رماة المسلمين بينما يعبر خالد بن الوليد بخيوله إلى المعركة؟
و ماذا عن قائد الجناح الأيسر عكرمة ابن أبي جهل و خيوله؟ ماذا كان يفعل؟
و ماذا عن المواجهة المباشرة بين المشاة من المسلمين و قريش؟ ما هي النتيجة حين يلتقي 650 محارب مع 2500 محارب؟
نحن لسنا في بدر الآن حيث جاءت بعض الشيوخ من قريش لتحارب، بل نحن أمام جيش منظّم لقريش يحتوي على محاربين مستعدّين للقتال.
أرجّح أنّ المعركة كانت في صالح قريش منذ البداية, و تمّ اختلاق حكاية ترك الرماة لمواقعهم كطريقة لحفظ ماء الوجه, و أنّهم لو نفّذوا ما قال لهم النبيّ لانتصر المسلمون في المعركة, فالخطأ ليس من محمّد و إنّما من الرماة, و الله لم يتخلّ عنه فهو نبيّه و لكن بما أنّهم لم ينفّذوا أوامر نبيّهم فقد أراد الله أن يعطيهم درسا, لهم و للمؤمنين جميعا,ليتعلّموا طاعة نبيّهم, و الدليل أنّه نصره في البداية, هذا من ناحية, و من ناحية أخرى فهو يوم بلاء و امتحان ليعلم الله المنافقين منهم و المؤمنين.
مشاهد من المعركة:
1-مقتل حمزة:
قبل خروج قريش من مكّة, ’’2’’ دعا جبير بن مطعم غلامًا له حبشيًا يقال له : وحشيّ, يقذف بحربة له قذف الحبشة ، قلّما يخطئ بها ، فقال له : أخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عمّ محمد, بعمّي طعيمة بن عدي ،فأنت عتيق
و يروي وحشيّ كيف قتل حمزة: ’’3’’ قال لي جبير : إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق . قال : فخرجت مع الناس ، وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة ، قلما أخطئ بها شيئا ؛ فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره ، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق ، يهدّ الناس بسيفه هدّا ، ما يقوم له شيء ، فوالله إني لأتهيّأ له ، أريده وأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني, إذ تقدمني إليه سباع بن عبدالعزى ؛ فلما رآه حمزة قال له :هلم إلي يا ابن مقطعة البظور.[أي يا ابن المرأة التي تقوم بالختان في مكّة, أظنّها كانت تقوم بختان النساء] قال : فضربه ضربة كأنّ ما أخطأ رأسه [أي قطع له رأسه]قال : وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها ، دفعتها عليه ، فوقعت في ثنّته [الثنّة هي ما بين العانة و أسفل البطن]. حتى خرجتْ [ الحربة] من بين رجليه ، وذهب لينوء نحوي،[أيّ أنّ حمزة تحامل على نفسه و أراد أن يتوجّه إلى وحشيّ] فغلب ،[لكنّه لم يستطع و سقط] وتركته وإياّها حتى مات ، ثم أتيته فأخذت حربتي ، ثم رجعت إلى العسكر ، فقعدت فيه ، ولم يكن لي بغيره حاجة ، وإنما قتلته لأعتق .
2-الفوضى:
واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار[كان شعار المسلمين يوم أحد هو ’’أمت,أمت’’ و يقوله المحاربون لبعضهم بعضا حتى لا يقتلون أحدا منهم خطأ, فلم يكونوا يلبسون أزياء موحّدة يتميّزون بها عن قريش] ويضرب بعضهم بعضاً لما يشعرون به من العجلة والدهش[أي أصبحوا لا يرون شيئا من كثرة الفوضى فصاروا يضربون بعضهم بعضا] ونادى المشركون بشعارهم بالعزى بالهبل.
فأوجعوا في المسلمين قتلاً ذريعاً وولّى من ولّى منهم يومئذ قال موسى بن عقبة ولمّا فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم [محمّد اختفى فجأة] قال رجل منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم فإنهم داخلوا البيوت [أي أنّ قريش تنوي مهاجمة بيوت المدينة أيضا] ’’4’’
3-أين محمّد؟
لمّا اشتدّ القتال يوم أحد ، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار ’’5’’ لكن سرعان ما اختلطت الأمور و بدأت قريش تخترق الصفوف حتّى أنّه لم يبق مع محمّد إلاّ إثنا عشر رجلا يقومون بحمايته ’’6’’, فقال محمّد : ’’7’’ من رجل يشتري لنا نفسه ؟, أي هل هناك رجل يضحّي بحياته و له الجنّة, فقام زياد بن السكن فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً يقتلون دونه [أي يموتون في الدفاع عنه واحدا تلو الآخر]حتى كان آخرهم زياداً وعمارة فقاتل حتى أثبته الجراحة ثم فاءت فيئة من المسلمين[أي جماعة من المسلمين آخرين جاؤوا] فأجهضوهم عنه [أي فرّقوا قريش و أبعدوها عن محمّد]فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أدنوه مني[أي عمارة و كان يحتضر] فأدنوه منه " فوسده قدمه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ’’8’’
لكنّ محاربي قريش لم يتراجعوا فـ ’’9’’ اقترب عتبة بن أبي وقاص[ و] رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله شهاب الزهري شجه في وجهه وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من المغفر في وجنته ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون
فبدأ الدم يسيل على وجه محمّد و هو يمسحه و يقول:’’كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم ’’, و بدأت النبال تنهال عليه, فارتمى أبو دجانة على محمّد ليحميه فاخترقت كلّ النبال ظهره, و كان بجانب محمّد سعد ابن أبي وقّاص فبدأ النبيّ يناوله السهام و يقول له ارم [أي اضرب] فداك أبي و أمّي, و يقول سعد: حتّى أنّه يناولني السهم بلا نصل و يقول لي ارم به.
و صاح أحدهم في ساحة المعركة إنّ محمّدا قد قتل, فازداد المسلمون تفرّقا و تشتّتا و هم يبحثون عن محمّد و لا يجدونه, و بدأت المعركة في الإنتهاء [ربّما لأنّ قريشا صدّقت أنّ محمّدا قتل], يقول كعب بن مالك: ’’10’’ فكنت أنا أول من عرف النبي صلى الله عليه وسلم عرفت عينيه تحت المغفر فناديت بصوتي الأعلى هذا رسول الله فأشار إلي أن اسكت , أي قال له محمّد : أسكتْ. ربّما حتى لا تستمع إليه قريش فيعودون إليه فطالبه بعدم إفشاء أمر بقائه حيّا, لكنّ الصحابة سمعوا ما قال فالتفّوا حول محمّد و صعدوا به إلى الجبل. و حمل عليّ بعض الماء و أخذ يغسل الدم عن وجه محمّد الذي أخذ يقول: ’’11’’ اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسوله [نستطيع أن نلمح الخطوط العامّة التي ترسم الشخصيّة المحمّديّة, ففي حال الضعف حين سقط و انهالت عليه قريش بالنبال قال: كيف يفلح قوم......و هو يدعوهم إلى ربّهم, لاحظوا ارتكازه على النبوّة و الدعوة في هذه الحالة, و لكنّه حين صعد إلى الجبل مع أصحابه و ابتعد عن الخطر قال : اشتدّ غضب الله, حيث ارتكز هنا على القوّة و الغضب, و يمكننا أن نقارب هذا مع الفترة المكّيّة و المدنيّة:
حين كان ضعيفا=في مكّة=الدعوة و النبوّة
حين كان قويّا=في المدينة=الغضب و القوّة
و لكلّ مقام مقال!
و عاد محمّد إلى المدينة (!) بينما ’’12’’ قامت هند في نسوة معها يمثّلن بالقتلى يجدعن الأنوف والأذان حتى اتّخذت هند من ذلك خدمًا وقلائد وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها.
(!) لماذا رجعت قريش إلى مكّة ؟ألم تضيّع فرصة ذهبيّة للتخلّص من محمّد و إعادة طرقها التجاريّة المعتادة من قبل دون أن تتعرّض للإغارة؟
و هذا الأمر نفسه سيتكرّر فيما بعد في غزوة الأحزاب, حيث تكون لقريش القدرة على إعادة الأمور كما كانت من قبل و لكنّها لا تفعل شيئا, و هذا غريب, ممّا يدفعنا أن نتساءل إن كان رواة السيرة يدركون فعلا ما يكتبون!
طبعا هم يضيفون و يمحون ما شاؤوا, لكنّهم يحافظون دائما على بناء منطقيّ للأحداث [حتّى و إن كان ضعيفا أحيانا], بيد أنّهم في غزوة أحد و الأحزاب لا يستندون إلى أيّ منطق, فما معنى أنّهم لم يريدوا إنهاء أمر محمّد لأنّ أصحابه قد تستميت في الدفاع عنه؟ ألم يدافعوا عنه منذ البداية؟ ثمّ لقد تفرّق العديد من المسلمين و هرب منهم من هرب و لم يبق الكثير مع النبيّ و مهما استماتوا فقريش متفوّقة عددا و عتادا, كما أنّ مصالحهم الإقتصاديّة في الميزان و عليهم إعادة تأمين الطرق إلى الشام, فكيف يأمّنوها بوجود محمّد؟
هل مات محمّد فعلا في المعركة , و حين عادت قريش إلى مكّة, خرج من المدينة محمّد آخر على خطى من سبقه,و واصل المهمّة, و جمع كتّاب السيرة المحمّدين , و ربّما يوجد أكثر من محمّد أو اثنين, أو ثلاث, ربّما يوجد محمّد الأوّل النبيّ المعاصر للذين كانوا يتحنّفون في غار حراء , زمان عبد المطّلب, ثمّ توفّي بعد أن كتب النصف الأوّل من القرآن المكّيّ, ثمّ ولد محمّد آخر اسمه ’’قثم’’ [كما ذكر هشام جعيّط] عام الفيل, و أخذ صفة محمّد, و كتب القرآن النصف الثاني من القرآن المكّي ثمّ ثوفّي أو قتل [كما اقترح الزميل أبو العلاء] ثمّ خرج محمّد ثالث في المدينة بشخصيّة مختلفة, و بقرآن مختلف, و آخر بعده إلخ...
ربّما يرى البعض أنّنا بدأنا نجنّح مع الخيال كثيرا, و ربّما تستهوي هذه الأفكار البعض الآخر, لكنّنا على كلّ حال لا نملك حاليّا أيّة مصدر حقيقيّ على هذا الكلام و لا على ما تقوله السيرة العربيّة, و لذلك فسنواصل المنهج الذي رسمناه منذ البداية في الإعتماد على السيرة فقط, و نقول:
لقد تركت قريش محمّدا يوم أحد, تجنّبا من أن يستميت أصحابه في الدفاع عنه, و نضع أمام هذه الجملة نقطة استفهام كبيرة.
يتبع..........................
1-عيون الأثر في المغازي و السير/ابن سيّد الناس/22-47
و راجع المنتظم في التاريخ/ابن الجوزيّ/الجزء الثالث
و راجع الطبقات الكبرى/ابن سعد/الجزء الثاني
2-سيرة ابن هشام/المجلّد الرابع
3-المصدر السابق
4-عيون الأثر في المغازي و السير/ابن سيّد الناس/هامش غزوة أحد
5-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
6-صحيح البخاري/كتاب المغازي
7-عيون الأثر في المغازي و السير/23-47
8-المصدر السابق
9-المصدر السابق
10-الطبقات الكبرى/ابن سعد/الجزء الثاني
يرويها ابن هشام فيقول : فأشار إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن أنصت. و لا أدري لماذا يقول أنصت؟ بل الصحيح هو ’’اسكت’’ كما رواها ابن سعد, حتى لا تسمع ذلك قريش فتعود إليه.
11-عيون الأثر في المغازي و السير/23-47
12-المنتظم في التاريخ/ابن الجوزيّ/الجزء الثالث
29
لقد جمعت المعطيات لمحاولة فهم رجوع قريش بعد غزوة أحد و عدم القضاء على محمّد, و -حسب رأيي- أرى تفسيرا منطقيّا واحدا و هو :أنّ قريش اعتقدت فعلا أنّ محمّدا قد قتل, فلم يعد هناك داع لبقائها و دخول المدينة و فتح جبهة حرب مع الأنصار لا تدري كيف تنتهي و قد تدوم لسنوات, كما أنّ قريش محتاجة لإبقاء العلاقات مع المدينة حيث تمرّ منها قوافلها.
سألوّن بالأحمر ما أراه إضافة من طرف الرواة أنفسهم, وأضع سطرا تحت الكلمات المفاتيح, لنفهم اللامقول:
صحيح البخاري:
وأشرف أبو سفيان فقال:
أفي القوم محمد؟ فقال: «لا تجيبوه».
فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟
فقال: «لا تجيبوه».
فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟
فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلوا كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدوَ الله، أبقى الله عليك ما يحزنك.فقال أبو سفيان: اُعلُ هبل.
فقال النبي : «أجيبوه».
قالوا: ما نقول؟
قال: «قولوا الله أعلى وأجل».
أظنّ أنّ الراوي أضاف من عنده أنّ عمر قام بنفي وفاة محمّد.
ابن كثير, البداية و النهاية:
فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ ثلاثا فنهاهم رسول الله أن يجيبوه.
ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة، أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب، أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، وقد كفيتموهم فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك.
الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور, السيوطي:
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: نادى مناد يوم أحد حين هزم أصحاب محمد: إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول فأنزل الله وما محمد إلا رسول ,الآية
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: فشا في الناس يوم أحد أن رسول الله قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلونكم قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء فشد بسيفه فقاتل حتى قتل فأنزل الله وما محمد إلا رسول الآية
انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم ؟ قالوا: قتل محمد رسول الله قال: فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله واستقبل القوم فقاتل حتى قتل
ابن كثير, البداية و النهاية:
وذكر قتادة أن رسول الله لمّا وقع لشقّه أغمى عليه، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح الدم عن وجهه فأفاق
وانطلق رسول الله يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه يرميه فقال: «أنا رسول الله» ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله ، وفرح رسول الله حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به.
عيون الأثر في المغازي و السير, ابن سيّد الناس:
[حين جاء أبو سفيان و قال أعل هبل, إلخ..] فلمّا أجاب عمر أبا سفيان, قال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمّدا؟
قال عمر: اللهمّ لا و إنّه يسمع كلامك الآن, قال [أبو سفيان] أنت أصدق عندي من ابن قمئة و قوله إنّي قتلت محمّدا.
الطبقات الكبرى, ابن سعد:
فكنت أنا أوّل من عرف النبي صلى الله عليه وسلم عرفت عينيه تحت المغفر فناديت بصوتي الأعلى هذا رسول الله فأشار إلي أن اسكت
إنّ إشارة محمّد لكعب بن ملك بالسكوت و عدم إفشاء أمر بقائه حيّا, و كذلك نهي النبيّ أصحابه أن يجيبوا أبا سفيان حين سألهم عن قتل محمّد, و تفرّق المسلمين و هربهم, كلّ هذا يدلّ على أنّ قريشا اعتقدت فعلا أنّ محمّدا قد قتل, و هذا هو السبب المنطقيّ الوحيد الذي يجعلها تنهي الحرب و تعود إلى مكّة.
يتبع.......
30
بعد انتهاء المعركة و خروج قريش متّجهين إلى المدينة, صلّى محمّد بالناس جالسا بسبب الجروح التي أصابته, و من الغد [و كان يوم أحد] أمر بكلّ من شارك في غزوة أحد أن يتجهّز ليسيروا على آثار قريش [يسيروا على آثارها و ليس يهاجمونها] , و خرج جيش المسلمين [600 شخص تقريبا] و اقتفوا آثار قريش حتّى وصلوا إليهم في منطقة تسمّى ’’حمراء الأسد’’
السبب؟
تقول السيرة أنّ قريش و هي عائدة في الطريق علمت أنّ محمّدا لم يقتل [و هذا يؤكّد طرحنا أعلاه]: ’’1’’ : بلغه أنّ أبا سفيان يريد أن يرجع بقريش إلى المدينة ليستأصلوا من بقي من أصحاب رسول الله، فقد بلغه أن المشركين قالوا له: لا محمدا قتلتم، ولا الكواكب أردفتم، بئس ما صنعتم ارجعوا.
أي وفي لفظ أنهم لما بلغوا بعض الطريق قدموا فقالوا بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم قبل أن يجدوا قوة وشوكة.
و ظلّ محمّد معسكرا بعيدا عن جيش قريش و قام بإشعال النيران في الليل في اماكن عديدة حتّى تحسب قريش أنّ هناك جيشا كبيرا للمسلمين جاء لمحاربتها, و بالمقابل ذهب شخص اسمه معبد بن أبي معبد الخزاعي,و كان مشركا لكنّه يميل إلى محمّد لأسباب ماليّة بفضل الغنائم, إلى أبي سفيان في المعسكر المقابل و ’’2’’ لمّا رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟
قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرَ مثله قط، يتحرّقون عليكم تحرّقا، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قطّ.
قال: ويلك ما تقول؟
قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل.
قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل شأفتهم.[أي كنّا ننوي أن نعود و نقضي عليهم]
قال: فإني أنهاك عن ذلك
و هكذا نجحت خدعة النبيّ و ظنّ أبو سفيان أنّ أهل المدينة خرجوا فعلا لمحاربتهم [نشير إلى أنّه لو كانت المدينة كلّها فعلا مسلمة لما وقف في طريق محمّد أحد] و زاد في تردّد جيش قريش أن رفض صفوان بن أميّة* العودة إلى المدينة و مواصلة القتال [ كان من أصحاب رؤوس الأموال, و ربّما لم يشأ تبذير الأموال دون فائدة لأنّ العودة ستكون لها تكاليفها و قنع بتلقين درس للمسلمين ظنّا أنّهم لن يتجرّؤوا على قطع الطرق بعد غزوة أحد]
و هكذا واصلت قريش طريقها إلى مكّة و عاد محمّد إلى المدينة.
زواج خامس:
و كان قد قتل عبد الله بن جحش في غزوة أحد, فتزوّج محمّد من أرملته زينب بنت خزيمة.
و سنتوقّف هنا و نفتح فصلا عن زيجات النبيّ و نقدّم خلاصة لها: ’’3’’
اسم (أم المؤمنين):خديجة بنت خويلد
المولد: 68 ق.هـ/ 554م
الزواج من النبي: 28 ق.هـ/ 594م
الوفاة: 3 ق.هـ/ 619م
عمرها عند زواج النبي بها: 40 سنة
عمرها عند وفاة النبي: توفيت قبله
المدة التي عاشتها مع النبي: 25 سنة منها عشرة بعد البعثة
عمرها عند الوفاة: 65 سنة
اسم (أم المؤمنين): سودة بنت زمعة
المولد: ؟
الزواج من النبي: 3 ق.هـ/ 619م
الوفاة: 54هـ/ 674م
عمرها عند زواج النبي بها: ؟
عمرها عند وفاة النبي: ؟
المدة التي عاشتها مع النبي: 14 سنة
عمرها عند الوفاة: ؟
اسم (أم المؤمنين): عائشة بنت أبي بكر
المولد: 7 ق.هـ/ 615م
الزواج من النبي: 1 ق.هـ/ 621م وبنى بها سنة 2هـ/ 624م
الوفاة: 58هـ/ 678م
عمرها عند زواج النبي بها: 6 عند العقد و9 عند البناء
عمرها عند وفاة النبي: 18 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 9 سنين
عمرها عند الوفاة: 65 سنة
اسم (أم المؤمنين): حفصة بنت عمر
المولد: 18 ق.هـ/ 604م
الزواج من النبي: 3هـ/ 625م
الوفاة: 45 هـ / 665 م
عمرها عند زواج النبي بها: 21 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 29 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 8 سنين
عمرها عند الوفاة: 63 سنة
اسم (أم المؤمنين): زينب بنت خزيمة
المولد: 26 ق.هـ/ 596م
الزواج من النبي: 3 هـ/ 625م
الوفاة: 4هـ/ 625م
عمرها عند زواج النبي بها: 29 سنة
عمرها عند وفاة النبي: توفّيت قبله
المدة التي عاشتها مع النبي: 8 أشهر و بعض الروايات تقول 3 أشهر
عمرها عند الوفاة: 30 سنة
اسم (أم المؤمنين): أمّ سلمة هند بنت أبي أميّة
المولد: 24 ق.هـ/ 598م
الزواج من النبي: 4هـ/ 626م
الوفاة: 61هـ/ 680م
عمرها عند زواج النبي بها: 28 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 35 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 7 سنين
عمرها عند الوفاة: 85 سنة
اسم (أم المؤمنين): زينب بنت جحش
المولد: 32 ق.هـ/ 590م
الزواج من النبي: 5هـ/ 627م
الوفاة: 21هـ/ 642م
عمرها عند زواج النبي بها: 37 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 43 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 6 سنوات
عمرها عند الوفاة: 53 سنة
اسم (أم المؤمنين): جويريّة بنت الحارث
المولد: 14 ق.هـ/ 608م
الزواج من النبي: 5هـ/ 628م
الوفاة: 56هـ/ 676م
عمرها عند زواج النبي بها: 19 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 25 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 6 سنين
عمرها عند الوفاة: 70 سنة
اسم (أم المؤمنين): صفيّة بنت حيي
المولد: 9 ق.هـ/ 613م
الزواج من النبي: 7هـ/ 628م
الوفاة: 50هـ/ 670م
عمرها عند زواج النبي بها: 16 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 20 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 4 سنوات
عمرها عند الوفاة: 59 سنة
اسم (أم المؤمنين): أمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان
المولد: 25 ق.هـ/ 596م
الزواج من النبي: 7هـ/ 628م
الوفاة: 44هـ/ 664م
عمرها عند زواج النبي بها: 32 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 36 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 4 سنوات
عمرها عند الوفاة: 69 سنة
اسم (أم المؤمنين): ميمونة بنت الحارث
المولد: 29 ق.هـ/ 593م
الزواج من النبي: 7هـ/ 629م
الوفاة: 51هـ/ 671م
عمرها عند زواج النبي بها: 36 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 40 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 4 سنوات
عمرها عند الوفاة: 80 سنة
لقد قمت بوضع تواريخ الزواج بالأحمر و نلاحظ أنّه تزوّج :
قبل الهجرة:2
بعد الهجرة:
2هجري= واحدة
3 هجري= 2
4 هجري= واحدة
5 هجري = 2
7 هجري = 3
بدأت الزيجات المتعدّدة من 3 هجري ثمّ توقّفت 7 هجري.
بدأت بحفصة [21 سنة] و انتهت بميمونة [36 سنة]
ماذا حدث في هذه الأربع سنوات؟ أترك الأمر للمتخصّصين في علم الجنس, مع ضرورة طرح كلّ المعطيات و المصالح و العلاقات القبليّة و السياسيّة و حتّى الجماليّة لأنّ الأمر - و حسب رأيي- أعقد من آراء أو انطباعات عابرة.
قد يقول قائل: إنّ النبيّ و ببساطة يحبّ النساء و النكاح, هذا كلّ ما في الأمر. و طبعا هذا الأمر واضح و جليّ و إنّما نودّ تفسير الأحداث بطريقة علميّة تحيط بكلّ الظروف و الدوافع.
نعود إلى الموضوع
يتبع.........
1-برهان الدين الحلبي /السيرة الحلبيّة/حمراء الأسد
2-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الرابع
* -كان غنيّا: كان إلى صفوان الأزلام في الجاهلية وكان سيد بني جمح وقال أبو عبيدة قالوا إن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية إلى أن صار له قنطار من الذهب / سير أعلام النبلاء/الحافظ الذهبي
3- د.راغب السرجاني
31
غزوة أحد كانت يوم سبت, و من الغد أي صبيحة يوم الأحد خرج النبيّ خلف قريش كما أسلفنا أعلاه.
و ابن هشام نقلا عن ابن اسحاق في السيرة يقول: كان يوم الأحد 16 من شوّال.
و ابن سعد في الطبقات يقول: كان يوم الأحد 8 شوّال.
و قد راجعت هذا التاريخ و وجدت أنّ ابن سعد محقّ فثمانية شوال لثلاثة من الهجرة يوافق يوم الأحد و هو 24 مارس/أذار سنة 625 ميلادي.
و قد قمت بمراجعة تواريخ ابن سعد فوجدت أنّها كلّها صحيحة إلاّ من بعض الأخطاء التي لا تكاد تذكر، و بالتالي فإنّنا سنعتمد على كلّ كتب السيرة في الأحداث, و على ابن سعد في التواريخ, لما يتميّز به من دقّة و يبدو أنّ مصادره أكثر وثوقا من مصادر ابن هشام رغم أنّه معاصر له.
إذن بعد أن عاد محمّد من غزوة حمراء الأسد و هي التي خرج فيها خلف قريش, سمع بعد ثلاثة أشهر أنّ طليحة بن خويلد *و أخاه سلمة بدؤوا يحرّضون بني أسد عليه فقام بإرسال أبي سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ و معه 150 شخصا و قال له: ’’1’’ ’’ سر حتى تنزل أرض بني أسد فأغر عليهم قبل أن تلاقي عليك جموعهم’’
* طليحة بن خويلد هو واحد ممّن ادّعوا النبوّة و قد تبعه أناس كثيرون من بني أسد و طيء و غطفان, و قد كان ممّن حاربهم أبو بكر الصدّيق أيّام الردّة, ثمّ أسلم فيما بعد, و لا علاقة له بخويلد أبي خديجة , و اسمه طليحة بن خويلد بن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن حجوان بن فقعس الأسدي ’’2’’
و بالمناسبة فإنّ من ادّعى النبوّة بعد محمّد كثيرون و نذكر منهم على سبيل المثال: ’’3’’
وقال الحافظ : فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة ، والأسود العنسي باليمن ، وفي خلافة أبي بكر : طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة ، وسجاح في بني تميم ، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، قتله وحشي قاتل حمزة يوم أحد ، وشاركه في قتل مسيلمة يوم اليمامة رجل من الأنصار ، وتاب طليحة ومات على الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه. ونقل أن سجاح تابت أيضًا. ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي وغلب على الكوفة في أول خلافة الزبير . وأظهر محبة أهل البيت ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين ، فتتبعهم فقتل كثيرًا ممن باشر ذلك ، وأعان عليه . فأحبه الناس ، ثم ادعى النبوة وزعم أن جبريلًا عليه السلام يأتيه . ومنهم الحرث الكذاب ، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل
و نلاحظ تعمّد كتّاب السيرة و التاريخ في التهكّم من هؤلاء الأنبياء الكذّابين حيث يقومون بتقويلهم أشياء غير منطقيّة أحيانا, نستشفّ من خلالها عدم مصداقيّة الرواية : ’’4’’ ومنهم مسيلمة، إدعى النبوة وتسمى رحمن اليمامة، لأنه كان يقول: الذي يأتيني رحمان. فآمن برسول الله وادعى أنه قد أشرك معه، فالعجب أنه يؤمن برسول ويقول إنه كذاب. ثم جاء بقرآن يضحك الناس، مثل قوله: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين. [لا يخفى علينا أنّه من غير المنطقيّ أن يقول مسيلمة هذا الكلام و هو الذي اتّبعه عشرات الآلاف, كما أنّ هذا كلام محدث و ليس جاهليّا, و الغاية منه طبعا واضحة و هي التقليل من شأنه و رفع القرآن] ومن العجائب :’’شاة سوداء تحلب لبنا أبيض’’.
فانهتك ستره في الفصاحة. ثم مسح بيده على رأس صبي فذهب شعره. وبصق في بئر فيبست.[لاحظوا كيف يزيدون بعض البهارات] وتزوج سجاح التي إدعت النبوة فقالوا: لا بد لها من مهر، فقال: مهرها أني قد أسقطت عنكم صلاة الفجر والعتمة.
وكانت سجاح هذه قد إدعت النبوة بعد موت رسول الله ، فاستجاب لها جماعة فقالت: أعدوا الركاب، وإستعدوا للنهاب، ثم أعبروا على الرباب، فليس دونهم حجاب، فقاتلوهم. ثم قصدت اليمامة فهابها مسيلمة فراسلها وأهدى لها فحضرت عنده فقالت: اقرأ علي ما يأتيك به جبريل. فقال: إنكن معشر النساء خلقتن أفواجا، وجعلتن لنا أزواجا، نولجه فيكن إيلاجا. فقالت: صدقت أنت نبي. فقال لها:
قومي إلى المخدع، فقد هيىء لك المضجع، فإن شئت مستلقاة، وإن شئت على أربع، وإن شئت بثلثيه، وإن شئت به أجمع، فقالت: بل به أجمع، فهو للشمل أجمع. فافتضحت عند العقلاء من أصحابها [!]
نغلق القوس إذن و نعود إلى الموضوع:
أرسل محمّد بعض أصحابه في سريّة إلى أرض بني أسد, و قد كانت غزوة ناجحة حيث تحصّلوا على قطعان من الغنم و الخرفان كانوا يسرحون في المنطقة [ يقال خاف الآخرون الذين يستعدّون لقتال محمّد, فهربوا!] و عاد أصحاب النبيّ بالغنيمة إلى المدينة.
ثمّ سمع محمّد-بعد خمسة أيّام- أنّ هناك شخصا آخر يقوم بجمع الجيوش اسمه سفيان بن خالد, فأرسل النبيّ هذه المرّة شخصا واحدا اسمه عبد الله بن أنيس ليقوم باغتيال هذا المتمرّد, و يقول ابن سعد: ’’5’’ ثم سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي بعرنة خرج من المدينة يوم الإثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله [و قد راجعت هذا التاريخ و هو صحيح فيوم 5 محرّم هو فعلا يوم اثنين, و يوافق 17 جوان/حزيران سنة 625 ميلادي] و لنستمع لعبد الله بن أنيس يروي لنا كيفيّة نجاحه في العمليّة : ’’5’’ فأخذت سيفي وخرجت أعتزي إلى خزاعة حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش ومن ضوى إليه [أي: من تبعه ] فعرفته(...) فقال من الرجل فقلت رجل من بني خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك قال أجل إني لأجمع له فمشيت معه ساعة وحدثته فاستحلى حديثي حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه, حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غاراً في الجبل وضربت العنكبوت عليّ [يبدو أنّ الموضة قديما كانت أنّ كلّ من يختبئ في غار يقوم العنكبوت بنسج خيوطه على الباب] وجاء الطلب فلم يجدوا شيئاً فانصرفوا راجعين ثم خرجت فكنت أسير الليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المسجد فلما رآني قال " أفلح الوجه " قلت أفلح وجهك يا رسول الله فوضعت رأسه بين يديه[أي رأس سفيان] وأخبرته خبري فدفع إلي عصا فقال " تخصر بهذه في الجنة " فكانت عنده.
القبض على جواسيس النبيّ:
و بعد شهر قام محمّد بإرسال عشرة أشخاص يتجسّسون على أخبار قريش و الأحوال في مكّة ’’6’’ و حينما وصلوا إلى منطقة تسمّى الرجيع [ هو موضع بين عسفان و مكّة, (ياقوت الحموي/معجم البلدان/حرف الراء) ] سمعت بهم قبيلة هذيل فخرجت خلفهم بمائة رام [أي المختصّين في رمي النبال] و أحاطوا بهم من كلّ جانب, و طلبوا منهم الإستسلام حيث يريدون بيعهم لقريش, فاستسلم ثلاثة و قاتل البقيّة فقتلوا, فحملوهم إلى مكّة لكنّ احد الأسرى ثار في الطريق فقتلوه و لم يبيعوا إلاّ إثنين إلى قريش و هما : خبيب و زيد.
أمّا خبيب فقد اشتراه أبو إهاب التميميّ و قتله لثأر بينه و بين حلفائه.
و زيد اشتراه صفوان بن أميّة و انتظر انتهاء الأشهر الحرام ثمّ أخرجوه في مكّة و علّقوه على صليب خشبيّ لصلبه و تمّ طعنه بحربة و هو مصلوب فمات.
يتبع................
1-عيون الأثر في المغازي و السير/ابن سيّد الناس/سريّة أبي سلمى
و راجع ابن هشام في السيرة
و ابن سعد في الطبقات
2-الإصابة في تمييز الصحابة/الجزء الثالث/حرف الطاء
3-فتح المجيد/ القسم الثالث
4-صيد الخاطر/ابن الجوزيّ/فصل فيمن ادّعوا النبوّة
5-عيون الأثر في المغازي و السير/صفحة المصدر السابق
6-المصدر السابق
و راجع البخاري/كتاب المغازي
و كلّ كتب السيرة, إلاّ سيرة ابن هشام ينقل عن ابن إسحاق قوله أنّهم ذهبوا لتعليم الإسلام لعضل و القارة
32
و في الشهر نفسه [أي شهر صفر سنة 4 من الهجرة] جاء سيّد من بني عامر اسمه ’’أبو براء عامر بن مالك’’ إلى المدينة فدعاه محمّد إلى الإسلام فرفض و لكنّه بالمقابل طلب من محمّد أن يرسل بعض المسلمين إلى قبيلته ’’بني عامر’’ ليعرضوا عليهم الإسلام, فوافق محمّد و أرسل سبعين رجلا يسمّون ’’القرّاء’’ ’’1’’ حيث كانوا يتدارسون القرآن في الليل و يعملون بالنهار.
و لنا أن نتساءل عن هذا العدد الكبير: سبعون رجلا؟
ألا تكون النيّة موجّهة لغزوة تحت غطاء أنّهم جاؤوا للدعوة و حين تحين الفرصة يهجمون؟
على كلّ حال و مهما كانت نيّة محمّد و أصحابه فقد جرت الرياح بما لا تشتهي السفن, حيث أنّ هؤلاء ’’القرّاء’’ و حين وصلوا إلى مكان بين بني عامر و بني سليم, اسمه بئر معونة, أرسلوا رسالة النبيّ إلى ’’عامر بن الطفيل’’ [ و هو ابن أخ أبي براء الذي جاء إلى محمّد] فقام عامر هذا بقتل صاحب الرسالة و اسمه حرام بن ملحان [هو خال أنس بن مالك] ثمّ استصرخ بني عامر ليهاجموهم فرفضوا لأنّ سيّدهم أبا براء أعطى الأمان للمسلمين, فاستصرخ قبائل من بني سليم فساندوه و حاصروا هؤلاء القرّاء و قتلوهم عن آخرهم إلاّ شخص واحد و اسمه ’’عمرو بن أميّة’’[من مضر] أطلق سراحه ’’عامر بن الطفيل’’ بسبب ديّة كانت على أمّه في مضر.
و حين كان ’’عمرو بن أميّة’’ عائدا إلى المدينة وجد شخصين, فسألهما عن أصلهما فقالا أنّهما من بني عامر, فانتظر حتّى ناما ثمّ قتلهما و فرّ.
و قد كان يعتقد أنّ بني عامر هم من قتلوا ’’القرّاء’’ فأخذ بثأرهم من العامريين الذين وجدهم في الطريق [ لكنّ بني عامر لم تشارك بل كانت قبائل من بني سليم و عصيّة ورعل و ذكوان]
هذه الرواية معقّدة بعض الشيء و حاولت تبسيطها للقارئ قدر المستطاع.
إذن عاد عمرو بن أميّة إلى المدينة و أخبر النبيّ بكلّ ما حدث فقال محمّد: ’’ هذا عمل أبي براء [أي هذا رأي أبي براء الخاطئ]قد كنت لهذا كارهاً متخوفاً ’’ ’’2’’
و بالمقابل قام بلوم عمرو على قتل الرجلين لأنّهما من بني عامر و كان محمّدا في صلح معهم, و بالتالي كانت خسارة النبيّ خسارتين:
1-موت القرّاء* [ و قد قنت النبيّ شهرا يدعو على قبائل رعل و عصيّة و ذكوان ’’3’’ ]
2-ضرورة دفع الديّة لأهل القتيلين.
لقد قمت بإيراد هذه الحكاية لأنّها كانت سببا في إجلاء بني النضير.و كان ذلك في شهر ربيع الأوّل/أوت 625 ميلادي.
حيث ذهب النبيّ:’’4’’ يوم السبت فصلى في مسجد قباء ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم أتى بني النضير فكلمهم أن يعينوه في دية الكلابين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري فقالوا نفعل يا أبا القاسم ما أحببت وخلا بعضهم ببعض ’’
و بعد أن طلب النبيّ أن يدفعوا معه ديّة هذين القتيلين وافقه أشراف بنو النضير ثمّ اجتمعوا و خرج محمّد من حجرة الإجتماع ينتظرهم خارجا.
و فيما محمّد بصدد الإنتظار قام مسرعا كأنّه سيذهب لقضاء حاجة [أي بلغة عصرنا كأنّه ذاهب لدورة المياه] و عاد سريعا إلى المدينة, و دخل إلى بيته, و حين افتقده أصحابه ذهبوا خلفه و وجدوه في المدينة و سألوه عن سبب ذهابه دون أن يخبرهم. فقال فيما معناه أنّ الله أخبره أنّ يهود بني النضير تنوي الغدر لذلك عاد مسرعا.
نفتح قوسا:
أعتقد أنّ محمّدا كان صادقا حين فكّر في غدر بني النضير, وأعني بكلمة ’’صادق’’ أنّه بينما كان في الإنتظار خارج الإجتماع أحاطت به الهواجس و الشكوك و ربّما بدأ يضع الإحتمالات فيما يمكنهم فعله و أخيرا قرّ قراره أنّهم سيخونونه و استحوذت عليه الفكرة حتّى أنّه قام مسرعا و عاد إلى المدينة دون حتّى أن يخبر أصحابه. و أرجّح أنّ الدافع لهذه الشكوك هو أنّهم لم يعارضوه حين طلب منهم المساهمة في ديّة القتيلين و وافقوا بسرعة فظنّ أنّهم يعدّون لخدعة, لكنّنا سنرى أنّهم فعلا يخافون من النبيّ و ما وافقوا إلاّ بسبب الخوف.
و ربّما كانوا ينوون فعلا الغدر به و استطاع محمّد بفضل قدرته على قراءة النفوس أن يشعر بهذا الأمر.
و هناك احتمال أن يكون سمع حركة ما خلف الجدار [حيث تقول الرواية أنّ أحدهم حمل صخرة ليلقيها على النبيّ و هو جالس ينتظر تحت الجدار و معه أبو بكر و عمر و عليّ و غيرهم] و يبدو أنّ النبيّ كان جالسا بينما كانت كلّ حواسه تراقب المكان بتركيز شديد, فشعر بالخدعة.هذا إن صحّت رواية إلقاء الصخرة.
نغلق القوس.
إذن بعد أن عاد محمّد إلى المدينة قام بإرسال محمّد بن مسلمة إلى بني النضير قائلا:’’ اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشرا فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه ’’ 5’’
و مباشرة وافق بنو النضير!
موافقتهم السريعة هذه تشير إلى أنّهم كانوا يخشون النبيّ فعلا و أنّه يعني ما يقول [ و لهم في بني قينقاع و اغتيال كعب بن الأشرف عبرة حسنة] و بدؤوا يتجهّزون للرحيل حتّى أنّهم اكتروا بعض الإبل بسبب كثرة أمتعتهم, و لكن عبد الله بن أبي سلول تدخّل في الأمر و قال لهم: ’’لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان ’’ ’’6’’
و هكذا تراجع بنو النضير عن الرحيل و أرسلوا إلى محمّد قائلين: ’’إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك’’ ’’7’’
فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير وكبر المسلمون لتكبيره وقال حاربت يهود فصار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه فصلى العصر بفضاء بني النضير وعلي رضي الله تعالى عنه يحمل رايته فجاء النبيّ و حاصرهم, و لم تتدخّل بنو قريظة و لا غطفان و لا أبو سلول نفسه [من الغريب أنّ أراء أبا سلول تصبّ دائما في صالح النبيّ و كأنّهما متّفقان على هذه الخدعة, و لولا أنّه تراجع عن القتال يوم أحد و ترك النبيّ يقاتل وحده لقلنا أنّه يلعب دور المعارضة عمدا باتّفاق بينه و بين محمّد]
و دام الحصار 15 يوما و قام النبيّ بإحراق النخيل المحيط بهم فقالوا له:’’يا محمد ، قد كنت تنهي عن الفساد ، وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخيل وتحريقها ؟ ’’ ’’8’’
فنزل القرآن يشرّع العمليّة, يقول ابن هشام: . (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ). واللينة : ما خالف العجوة من النخل (فبإذن الله ) : أي فبأمر الله قطعت ، لم يكن فسادا ، ولكن كان نقمة من الله ( وليخزي الفاسقين ) . ’’9’’
و استسلمت بنو النضير فزاد النبيّ في شروطه فأمرهم أن يرحلوا و يحملوا معهم على الإبل ما شاؤوا إلاّ الأسلحة, فخرج بنو النضير و قصدو خيبر.[ لا يهمّ النبيّ أمر أمتعتهم لأنّ أهمّ شيء عندهم تركوه و هو الأراضي الكثيرة]
فتقاسم النبيّ الأراضي و وزّعها على أصحابه: ’’10’’ فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمس عشرة ليلة ثم صالحوه على أن يخرجوا من بلده ولهم ماحملت الإبل إلا الحلقة والآلة [أي إلاّ السلاح] ولرسول الله صلى الله عليه وسلم أرضهم ونخلهم والحلقة وسائر السلاح والحلقة الدروع.
فكانت أموال بني النضير خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يزرع تحت النخل في أرضهم فيدخل من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة [أصبح النبيّ يقتات من مدخول أراضي بني النضير]ومافضل جعله في الكراع والسلاح.
وأقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أرض بني النضير أبا بكر وعبد الرحمن بن عوف وأبا دجانة سماك بن خرشة الساعدي وغيرهم.
يتبع...........................
1-البخاري يقول كانوا سبعين رجلا, راجع صحيحه/كتاب المغازي
و كذلك ابن سعد في الطبقات/الجزء الثاني
و كذلك ابن سيّد الناس في عيون الأثر و غيره
لكنّ بعض الروايات تقول كانوا ثلاثين فقط و أخرى تقول كانوا أربعين.
2-المصادر السابقة
3-صحيح البخاري/كتاب المغازي
* يقول ابن سعد في الطبقات و ابن الأثير في الكامل في التاريخ :ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى ما وجد على قتلى بئر معونة فأنزل الله فيهم قرآنا حتى نسخ بعد بلغوا قومنا عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه و يقول الحلبي في السيرة الحلبيّة أنّهم كانوا يقرؤون [هذه الآية] في القرآن زمنا ثمّ أُنسيتْ
و يقوا ابن سيّد الناس في عيون الأثر: قال أنس أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه ثم نسخ بعد " أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه "
4-الطبقات الكبرى/ابن سعد/الجزء الثاني
و راجع كلّ كتب السيرة و صحيح البخاري في المغازي
5-المصدر السابق
6-المصدر السابق
7-المصدر السابق
8-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
9-المصدر السابق
و قال الطبري-فيما قال-: وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَجْل أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَطَعَ نَخْل بَنِي النَّضِير وَحَرَقَهَا , قَالَتْ بَنُو النَّضِير لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّك كُنْت تَنْهَى عَنْ الْفَسَاد وَتَعِيبهُ , فَمَا بَالك تَقْطَع نَخْلنَا وَتُحْرِقهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَا قَطَعَ مِنْ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَرَكَ , فَعَنْ أَمْر اللَّه فَعَلَ /تفسير الطبري-سورة الحشر-آية 5
10-البلاذري/فتوح البلدان/الجزء الأوّل
33
بعد غزوة بني النضير و إجلائهم و ’’تأميم’’ أراضيهم سنذكر و على عجالة الأحداث التي حدثت في تلك السنة:
التاريخ 4 هجري و هو ما يوافق 625-626 ميلادي
غزوة ذات الرقاع, لم تحدث فيها حرب و عاد المسلمون إلى المدينة.
ولادة الحسين بن عليّ و امّه فاطمة بنت النبيّ
وفاة عبد الله بن عثمان بن عفّان و هو ابن ستّ سنين و امّه رقيّة بنت النبيّ
زواج النبيّ من زينب بنت خزيمة و توفّيت بعد ثلاثة أو ثمانية شهور
زواج النبيّ مرّة أخرى من أمّ سلمة بنت أبي أميّة, و قد رفضت مرارا عرض النبيّ قبل ذلك بحجّة أنّها امرأة شديدة الغيرة [ أي لا تقبل أن يتزوّج النبيّ بغيرها في حياتها, و لأنّ لها أطفالا عديدين] و في الأخير وافقت و تزوّجت
غزوة بدر, لم تحدث فيها حرب و قام المسلمون بالمشاركة في سوق بدر بينما لم تشارك فيه قريش
النبيّ يطلب من زيد بن ثابت أن يتعلّم التوراة أو السريانيّة أو العبريّة [حسب الروايات]
هذا على عجالة أهمّ الأحداث التي وقعت في تلك السنة.
و في شهر ربيع الأوّل سنة 5 هجري/أوت-آب 626 ميلادي, بلغ النبيّ أنّ هناك من يجمع الرجال في دومة الجندل فـ’’1’’ خرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول في ألف من المسلمين فكان يسير الليل ويكمن النهار[أي يسير في الليل و يستريح في النهار] ومعه دليل له من بني عذرة يقال له مذكور فلما دنا منهم إذا هم مغربون وإذا آثار النعم والشاء فهجم على ماشيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد بها أحدا فأقام بها أياما وبث السرايا وفرقها فرجعت ولم تصب منهم أحدا [على الأقلّ أصاب النعم و الماشية]
و بعد أربعة شهور - و كالعادة - سمع النبيّ أنّ هناك من يجمع الرجال ضدّه من بني المصطلق, فأعدّ جيشا [ فيه 30 فرسا] و خرج لقتالهم ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم إنسان وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد ’’2’’
و كانت غنيمة كبيرة: ’’3’’
الإبل: ألفا بعير
الشاء: خمسة آلاف شاء
وأمر بالأسارى فكتّفوا (..) وأمر بالغنائم فجمعت (...) وجمع الذرية ناحية [ أي جمعهم في مكان معيّن] (...) واقتسم السبي وفرّق وصار في أيدي الرجال وقسم النعم والشاء فعدلت الجزور بعشر من الغنم وبيعت الرثة في من يزيد وأسهم للفرس سهمان ولصاحبه سهم وللراجل سهم ’’4’’
و طبعا بدؤوا في اقتسام السبايا من النساء [ هؤلاء النساء هنّ عربيّات من قبائل عربيّة مثلهم, و ربّما على هذا القياس قال الإمام الشافعي أنّه يجوز استرقاق العرب] و كانت من بين السبايا جويريّة بنت الحارث [ابنة سيّد القبيلة] فوقع سهمها مع ثابت بن قيس, و لنستمع لعائشة تروي لنا الحكاية: ’’5’’ قالت : لمّا قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق ، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس ، أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسها ، [ أي أرادت فداء نفسها ] وكانت امرأة حلوة مُلاّحة ، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها ؛[ جاءت للنبيّ تطلب منه أن يساعدها, هل حقّا جاءت لأجل ذلك أم أنّها سمعت عن حبّ النبيّ للنساء و أنّه لن يصمد طويلا أمام جمالها و بالتالي رأت أن تفوز بسيّد القوم و هي ابنة سيّد القبيلة؟ ] قالت عائشة : فوالله ما هو إلا ان رأيتها على باب حجرتي فكرهتها ، وعرفت أنه سيرى منها صلى الله عليه وسلم ما رأيت ، [عائشة ما أن رأتها حتّى علمت أنّ النبيّ سيتزوّجها مباشرة, و المرأة أعلم الناس بزوجها ] فدخلت عليه ، فقالت : يا رسول الله ، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ، سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء ، ما لم يخف عليك ، فوقعتُ في السهم لثابت بن قيس بن الشماس ، أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسي ، فجئتك أستعينك على كتابتي ؛ قال : فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول الله ؟ [ أظنّها فهمت الأمر مباشرة في عينيه و هل تخفى عليها نظرة الشوق؟ و لكنّها تتعمّد عدم الفهم] قال : أقضي عنك كتابتك و أتزوجك ؛ قالت : نعم يا رسول الله ؛ قال : قد فعلت. [ قال النبيّ قد فعلت دون حتّى أن يأخذ رأي ثابت بن قيس, و هذا مفهوم فجمال المرأة أقوى من أن يدخل محمّد في مفوضات مع شخص من جنده , و بعض الروايات تقول أنّه اخذ رأيه لكنّ الإتّفاق على كلّ حال منذ البداية لم يكن بعلمه]
و تروي بعض الأخبار أنّ النبيّ أعتق جويريّة ثمّ تزوّجها: ’’6’’ زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي قال أعتق رسول الله جويرية واستنكحها وجعل صداقها عتق كل مملوك من بني المصطلق وكانت من ملك اليمين فأعتقها وتزوجها قال ابن سعد وغيره بنو المصطلق من خزاعة وكان زوجها قبل أن يسلم ابن عمها ( مسافع بن ) صفوان ابن أبي الشفر وقد قدم أبوها الحارث على النبي فأسلم وعن جويرية قالت تزوجني رسول الله وأنا بنت عشرين سنة
و إنّي أتساءل عن هذا التناقض؟
فمن ناحية يقولون هي ابنة سيّد القوم, و من ناحية يقولون مملوكة!
و الظاهر أنّ الذي دفعهم لقول ذلك- أو بالأحرى تبريره- هو أنّها كانت متزوّجة من ابن عمّها [ أي أنّ النبيّ سبى امرأة حرّة] و لكنّهم جعلوها فقط ملك يمين ابن عمّها فقط, فهل يقبل أبوها أن تكون ابنته ملك يمين و هو سيّد القبيلة؟
و قرّر الجيش العودة إلى المدينة,و في الطريق توقّفوا ليرتاحوا قليلا [و ربّما باتوا ليلتهم هناك] و قبل أن يرحلوا ذهبت عائشة إلى الخلاء لقضاء حاجة [ أي إلى الحمّام ] و حين عادت لم تجد عقدها, فرجعت تبحث عنه [ تقول: (و في عنقي عقد لي, فيه جزع ظفار) و الجزع هو الخرز, و ظفار هو مكان في اليمن , أيّ أن عقدها من خرز يمانيّ, فما قيمة هذا العقد أصلا الذي عادت تبحث عنه؟ و لكن ربّما هو حكم السنّ, فعمرها يكون 12 سنة في هذه الحادثة ] و أثناء بحثها حملوا هودجها و وضعوه على الناقة دون أن يشكّوا في شيء و رحل الجيش.
و بعد أن وصل الجيش إلى المدينة, وتفرّقوا, و جاء وقت الظهيرة, إذ بصفوان بن المعطّل يدخلها و معه عائشة راكبة على ناقة له يقودها.’’7’’
SCANDALO!
و بدأ الناس يتكلّمون و انتهزها عبد الله بن أبيّ بن سلول فرصة و كيف لزوجة رسول أن تبقى في الخلاء مع رجل غريب, و محمّد لا يدري ماذا يفعل فذهب إلى عائشة التي تروي لنا : ’’8’’ ثم دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندي أبواي ، وعندي امرأة من الأنصار ، وأنا أبكي ، وهي تبكي معي ، فجلس ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : يا عائشة ، إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس ، فاتقي الله ، وإن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ؛[ يعني إن كنت فعلت شيئا فاعترفي فإنّ الله يقبل التوبة] قالت : فوالله ما هو إلا أن قال لي ذلك ، فقلص دمعي ، حتى ما أحس منه شيئا ، وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يتكلما ،[أبو بكر لا يستطيع أن يقول شيئا ] قالت : وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي ، وأصغر شأنا من أن ينزل الله فيّ قرآنا يُقرأ به في المساجد ، ويُصلى به ، ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه شيئا يكذب به الله عني [طبعا عائشة أنكرت تماما أن يكون حدث شيء ]
و النبيّ يكاد يأكله الشكّ, فخرج و استشار عليّ بن أبي طالب و أسامة بن زيد, فأمّا أسامة فنفى أن تكون عائشة فعلت شيئا, بينما عليّ قال له : ’’9’’ يا رسول الله ، إن النساء لكثير ، وإنك لقادر على أن تستخلف ، وسل الجارية ، فإنها ستصدقك . [ أيّ أنّ عليّا طلب من النبيّ أن يطلّق عائشة, و هذه الجملة التي قالها عليّ ستكون لها آثار وخيمة بعد ستّة و عشرين عاما في معركة الجمل و يموت فيها كثير من المسلمين و لن تنسى عائشة أبدا ما قاله عليّ ] ثمّ أشار عليّ أن يستجوبوا الجارية ’’بريرة’’ فـ ’’10’’ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بُريرة ليسألها ؛ قالت : فقام إليها علي بن أبي طالب ، فضربها ضربا شديدا ، ويقول : اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قالت : فتقول والله ما أعلم إلا خيرا ، وما كنت أعيب على عائشة شيئا
و لكن يجب على النبيّ أن يُسكت هذه الإشاعات التي تنتشر في المدينة [ و ربّما تستنقص من نبوّته ] فجمع الناس في المسجد و خطب فيهم: ’’11’’ أيها الناس ، ما بال رجال يؤذونني في أهلي ، ويقولون عليهم غير الحق ، والله ما علمت منهم إلا خيرا ، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا ، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي فالنبيّ و رغم شكوكه فهو يحاول لملمة الأمر أمام الناس و يبدو كأنّه متأكّد من براءة عائشة [ بينما الأمور في قرارة نفسه تختلف ] و ما أن أنهى خطبته حتّى قام رجل من الأوس و قال : ’’12’’ فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة ، قال أسيد بن حضير : يا رسول الله ، إن يكونوا من الأوس نكفكهم ،[أي إن كان ناشرو الإشاعات من الأوس فسنتكفّل بهم ] وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج ، فمرنا بأمرك ، فوالله إنهم لأهل أن تُضرب أعناقهم ؛[ و إن كانوا من الخزرج فأمرنا و سنضرب أعناقهم ] قالت : فقام سعد بن عبادة ، [ هو من الخزرج ] وكان قبل ذلك يُرى رجلا صالحا ؛ فقال : كذبت لعمر الله ، لا نضرب أعناقهم ، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا ،[ أي أنّك قلت هذا لأنّك تعرف أنّ ناشري الإشاعات هم رجال من الخزرج] فقال أسيد : كذبت لعمر الله ، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين ؛ قالت : وتساور الناس ، حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر [و أصبحت المسألة قضيّة أمن دولة, و بدأت بوادر الشقاق تنتشر]
فتركهم النبيّ و عاد إلى عائشة مرّة أخرى و طلب منها أن تعترف [ و لنا أن نتصوّر حالته النفسيّة ] لكنّها أنكرت جملة و تفصيلا و قالت فيما معناه أنّها حين بقيت لوحدها في الخلاء مرّ بها صفوان و عرف أنّها زوجة النبيّ [ لم تكن متحجّبة و ذلك قبل نزول الحجاب] فسألها فلم تجبه [ لاحظوا أنّها حتّى تنفي أن تكون كلّمته أصلا, و هذا غير صحيح و لكنّها بدافع الخوف تريد أن تنفي أيّ شيء يمكن أن يتمّ تأويله ] فأدار وجهه حتّى ركبت على ناقته ثمّ عاد بها إلى المدينة.
و السؤال هل يمكن ان تكون عائشة قد خانت فعلا؟
هل تكون قد غارت من جويريّة التي تزوّجها النبيّ, مع العلم أنّ الجيش توقّف و بات قبل الوصول إلى المدينة و ربّما دخل النبيّ بجويريّة في تلك الليلة, بينما بقيت عائشة في هودجها وحيدة؟
لكن هل تقدر فعلا -و كذلك صفوان- على أمر كهذا و هما يعرفان أنّ النبيّ لا يتساهل في هذه الأمور؟
أميل إلى أنّ الرواية التي روتها عائشة صحيحة و أنّه لم يحدث شيء, و ربّما و بخبرة النبيّ و ترجيحه للإحتمالات رأى أنّها بريئة,مع وجود طبعا احتمال ألاّ تكون كذلك, و فجأة بدأ العرق يتصبّب على وجهه فألقوا عليه رداء [ كان كلّما نزل عليه الوحي قاموا بتغطيته] و وضعوا تحت رأسه وسادة, و هم ينتظرون ماذا سيأتي به الوحي و الناس في ترقّب شديد.
ثمّ أفاق النبيّ مبتسما و أعلن براءة عائشة و ذلك بتدخّل الله شخصيّا في هذه المسألة: ’’13’’
إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ 11
لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ 12
لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ 13
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 14
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ 15
وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ 16
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 17
و طبعا لكي يكفّ الناس عن نشر الإشاعات لا بدّ من نهي إلهيّ مباشر, : ’’ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين’’ و بالتالي فمن سيواصل الكلام في هذا الأمر فهو سيعصي الله و ليس فقط النبيّ, و عقابه معروف.
ثمّ أمر النبيّ بجلد حسّان بن ثابت و مسطح بن أثاثة و حمنة بنت جحش [ تمّ تطبيق حدّ قذف المحصنات عليهم لأنّهم كانوا ممّن تكلّم في عائشة] ’’ فلما أنزلت براءتها جلدهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانين جلدة إلا عبد الله بن أبي بن سلول فإنه لم يجلده ’’ ’’14’’ و نلاحظ أنّه لم يطبّق الحدّ على عبد الله بن أبيّ بن سلول و يبدو أنّه كان لا يزال في منعة في قومه و له كلمته التي يقولها, و هو الوحيد في المدينة الذي يستطيع معارضة النبيّ جهارا, و لنا أن نتساءل لماذا لم يقم النبيّ باغتياله؟
يتبع........
1-الطبقات الكبرى/ابن سعد/الجزء الثاني
و كذلك كلّ كتب السيرة
البخاري يقول في التاريخ الكبير: بعد ’’حدّثني’’ و ’’عن’’ أن النبي أغار على بني المصطلق وهم غارون في أنعامهم تسقى على الماء فقتل المقاتلة وسبى الذرية وسبى جويرية بنت الحارث حدثني بذلك عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش أي أنّ النبيّ أغار عليهم و هم غافلون و ليسوا مستعدّين للحرب, و قد رجّح ابن سعد الرواية التي أوردتها أعلاه, و رغم أنّي أوردتها فإنّي أميل لقول البخاري و قوله أنّهم كانوا غافلين و الدليل هو كثرة الغنائم و السبي في هذه الغزوة ممّا يوحي بانّهم لم يكونوا مستعدّين فعلا.
2-المصدر السابق
3-المصدر السابق
4-المصدر السابق
5-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
6-سير أعلام النبلاء/الحافظ الذهبيّ/ باب جويرية
7-ابن هشام/الجزء الرابع
و راجع صحيح البخاري
8-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
9-المصدر السابق
10-المصدر السابق
11-المصدر السابق
12-المصدر السابق
13-سورة النور/11-17
14-التنبيه و الإشراف/المسعودي /7-15
نواصل مع الإغتيالات:
أبو رافع اليهوديّ:
و أرسل محمّد ’’كومندوس’’ آخر بقيادة عبد الله بن عتيك لاغتيال أبا رافع و لنستمع للبخاري: ’’1’’بعث رسول الله إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار، فأمّر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه، وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه، أجلسوا مكانكم، فإني منطلق، ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله: إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت،[أي دخلت إلى الحصن و اختفيت في مكان ما] فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على وتد، [أي أنّ البوّاب أغلق باب الحصن]قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه،[أي أنّ أبا رافع كان ساهرا مع أصحابه و حين انتهى من السمر و خرج أصحابه صعد عبد الله إليه] فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت عليّ من الداخل، قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش،[دهش أي لا أرى شيئا بسبب الظلمة] فما أغنيت شيئا، [أي أنّي أخطأته بالسيف فلم أصبه] وصاح، فخرجتُ من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟[غيّر صوته و قال له لماذا تصرخ] فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله،[أي سقط بها أبو رافع على الأرض] ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشا [أي لا أرى شيئا بسبب الظلمة]فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا، حتى أنتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي، وأنا أرى أني قد أنتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة،[أي سقط على الأرض أثناء هروبه فانكسرت ساقه] ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم: أقتلته؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعى أبا رافع تاجر الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاء، فقد قتل أبا رافع، فانتهيت إلى النبي فحدثته، فقال: (ابسط رجلك). فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط.
هذه الإغتيالات كانت قد وقعت في أوقات متفرّقة و لكنّي جمعتها لنقرأ هذا التحوّل في الشخصيّة المحمّديّة منذ غزوة نخلة, فمحمّد سوف يظلّ هو هو و حتّى وفاته لا يتغيّر, يكون كريما و طيّبا و صادقا في مواطن - كما سنرى - و يكون صارما و عنيفا و يقتل بدم بارد حتّى النساء في مواطن أخرى, أو بالأحرى يأمر أتباعه بفعل القتل, لأنّ محمّدا لم يقتل بيده إلاّ شخصين فقط طيلة حياته و هذان الشخصان هما: أبيّ بن خلف حيث طعنه محمّد بحربة يوم أحد, و أبا عزّة قطع محمّد عنقه يوم أحد أيضا ’’2’’ , قلت إذن هذان القطبان أو المحوران في الشخصيّة المحمّديّة سيلازمانه حتّى وفاته.
و هذا التوجّه الثنائي [ القسوة و اللين] كان له دور كبير في التحاق العديد معه و اتّباعه, طبعا بغضّ النظر عن رغبتهم في الغنائم أيضا, فالقسوة أو الإرهاب أو الإغتيالات تبثّ الرعب في قلوب المعارضة بينما الطيبة و اللين تدعّم أواصر العلاقات بينه و بين أتباعه, و نرى أنّ القرآن يعبّر عنها بطريقة دقيقة و واضحة:’’ محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم ’’3’’
لقد قام محمّد بوضع مفاهيم جديدة للأخلاق, فليست العادة أو المعروف هما الذان ينظّمان العلاقات الإجتماعيّة [ معنى ’’المعروف’’ هو ما تعارف الناس عليه و عكسه ’’المنكر’’ و هو ما أنكره الناس لعدم معرفتهم به] بل كلّ ما لا يصبّ في توجّهه الإيديولوجيّ هو منكر.
لم يعد التكاتف القبلي أو رابطة الدم أساسيّين في المعاملات الأخلاقيّة بل صارت هذه الفكرة الإيديولوجيّة[الإسلام] مهيمنة عليهما, و ربّما هذا ممّا يحسب لمحمّد- من وجهة نظر معيّنة-.
و لو أردنا أن نقسّم الأخلاق [المعروف] إلى بنيتين, في مجتمع ما, لأجاز لنا أن نقول:
الفكرة الأخلاقيّة أو النظريّة هي البنية الفوقيّة.
المعاملات الأخلاقيّة أو التطبيق هي البنية التحتيّة.
و محمّد غيّر البنية الفوقيّة في مجتمعه و لكنّه بالمقابل حافظ على البنية التحتيّة, و أضرب مثلا: حدّ السرقة.
فقطع يد السارق [أي التطبيق] ليس جديدا على قريش, فمثلا ’’4’’
مدرك بن عوف بن عبيد بن عمر بن مخزوم سرق في الجاهلية مراراً فقطعت قريش يده ثم عاد فسرق فرجموه حتى مات
والخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف سرق في الجاهلية فقطعت يده
ومليح بن شريح بن الحارث بن السباق بن عبد الدار قطعت يده في أمر غزال الكعبة
ومقيس بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم قطعت يده في أمر الغزال
وعبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم قطعت يده في الجاهلية في سرقة إبل
ووابصة بن خالد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
و كذلك من حرّم السكر و الخمر و الأزلام في الجاهليّة: ’’5’’
عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان يتحنف بحراء
وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى
وأبو أمية بن المغيرة والحارث بن عبيد المخزوميان
وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى العدوي وكان يتحنف بحراء ولا يأكل ما ذبح للأصنام
وعامر بن حذيم الجمحي
وعبد الله بن جدعان التيمي
ومقيس بن قيس بن عدي السهمي
وعثمان بن عفان - رضي الله عنه - بن أبي العاص بن أمية
والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وضرب فيها هشام ابنه
فحمّد حافظ على الكثير من الحدود أو التطبيقات أو الشرائع في الجاهليّة [كالحجّ مثلا] و بالمقابل غيّر المفهوم الأخلاقيّ في منحاه النظري.
بعد غزوة بدر:
محمّد هو المنتصر على قريش, و لا يشكّ لحظة واحدة في أنّ الله معه و أنّه يحميه و متيقّن أنّه لولا عناية الله لما استطاع الإنتصار, فمن ذا سيستطيع الوقوف في طريقه لنشر رسالته -حسب إيديولوجيّته طبعا- حتّى أنّ الملائكة نزلت تحارب معه في بدر بقيادة جبريل.
و بعد عودته من غزوة بدر وجد أنّ ابنته رقيّة قد توفّيت و قام زوجها عثمان بن عفّان بدفنها, و لكن في السنة التي تفصل غزوة بدر عن غزوة أحد ,ابتسمت الحياة للنبيّ و أقبلت نحوه, و زاد أن استولى زيد بن حارثة على قافلة لقريش [ذكرناها أعلاه, و بعض الروايات تقول أنّ القيمة الإجماليّة للقافلة كانت 100 ألف درهم] فتزوّج من حفصة بنت عمر , و زوّج ابنته فاطمة لعليّ, [ لاحظوا أنّه لم يتزوّج إلى الآن إلاّ من أرملتين كبيرتين في السنّ و طفلة صغيرة] لكن بعد زواجه من حفصة [التي توفّي زوجها خنيس بن حذافة] ستأخذ حياته الجنسيّة منعرجا آخر, فسيكثر من الزواج بالنساء و يتجاوز الرقم المحدّد في القرآن [ أربع نساء] و سيتّخذ الإماء و السراري. و هذا المنعرج الجنسيّ يستحقّ لوحده دراسة معمّقة و دقيقة للبحث عن أسبابه و دوافعه.
و قد بدأ محمّد يضيق باليهود, [ربّما لأنّهم يتقوّلون عليه و يسخرون من كلّ هذه البدع الجديدة التي جعلها في النبوّة], و يا محاسن الصدف حدثت مشكلة بين امرأة عربيّة و صائغ يهوديّ [ أرجّح أنّ العمليّة كانت منظّمة و مفبركة من طرف محمّد] فـ ’’6’’ كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها ، فباعته بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يُريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوءتها ، فضحكوا بها ، فصاحتْ . فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ، وكان يهوديا ، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فغضب المسلمون ، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع .
هذه الحادثة جعلت محمّد يجمع بني قينقاع و يخطب فيهم قائلا:يا معشر يهود ، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة ، وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم .
فأجابوه قائلين: يا محمد ، إنك ترى أنا قومك ! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة ، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس . [ يعني لا تغترّ يا محمّد بانتصارك على بعض الشيوخ من قريش في غزوة بدر, فإنّنا لو حاربناك لعرفت ماذا يمكننا أن نفعل]
فقام محمّد بحصارهم لمدّة أسبوعين و في الأخير استسلموا, فأمر بتصفيتهم و قتلهم جميعا! ’’6’’
و هنا يتدخّل عبد الله بن أبيّ بن سلول ليمنعه: ’’7’’ فقام إليه عبدالله بن أبي بن سلول ، حين أمكنه الله منهم ، فقال : يامحمد ، أحسن في موالي ، وكانوا حلفاء الخزرج ، قال : فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : يا محمد ، أحسن في موالي ، قال : فأعرض عنه . فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم .[ أي أمسك محمّد من تحت درعه]
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلني ، [أي أتركني] وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظُللا ، ثم قال : ويحك أرسلني ؛ قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي ، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الحمر والأسود ، تحصدهم في غداة واحدة ،[يعني تقتلهم في عشيّة واحدة] إني والله امرؤ أخشى الدوائر ؛ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم لك .
فقام فقط بإجلائهم -دون أموالهم طبعا- و تقاسم هو و أصحابه الغنيمة. [لنتذكّر دائما أنّ السيرة تشير في البداية إلى أنّ محمّدا جاء ليحكم في المدينة بالعدل بسبب الحروب المتواصلة بينهم]
و إذ بدأ يضيق باليهود فهو أيضا سيغيّر تشريعه الذي كان يهوديّا فيجعل صيام عاشوراء سنّة بعد أن كان فرضا : ’’7’’ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء فقال لهم: " ما هذا اليوم الذي تصومونه " قالوا: هذا يوم عظيم نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرًا فنحن نصومه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فنحن أحق وأولى بموسى منكم " فصامه وأمر بصيامه.
أخرجاه في الصحيحين.
و ربّما غيّر القبلة أيضا من بيت المقدس [ حيث إليها كان يتوجّه اليهود بصلاتهم] إلى الكعبة في تلك السنة.
يتبع........................
1-صحيح البخاري/كتاب المغازي
و راجع كلّ كتب السيرة
العديد يخلطون بينه و بين سلام بن أبي الحقيق و يعتبرونهما شخصين و حادثتين منفصلتين و لكنّهما في الحقيقة شخص واحد, يقول ابن كثير في البداية و النهاية/الجزء الرابع: وكان سلام بن أبي الحقيق - وهو أبو رافع - فيمن حزب الأحزاب على رسول الله ... و ما دفع بعض الباحثين للخلط بينهما هو اختلاف الروايات و تفاصيلها. حيث أنّ هناك من يرويها بطريقة مغايرة فيقول أنّهم دخلوا جميعهم إلى الحصن و أنّهم طعنوه بسيوفهم جميعا و ليس فقط عبد الله بن عتيك: وساروا حتى قدموا على النبي واختلفوا في قتله.
فقال رسول الله: هاتوا أسيافكم فجاؤوا بها فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله أرى فيه أثر العظام.أي أنّهم اختلفوا عند محمّد و كلّ شخص يقول أنا قتلته, فأخذ محمّد سيوفهم و قارنها ثمّ قال إنّ عبد الله بن أنيس هو من قتله, حيث توجد آثار عظام على سيفه. ’’راجع مثلا الكامل في التاريخ لابن الأثير/الجزء الأوّل.
2-المنمّق في أخبار قريش/ محمّد بن حبيب البغداديّ/باب زنادقة قريش
3-القرآن الكريم/سورة الفتح/آية 29
4-المنمّق في أخبار قريش/ محمّد بن حبيب البغداديّ/باب من قطعت قريش يده
5-المصدر السابق
6-عيون الأثر في المغازي و السير/ابن سيّد الناس/ باب بنو قينقاع , حيث يقول: فأنزلهم فكتفوا واستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي فكلم ابن أبي فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وألح عليه فقال حلوهم لعنهم الله ولعنه معهم وتركهم من القتل وأمر أن يجلوا من المدينة وتولى ذلك عبادة بن الصامت فلحقوا بأذرعات فما كان أقل بقاءهم بها وذكر ما تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاحهم وسيأتي ذكرنا له وخمست أموالهم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية الخمس وفض أربعة أخماس على أصحابه.
7-المنتظم في التاريخ/الجزء الثالث/ابن الجوزيّ
27
مرّت سنة على مرور غزوة بدر حتّى جاء وقت غزوة أحد.
و لنا أن تساءل:
لماذا انتظرت قريش كلّ هذه المدّة؟ و العديد من أشرافها قتلوا, و أموالهم نهبوا, فكيف لم يعدّوا جيشا سريعا و يخرجوا إلى المسلمين؟ لماذا انتظروا سنة كاملة؟
قلنا منذ بداية هذه السلسلة أنّ قريشا كان توجّهها سلميّا فلم تقتل النبيّ حين كان بينها, فهي لا تقتل من أجل الدين.
و أغلبهم تجّار يحرّكهم الدرهم و الدينار, و المصلحة المنفعيّة الآنيّة هي المسيطرة على تفكيرهم.
محمّد قطع الطرق الذاهبة إلى الشام عبر المدينة, لا بأس, نأخذ الطرق الغربيّة ناحية العراق.
لكنّ هذه طريق جديدة و مكلفة و شاقّة, لا بأس, نضيف عددا إضافيّا من الإبل لحمل الماء.
و رغم ذلك فقد هاجم محمّد أيضا هذه القاقلة في سريّة زيد كما أشرنا و غنم المسلمون منها مائة ألف درهم, و هنا تحديدا تحرّكت قريش, فمحمّد يهدّد فعلا الإقتصاد المكّي و ينوي تحطيمه تماما بقطعه لكلّ الطرق المؤدّية إلى الشمال.
لا بدّ أنّ هناك -و ربّما منهم أبو سفيان- من طالب بمهاجمة محمّد منذ البداية, أي مباشرة بعد غزوة بدر -كما فعل أبو سفيان- و لكنّهم على ما يبدو لم يلقوا آذانا صاغية, حيث أنّ الملأ [أشراف قريش]يجتمعون و يقرّرون الحرب من عدمها, [تلك ربّما من مساوئ الديمقراطيّة!]و كما قلنا فهم تجّار يميلون إلى الجانب السلميّ, و لكنّ بما أنّ تجارتهم أصبحت فعلا مهدّدة, فقد وجدت الأصوات المطالبة بالحرب آذانا صاغية عندهم.
لكنّ الأمور ليست كبدر, حيث اجتمع بعض الشيوخ للذهاب إلى الحرب و عينهم على سوق بدر للمشاركة فيه, بل هذا إعداد حقيقيّ للحرب, يقول ابن هشام:’’1’’فخرجت قريش بحدّها وجدّها وحديدها وأحابيشها ،ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة و فيهم العديد من المقاتلين الأشدّاء, و حملوا معهم نساءهم كي لا يفرّوا.
و ما الوضع في المدينة؟
لم يدر محمّد ماذا يفعل. هل يخرج إليهم أم لا, و من أين له القوّة على ردّ هذا الجيش القادم نحوه؟
و اختلف أصحابه في هذا الأمر, قسم يرى أنّه من الحكمة عدم الخروج و البقاء في المدينة فإن هاجمتهم قريش فسيكون العديد من المتساكنين المحايدين مجبورين على القتال للدفاع عن أرضهم, و من أصحاب هذا الرأي مثلا: محمّد نفسه, و عبد الله بن أبيّ بن سلول [ لنا أن نتساءل لماذا يشير ابن سلول على محمّد بهذا الرأي الصائب], و قسم يرى ضرورة الخروج [ ربّما لأنّهم يعتقدون أنّ الله سيكون معهم أيضا كما في بدر, ففي الأخير قد أثبت محمّد فعلا لهم أنّه نبيّ و أنّ الملائكة تحارب معه و الدليل غزوة بدر] و يبدو أنّهم أصرّوا و بدؤوا يلحّون على القتال, فـ ’’2’’لم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم ، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ، فلبس لأْمته ، [أي لبس لباس الحرب]وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة. كيف يخطئ محمّد هذا الخطأ؟ كيف لم يحسبها؟ أم أنّه توكّل على الله متيقّنا أنّه لن يخذله؟ أم هي سكرة المحارب المنتصر كما يقول الإغريق؟
على كلّ حال فقد تجهّز الجميع و اتّجهوا نحو جبل أحد, و في الطريق تراجع عبد الله بن أبيّ بن سلول فتراجع معه ثلث الجيش [لاحظوا مكانته في المدينة, فهو الوحيد الذي أمسك محمّد من ’’خناقه’’ كما اشرنا أعلاه في أمر بني قينقاع, و هو الآن يتراجع فيتراجع معه الثلث] قائلا: ’’3’’ أطاعهم وعصاني ، [أي أنّ محمّدا لم يستمع لرأيي حين أشرت عليه بالبقاء في المدينة]ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس ، فرجع بمن اتبعه من قومه , حينئذ بدأ بعض المسلمين يقدّرون خطورة الموقف فقالوا لمحمّد: ’’4’’ يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود لكنّ محمّدا يعلم أنّ اليهود لن تكون بجانبه خاصّة أنّه لم يمض وقت طويل على إجلائه لبني قينقاع و تقسيم أموالهم, فأجاب : لا حاجة لنا فيهم
و في طريقهم إلى جبل أحد, أرادوا أن يعبروا مكانا آمنا لا يكون فيه بعض قريش, فدخلوا في أرض لشيخ ضرير اسمه ابن قيظيّ, فـ ’’5’’ لمّا سمع حِس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين ، قام يحثي في وجوههم التراب ، ويقول : إن كنت رسول الله ، فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي .[أي لا أحلّ لك أن تعبر من أرضي] و أخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك .
فابتدره القوم ليقتلوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقتلوه ، فهذا الأعمى أعمى القلب ، أعمى البصر "
و لكن, قام سعد بن زيد بضرب الشيخ بالقوس في رأسه فشجّه, يقول ابن هشام: [ضربه] قبل نهي رسول الله, و كما نرى فابن هشام يريد تبرير هذه الفعلة, أيّ ضرب شيخ ضرير, و لكنّ محمّدا لم ينهاهم عن ضربه بل فقط عن قتله.فقال لا تقتلوه, و كان يستطيع أن يقول مثلا: لا تلمسوه, فيكون أيضا نهيا عن الضرب. و ربّما لم يكن محمّد في موقف يخوّل له اختيار كلماته بعناية فهو مقبل على حرب.
أمّا قريش فقد كانت منظّمة [ خاصّة أنّ المحاربين المعتادين على القتال جاؤوا فيها] فكان خالد بن الوليد على الجناح الأيمن من الجيش, و عكرمة بن أبي جهل على الجناح الأيسر, و جعلوا مائة حصان في الخلف كاحتياط.
و هذا يدلّ على قدرتهم العسكريّة المتفوّقة تماما على المسلمين, فأن يجعلوا مائة حصان موجودة بلا فارس, و فقط للإحتياط, فلنا أن نتخيّل عدد الأحصنة المشاركة فعليّا في المعركة, و للأحصنة دور حاسم و قاطع في ترجيح كفّة المعارك القديمة حيث تخترق الصفوف و تبعثر المحاربين.يقول ابن اسحاق: ’’6’’وتعبأت قريش ، وهم ثلاثة آلاف رجل ، ومعهم مئتا فرس قد جنبوها ، [جنبوها تعني انّهم جعلوها في جنوب الجيش فلا يستعملونها إلاّ إذا تعبت الأحصنة المقاتلة في المعركة أو قتلت]فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل
بينما جيش محمّد لا يتجاوز 700 شخصا, و عدد الأحصنة لا تتجاوز العشرة.
يتبع.........
1-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
2-المصدر السابق
3-المصدر السابق
4-المصدر السابق
5-المصدر السابق
28
و اختار محمّد أن يجعل ظهره إلى جبل أحد حيث يكون الجيش مقابلا للمدينة, و ترك على هضبة قريبة منه ثلاثين راميا بالنبال. و قد أحسن النبيّ اختيار هذا المكان حيث يكون قد حمى ظهر الجيش من الخلف, كما أنّ الهضاب و المرتفعات المنتشرة في المنطقة تعيق حركة خيول قريش.
تقول كلّ كتب السيرة أنّ المسلمين انتصروا في بداية المعركة و لكنّ الرماة الذين على الجبل تركوا أماكنهم للحصول على الغنائم فالتفّ خالد بن الوليد و معه مائتا فارس و هاجموا المسلمين من الخلف.
و هذا عجيب, حيث نفهم أنّ خالد بن الوليد لم يكن يستطيع التحرّك بسبب وجود الرماة, فأين رماة قريش إذن؟
لقد كانوا مائة شخص: ’’1’’ وجعلوا على الخيل صفوان بن أمية وقيل عمرو بن العاص وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة وكانوا مائة رام وفيهم سبعمائة دارع
فلماذا لم يتكفّل رماة قريش بمهاجمة رماة المسلمين بينما يعبر خالد بن الوليد بخيوله إلى المعركة؟
و ماذا عن قائد الجناح الأيسر عكرمة ابن أبي جهل و خيوله؟ ماذا كان يفعل؟
و ماذا عن المواجهة المباشرة بين المشاة من المسلمين و قريش؟ ما هي النتيجة حين يلتقي 650 محارب مع 2500 محارب؟
نحن لسنا في بدر الآن حيث جاءت بعض الشيوخ من قريش لتحارب، بل نحن أمام جيش منظّم لقريش يحتوي على محاربين مستعدّين للقتال.
أرجّح أنّ المعركة كانت في صالح قريش منذ البداية, و تمّ اختلاق حكاية ترك الرماة لمواقعهم كطريقة لحفظ ماء الوجه, و أنّهم لو نفّذوا ما قال لهم النبيّ لانتصر المسلمون في المعركة, فالخطأ ليس من محمّد و إنّما من الرماة, و الله لم يتخلّ عنه فهو نبيّه و لكن بما أنّهم لم ينفّذوا أوامر نبيّهم فقد أراد الله أن يعطيهم درسا, لهم و للمؤمنين جميعا,ليتعلّموا طاعة نبيّهم, و الدليل أنّه نصره في البداية, هذا من ناحية, و من ناحية أخرى فهو يوم بلاء و امتحان ليعلم الله المنافقين منهم و المؤمنين.
مشاهد من المعركة:
1-مقتل حمزة:
قبل خروج قريش من مكّة, ’’2’’ دعا جبير بن مطعم غلامًا له حبشيًا يقال له : وحشيّ, يقذف بحربة له قذف الحبشة ، قلّما يخطئ بها ، فقال له : أخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عمّ محمد, بعمّي طعيمة بن عدي ،فأنت عتيق
و يروي وحشيّ كيف قتل حمزة: ’’3’’ قال لي جبير : إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق . قال : فخرجت مع الناس ، وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة ، قلما أخطئ بها شيئا ؛ فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره ، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق ، يهدّ الناس بسيفه هدّا ، ما يقوم له شيء ، فوالله إني لأتهيّأ له ، أريده وأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني, إذ تقدمني إليه سباع بن عبدالعزى ؛ فلما رآه حمزة قال له :هلم إلي يا ابن مقطعة البظور.[أي يا ابن المرأة التي تقوم بالختان في مكّة, أظنّها كانت تقوم بختان النساء] قال : فضربه ضربة كأنّ ما أخطأ رأسه [أي قطع له رأسه]قال : وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها ، دفعتها عليه ، فوقعت في ثنّته [الثنّة هي ما بين العانة و أسفل البطن]. حتى خرجتْ [ الحربة] من بين رجليه ، وذهب لينوء نحوي،[أيّ أنّ حمزة تحامل على نفسه و أراد أن يتوجّه إلى وحشيّ] فغلب ،[لكنّه لم يستطع و سقط] وتركته وإياّها حتى مات ، ثم أتيته فأخذت حربتي ، ثم رجعت إلى العسكر ، فقعدت فيه ، ولم يكن لي بغيره حاجة ، وإنما قتلته لأعتق .
2-الفوضى:
واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار[كان شعار المسلمين يوم أحد هو ’’أمت,أمت’’ و يقوله المحاربون لبعضهم بعضا حتى لا يقتلون أحدا منهم خطأ, فلم يكونوا يلبسون أزياء موحّدة يتميّزون بها عن قريش] ويضرب بعضهم بعضاً لما يشعرون به من العجلة والدهش[أي أصبحوا لا يرون شيئا من كثرة الفوضى فصاروا يضربون بعضهم بعضا] ونادى المشركون بشعارهم بالعزى بالهبل.
فأوجعوا في المسلمين قتلاً ذريعاً وولّى من ولّى منهم يومئذ قال موسى بن عقبة ولمّا فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم [محمّد اختفى فجأة] قال رجل منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم فإنهم داخلوا البيوت [أي أنّ قريش تنوي مهاجمة بيوت المدينة أيضا] ’’4’’
3-أين محمّد؟
لمّا اشتدّ القتال يوم أحد ، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار ’’5’’ لكن سرعان ما اختلطت الأمور و بدأت قريش تخترق الصفوف حتّى أنّه لم يبق مع محمّد إلاّ إثنا عشر رجلا يقومون بحمايته ’’6’’, فقال محمّد : ’’7’’ من رجل يشتري لنا نفسه ؟, أي هل هناك رجل يضحّي بحياته و له الجنّة, فقام زياد بن السكن فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً يقتلون دونه [أي يموتون في الدفاع عنه واحدا تلو الآخر]حتى كان آخرهم زياداً وعمارة فقاتل حتى أثبته الجراحة ثم فاءت فيئة من المسلمين[أي جماعة من المسلمين آخرين جاؤوا] فأجهضوهم عنه [أي فرّقوا قريش و أبعدوها عن محمّد]فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أدنوه مني[أي عمارة و كان يحتضر] فأدنوه منه " فوسده قدمه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ’’8’’
لكنّ محاربي قريش لم يتراجعوا فـ ’’9’’ اقترب عتبة بن أبي وقاص[ و] رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله شهاب الزهري شجه في وجهه وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من المغفر في وجنته ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون
فبدأ الدم يسيل على وجه محمّد و هو يمسحه و يقول:’’كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم ’’, و بدأت النبال تنهال عليه, فارتمى أبو دجانة على محمّد ليحميه فاخترقت كلّ النبال ظهره, و كان بجانب محمّد سعد ابن أبي وقّاص فبدأ النبيّ يناوله السهام و يقول له ارم [أي اضرب] فداك أبي و أمّي, و يقول سعد: حتّى أنّه يناولني السهم بلا نصل و يقول لي ارم به.
و صاح أحدهم في ساحة المعركة إنّ محمّدا قد قتل, فازداد المسلمون تفرّقا و تشتّتا و هم يبحثون عن محمّد و لا يجدونه, و بدأت المعركة في الإنتهاء [ربّما لأنّ قريشا صدّقت أنّ محمّدا قتل], يقول كعب بن مالك: ’’10’’ فكنت أنا أول من عرف النبي صلى الله عليه وسلم عرفت عينيه تحت المغفر فناديت بصوتي الأعلى هذا رسول الله فأشار إلي أن اسكت , أي قال له محمّد : أسكتْ. ربّما حتى لا تستمع إليه قريش فيعودون إليه فطالبه بعدم إفشاء أمر بقائه حيّا, لكنّ الصحابة سمعوا ما قال فالتفّوا حول محمّد و صعدوا به إلى الجبل. و حمل عليّ بعض الماء و أخذ يغسل الدم عن وجه محمّد الذي أخذ يقول: ’’11’’ اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسوله [نستطيع أن نلمح الخطوط العامّة التي ترسم الشخصيّة المحمّديّة, ففي حال الضعف حين سقط و انهالت عليه قريش بالنبال قال: كيف يفلح قوم......و هو يدعوهم إلى ربّهم, لاحظوا ارتكازه على النبوّة و الدعوة في هذه الحالة, و لكنّه حين صعد إلى الجبل مع أصحابه و ابتعد عن الخطر قال : اشتدّ غضب الله, حيث ارتكز هنا على القوّة و الغضب, و يمكننا أن نقارب هذا مع الفترة المكّيّة و المدنيّة:
حين كان ضعيفا=في مكّة=الدعوة و النبوّة
حين كان قويّا=في المدينة=الغضب و القوّة
و لكلّ مقام مقال!
و عاد محمّد إلى المدينة (!) بينما ’’12’’ قامت هند في نسوة معها يمثّلن بالقتلى يجدعن الأنوف والأذان حتى اتّخذت هند من ذلك خدمًا وقلائد وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها.
(!) لماذا رجعت قريش إلى مكّة ؟ألم تضيّع فرصة ذهبيّة للتخلّص من محمّد و إعادة طرقها التجاريّة المعتادة من قبل دون أن تتعرّض للإغارة؟
و هذا الأمر نفسه سيتكرّر فيما بعد في غزوة الأحزاب, حيث تكون لقريش القدرة على إعادة الأمور كما كانت من قبل و لكنّها لا تفعل شيئا, و هذا غريب, ممّا يدفعنا أن نتساءل إن كان رواة السيرة يدركون فعلا ما يكتبون!
طبعا هم يضيفون و يمحون ما شاؤوا, لكنّهم يحافظون دائما على بناء منطقيّ للأحداث [حتّى و إن كان ضعيفا أحيانا], بيد أنّهم في غزوة أحد و الأحزاب لا يستندون إلى أيّ منطق, فما معنى أنّهم لم يريدوا إنهاء أمر محمّد لأنّ أصحابه قد تستميت في الدفاع عنه؟ ألم يدافعوا عنه منذ البداية؟ ثمّ لقد تفرّق العديد من المسلمين و هرب منهم من هرب و لم يبق الكثير مع النبيّ و مهما استماتوا فقريش متفوّقة عددا و عتادا, كما أنّ مصالحهم الإقتصاديّة في الميزان و عليهم إعادة تأمين الطرق إلى الشام, فكيف يأمّنوها بوجود محمّد؟
هل مات محمّد فعلا في المعركة , و حين عادت قريش إلى مكّة, خرج من المدينة محمّد آخر على خطى من سبقه,و واصل المهمّة, و جمع كتّاب السيرة المحمّدين , و ربّما يوجد أكثر من محمّد أو اثنين, أو ثلاث, ربّما يوجد محمّد الأوّل النبيّ المعاصر للذين كانوا يتحنّفون في غار حراء , زمان عبد المطّلب, ثمّ توفّي بعد أن كتب النصف الأوّل من القرآن المكّيّ, ثمّ ولد محمّد آخر اسمه ’’قثم’’ [كما ذكر هشام جعيّط] عام الفيل, و أخذ صفة محمّد, و كتب القرآن النصف الثاني من القرآن المكّي ثمّ ثوفّي أو قتل [كما اقترح الزميل أبو العلاء] ثمّ خرج محمّد ثالث في المدينة بشخصيّة مختلفة, و بقرآن مختلف, و آخر بعده إلخ...
ربّما يرى البعض أنّنا بدأنا نجنّح مع الخيال كثيرا, و ربّما تستهوي هذه الأفكار البعض الآخر, لكنّنا على كلّ حال لا نملك حاليّا أيّة مصدر حقيقيّ على هذا الكلام و لا على ما تقوله السيرة العربيّة, و لذلك فسنواصل المنهج الذي رسمناه منذ البداية في الإعتماد على السيرة فقط, و نقول:
لقد تركت قريش محمّدا يوم أحد, تجنّبا من أن يستميت أصحابه في الدفاع عنه, و نضع أمام هذه الجملة نقطة استفهام كبيرة.
يتبع..........................
1-عيون الأثر في المغازي و السير/ابن سيّد الناس/22-47
و راجع المنتظم في التاريخ/ابن الجوزيّ/الجزء الثالث
و راجع الطبقات الكبرى/ابن سعد/الجزء الثاني
2-سيرة ابن هشام/المجلّد الرابع
3-المصدر السابق
4-عيون الأثر في المغازي و السير/ابن سيّد الناس/هامش غزوة أحد
5-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
6-صحيح البخاري/كتاب المغازي
7-عيون الأثر في المغازي و السير/23-47
8-المصدر السابق
9-المصدر السابق
10-الطبقات الكبرى/ابن سعد/الجزء الثاني
يرويها ابن هشام فيقول : فأشار إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن أنصت. و لا أدري لماذا يقول أنصت؟ بل الصحيح هو ’’اسكت’’ كما رواها ابن سعد, حتى لا تسمع ذلك قريش فتعود إليه.
11-عيون الأثر في المغازي و السير/23-47
12-المنتظم في التاريخ/ابن الجوزيّ/الجزء الثالث
29
لقد جمعت المعطيات لمحاولة فهم رجوع قريش بعد غزوة أحد و عدم القضاء على محمّد, و -حسب رأيي- أرى تفسيرا منطقيّا واحدا و هو :أنّ قريش اعتقدت فعلا أنّ محمّدا قد قتل, فلم يعد هناك داع لبقائها و دخول المدينة و فتح جبهة حرب مع الأنصار لا تدري كيف تنتهي و قد تدوم لسنوات, كما أنّ قريش محتاجة لإبقاء العلاقات مع المدينة حيث تمرّ منها قوافلها.
سألوّن بالأحمر ما أراه إضافة من طرف الرواة أنفسهم, وأضع سطرا تحت الكلمات المفاتيح, لنفهم اللامقول:
صحيح البخاري:
وأشرف أبو سفيان فقال:
أفي القوم محمد؟ فقال: «لا تجيبوه».
فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟
فقال: «لا تجيبوه».
فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟
فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلوا كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدوَ الله، أبقى الله عليك ما يحزنك.فقال أبو سفيان: اُعلُ هبل.
فقال النبي : «أجيبوه».
قالوا: ما نقول؟
قال: «قولوا الله أعلى وأجل».
أظنّ أنّ الراوي أضاف من عنده أنّ عمر قام بنفي وفاة محمّد.
ابن كثير, البداية و النهاية:
فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ ثلاثا فنهاهم رسول الله أن يجيبوه.
ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة، أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب، أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، وقد كفيتموهم فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك.
الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور, السيوطي:
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: نادى مناد يوم أحد حين هزم أصحاب محمد: إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول فأنزل الله وما محمد إلا رسول ,الآية
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: فشا في الناس يوم أحد أن رسول الله قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلونكم قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء فشد بسيفه فقاتل حتى قتل فأنزل الله وما محمد إلا رسول الآية
انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم ؟ قالوا: قتل محمد رسول الله قال: فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله واستقبل القوم فقاتل حتى قتل
ابن كثير, البداية و النهاية:
وذكر قتادة أن رسول الله لمّا وقع لشقّه أغمى عليه، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح الدم عن وجهه فأفاق
وانطلق رسول الله يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه يرميه فقال: «أنا رسول الله» ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله ، وفرح رسول الله حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به.
عيون الأثر في المغازي و السير, ابن سيّد الناس:
[حين جاء أبو سفيان و قال أعل هبل, إلخ..] فلمّا أجاب عمر أبا سفيان, قال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمّدا؟
قال عمر: اللهمّ لا و إنّه يسمع كلامك الآن, قال [أبو سفيان] أنت أصدق عندي من ابن قمئة و قوله إنّي قتلت محمّدا.
الطبقات الكبرى, ابن سعد:
فكنت أنا أوّل من عرف النبي صلى الله عليه وسلم عرفت عينيه تحت المغفر فناديت بصوتي الأعلى هذا رسول الله فأشار إلي أن اسكت
إنّ إشارة محمّد لكعب بن ملك بالسكوت و عدم إفشاء أمر بقائه حيّا, و كذلك نهي النبيّ أصحابه أن يجيبوا أبا سفيان حين سألهم عن قتل محمّد, و تفرّق المسلمين و هربهم, كلّ هذا يدلّ على أنّ قريشا اعتقدت فعلا أنّ محمّدا قد قتل, و هذا هو السبب المنطقيّ الوحيد الذي يجعلها تنهي الحرب و تعود إلى مكّة.
يتبع.......
30
بعد انتهاء المعركة و خروج قريش متّجهين إلى المدينة, صلّى محمّد بالناس جالسا بسبب الجروح التي أصابته, و من الغد [و كان يوم أحد] أمر بكلّ من شارك في غزوة أحد أن يتجهّز ليسيروا على آثار قريش [يسيروا على آثارها و ليس يهاجمونها] , و خرج جيش المسلمين [600 شخص تقريبا] و اقتفوا آثار قريش حتّى وصلوا إليهم في منطقة تسمّى ’’حمراء الأسد’’
السبب؟
تقول السيرة أنّ قريش و هي عائدة في الطريق علمت أنّ محمّدا لم يقتل [و هذا يؤكّد طرحنا أعلاه]: ’’1’’ : بلغه أنّ أبا سفيان يريد أن يرجع بقريش إلى المدينة ليستأصلوا من بقي من أصحاب رسول الله، فقد بلغه أن المشركين قالوا له: لا محمدا قتلتم، ولا الكواكب أردفتم، بئس ما صنعتم ارجعوا.
أي وفي لفظ أنهم لما بلغوا بعض الطريق قدموا فقالوا بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم قبل أن يجدوا قوة وشوكة.
و ظلّ محمّد معسكرا بعيدا عن جيش قريش و قام بإشعال النيران في الليل في اماكن عديدة حتّى تحسب قريش أنّ هناك جيشا كبيرا للمسلمين جاء لمحاربتها, و بالمقابل ذهب شخص اسمه معبد بن أبي معبد الخزاعي,و كان مشركا لكنّه يميل إلى محمّد لأسباب ماليّة بفضل الغنائم, إلى أبي سفيان في المعسكر المقابل و ’’2’’ لمّا رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟
قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرَ مثله قط، يتحرّقون عليكم تحرّقا، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قطّ.
قال: ويلك ما تقول؟
قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل.
قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل شأفتهم.[أي كنّا ننوي أن نعود و نقضي عليهم]
قال: فإني أنهاك عن ذلك
و هكذا نجحت خدعة النبيّ و ظنّ أبو سفيان أنّ أهل المدينة خرجوا فعلا لمحاربتهم [نشير إلى أنّه لو كانت المدينة كلّها فعلا مسلمة لما وقف في طريق محمّد أحد] و زاد في تردّد جيش قريش أن رفض صفوان بن أميّة* العودة إلى المدينة و مواصلة القتال [ كان من أصحاب رؤوس الأموال, و ربّما لم يشأ تبذير الأموال دون فائدة لأنّ العودة ستكون لها تكاليفها و قنع بتلقين درس للمسلمين ظنّا أنّهم لن يتجرّؤوا على قطع الطرق بعد غزوة أحد]
و هكذا واصلت قريش طريقها إلى مكّة و عاد محمّد إلى المدينة.
زواج خامس:
و كان قد قتل عبد الله بن جحش في غزوة أحد, فتزوّج محمّد من أرملته زينب بنت خزيمة.
و سنتوقّف هنا و نفتح فصلا عن زيجات النبيّ و نقدّم خلاصة لها: ’’3’’
اسم (أم المؤمنين):خديجة بنت خويلد
المولد: 68 ق.هـ/ 554م
الزواج من النبي: 28 ق.هـ/ 594م
الوفاة: 3 ق.هـ/ 619م
عمرها عند زواج النبي بها: 40 سنة
عمرها عند وفاة النبي: توفيت قبله
المدة التي عاشتها مع النبي: 25 سنة منها عشرة بعد البعثة
عمرها عند الوفاة: 65 سنة
اسم (أم المؤمنين): سودة بنت زمعة
المولد: ؟
الزواج من النبي: 3 ق.هـ/ 619م
الوفاة: 54هـ/ 674م
عمرها عند زواج النبي بها: ؟
عمرها عند وفاة النبي: ؟
المدة التي عاشتها مع النبي: 14 سنة
عمرها عند الوفاة: ؟
اسم (أم المؤمنين): عائشة بنت أبي بكر
المولد: 7 ق.هـ/ 615م
الزواج من النبي: 1 ق.هـ/ 621م وبنى بها سنة 2هـ/ 624م
الوفاة: 58هـ/ 678م
عمرها عند زواج النبي بها: 6 عند العقد و9 عند البناء
عمرها عند وفاة النبي: 18 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 9 سنين
عمرها عند الوفاة: 65 سنة
اسم (أم المؤمنين): حفصة بنت عمر
المولد: 18 ق.هـ/ 604م
الزواج من النبي: 3هـ/ 625م
الوفاة: 45 هـ / 665 م
عمرها عند زواج النبي بها: 21 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 29 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 8 سنين
عمرها عند الوفاة: 63 سنة
اسم (أم المؤمنين): زينب بنت خزيمة
المولد: 26 ق.هـ/ 596م
الزواج من النبي: 3 هـ/ 625م
الوفاة: 4هـ/ 625م
عمرها عند زواج النبي بها: 29 سنة
عمرها عند وفاة النبي: توفّيت قبله
المدة التي عاشتها مع النبي: 8 أشهر و بعض الروايات تقول 3 أشهر
عمرها عند الوفاة: 30 سنة
اسم (أم المؤمنين): أمّ سلمة هند بنت أبي أميّة
المولد: 24 ق.هـ/ 598م
الزواج من النبي: 4هـ/ 626م
الوفاة: 61هـ/ 680م
عمرها عند زواج النبي بها: 28 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 35 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 7 سنين
عمرها عند الوفاة: 85 سنة
اسم (أم المؤمنين): زينب بنت جحش
المولد: 32 ق.هـ/ 590م
الزواج من النبي: 5هـ/ 627م
الوفاة: 21هـ/ 642م
عمرها عند زواج النبي بها: 37 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 43 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 6 سنوات
عمرها عند الوفاة: 53 سنة
اسم (أم المؤمنين): جويريّة بنت الحارث
المولد: 14 ق.هـ/ 608م
الزواج من النبي: 5هـ/ 628م
الوفاة: 56هـ/ 676م
عمرها عند زواج النبي بها: 19 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 25 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 6 سنين
عمرها عند الوفاة: 70 سنة
اسم (أم المؤمنين): صفيّة بنت حيي
المولد: 9 ق.هـ/ 613م
الزواج من النبي: 7هـ/ 628م
الوفاة: 50هـ/ 670م
عمرها عند زواج النبي بها: 16 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 20 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 4 سنوات
عمرها عند الوفاة: 59 سنة
اسم (أم المؤمنين): أمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان
المولد: 25 ق.هـ/ 596م
الزواج من النبي: 7هـ/ 628م
الوفاة: 44هـ/ 664م
عمرها عند زواج النبي بها: 32 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 36 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 4 سنوات
عمرها عند الوفاة: 69 سنة
اسم (أم المؤمنين): ميمونة بنت الحارث
المولد: 29 ق.هـ/ 593م
الزواج من النبي: 7هـ/ 629م
الوفاة: 51هـ/ 671م
عمرها عند زواج النبي بها: 36 سنة
عمرها عند وفاة النبي: 40 سنة
المدة التي عاشتها مع النبي: 4 سنوات
عمرها عند الوفاة: 80 سنة
لقد قمت بوضع تواريخ الزواج بالأحمر و نلاحظ أنّه تزوّج :
قبل الهجرة:2
بعد الهجرة:
2هجري= واحدة
3 هجري= 2
4 هجري= واحدة
5 هجري = 2
7 هجري = 3
بدأت الزيجات المتعدّدة من 3 هجري ثمّ توقّفت 7 هجري.
بدأت بحفصة [21 سنة] و انتهت بميمونة [36 سنة]
ماذا حدث في هذه الأربع سنوات؟ أترك الأمر للمتخصّصين في علم الجنس, مع ضرورة طرح كلّ المعطيات و المصالح و العلاقات القبليّة و السياسيّة و حتّى الجماليّة لأنّ الأمر - و حسب رأيي- أعقد من آراء أو انطباعات عابرة.
قد يقول قائل: إنّ النبيّ و ببساطة يحبّ النساء و النكاح, هذا كلّ ما في الأمر. و طبعا هذا الأمر واضح و جليّ و إنّما نودّ تفسير الأحداث بطريقة علميّة تحيط بكلّ الظروف و الدوافع.
نعود إلى الموضوع
يتبع.........
1-برهان الدين الحلبي /السيرة الحلبيّة/حمراء الأسد
2-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الرابع
* -كان غنيّا: كان إلى صفوان الأزلام في الجاهلية وكان سيد بني جمح وقال أبو عبيدة قالوا إن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية إلى أن صار له قنطار من الذهب / سير أعلام النبلاء/الحافظ الذهبي
3- د.راغب السرجاني
31
غزوة أحد كانت يوم سبت, و من الغد أي صبيحة يوم الأحد خرج النبيّ خلف قريش كما أسلفنا أعلاه.
و ابن هشام نقلا عن ابن اسحاق في السيرة يقول: كان يوم الأحد 16 من شوّال.
و ابن سعد في الطبقات يقول: كان يوم الأحد 8 شوّال.
و قد راجعت هذا التاريخ و وجدت أنّ ابن سعد محقّ فثمانية شوال لثلاثة من الهجرة يوافق يوم الأحد و هو 24 مارس/أذار سنة 625 ميلادي.
و قد قمت بمراجعة تواريخ ابن سعد فوجدت أنّها كلّها صحيحة إلاّ من بعض الأخطاء التي لا تكاد تذكر، و بالتالي فإنّنا سنعتمد على كلّ كتب السيرة في الأحداث, و على ابن سعد في التواريخ, لما يتميّز به من دقّة و يبدو أنّ مصادره أكثر وثوقا من مصادر ابن هشام رغم أنّه معاصر له.
إذن بعد أن عاد محمّد من غزوة حمراء الأسد و هي التي خرج فيها خلف قريش, سمع بعد ثلاثة أشهر أنّ طليحة بن خويلد *و أخاه سلمة بدؤوا يحرّضون بني أسد عليه فقام بإرسال أبي سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ و معه 150 شخصا و قال له: ’’1’’ ’’ سر حتى تنزل أرض بني أسد فأغر عليهم قبل أن تلاقي عليك جموعهم’’
* طليحة بن خويلد هو واحد ممّن ادّعوا النبوّة و قد تبعه أناس كثيرون من بني أسد و طيء و غطفان, و قد كان ممّن حاربهم أبو بكر الصدّيق أيّام الردّة, ثمّ أسلم فيما بعد, و لا علاقة له بخويلد أبي خديجة , و اسمه طليحة بن خويلد بن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن حجوان بن فقعس الأسدي ’’2’’
و بالمناسبة فإنّ من ادّعى النبوّة بعد محمّد كثيرون و نذكر منهم على سبيل المثال: ’’3’’
وقال الحافظ : فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة ، والأسود العنسي باليمن ، وفي خلافة أبي بكر : طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة ، وسجاح في بني تميم ، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، قتله وحشي قاتل حمزة يوم أحد ، وشاركه في قتل مسيلمة يوم اليمامة رجل من الأنصار ، وتاب طليحة ومات على الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه. ونقل أن سجاح تابت أيضًا. ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي وغلب على الكوفة في أول خلافة الزبير . وأظهر محبة أهل البيت ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين ، فتتبعهم فقتل كثيرًا ممن باشر ذلك ، وأعان عليه . فأحبه الناس ، ثم ادعى النبوة وزعم أن جبريلًا عليه السلام يأتيه . ومنهم الحرث الكذاب ، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل
و نلاحظ تعمّد كتّاب السيرة و التاريخ في التهكّم من هؤلاء الأنبياء الكذّابين حيث يقومون بتقويلهم أشياء غير منطقيّة أحيانا, نستشفّ من خلالها عدم مصداقيّة الرواية : ’’4’’ ومنهم مسيلمة، إدعى النبوة وتسمى رحمن اليمامة، لأنه كان يقول: الذي يأتيني رحمان. فآمن برسول الله وادعى أنه قد أشرك معه، فالعجب أنه يؤمن برسول ويقول إنه كذاب. ثم جاء بقرآن يضحك الناس، مثل قوله: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين. [لا يخفى علينا أنّه من غير المنطقيّ أن يقول مسيلمة هذا الكلام و هو الذي اتّبعه عشرات الآلاف, كما أنّ هذا كلام محدث و ليس جاهليّا, و الغاية منه طبعا واضحة و هي التقليل من شأنه و رفع القرآن] ومن العجائب :’’شاة سوداء تحلب لبنا أبيض’’.
فانهتك ستره في الفصاحة. ثم مسح بيده على رأس صبي فذهب شعره. وبصق في بئر فيبست.[لاحظوا كيف يزيدون بعض البهارات] وتزوج سجاح التي إدعت النبوة فقالوا: لا بد لها من مهر، فقال: مهرها أني قد أسقطت عنكم صلاة الفجر والعتمة.
وكانت سجاح هذه قد إدعت النبوة بعد موت رسول الله ، فاستجاب لها جماعة فقالت: أعدوا الركاب، وإستعدوا للنهاب، ثم أعبروا على الرباب، فليس دونهم حجاب، فقاتلوهم. ثم قصدت اليمامة فهابها مسيلمة فراسلها وأهدى لها فحضرت عنده فقالت: اقرأ علي ما يأتيك به جبريل. فقال: إنكن معشر النساء خلقتن أفواجا، وجعلتن لنا أزواجا، نولجه فيكن إيلاجا. فقالت: صدقت أنت نبي. فقال لها:
قومي إلى المخدع، فقد هيىء لك المضجع، فإن شئت مستلقاة، وإن شئت على أربع، وإن شئت بثلثيه، وإن شئت به أجمع، فقالت: بل به أجمع، فهو للشمل أجمع. فافتضحت عند العقلاء من أصحابها [!]
نغلق القوس إذن و نعود إلى الموضوع:
أرسل محمّد بعض أصحابه في سريّة إلى أرض بني أسد, و قد كانت غزوة ناجحة حيث تحصّلوا على قطعان من الغنم و الخرفان كانوا يسرحون في المنطقة [ يقال خاف الآخرون الذين يستعدّون لقتال محمّد, فهربوا!] و عاد أصحاب النبيّ بالغنيمة إلى المدينة.
ثمّ سمع محمّد-بعد خمسة أيّام- أنّ هناك شخصا آخر يقوم بجمع الجيوش اسمه سفيان بن خالد, فأرسل النبيّ هذه المرّة شخصا واحدا اسمه عبد الله بن أنيس ليقوم باغتيال هذا المتمرّد, و يقول ابن سعد: ’’5’’ ثم سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي بعرنة خرج من المدينة يوم الإثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله [و قد راجعت هذا التاريخ و هو صحيح فيوم 5 محرّم هو فعلا يوم اثنين, و يوافق 17 جوان/حزيران سنة 625 ميلادي] و لنستمع لعبد الله بن أنيس يروي لنا كيفيّة نجاحه في العمليّة : ’’5’’ فأخذت سيفي وخرجت أعتزي إلى خزاعة حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش ومن ضوى إليه [أي: من تبعه ] فعرفته(...) فقال من الرجل فقلت رجل من بني خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك قال أجل إني لأجمع له فمشيت معه ساعة وحدثته فاستحلى حديثي حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه, حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غاراً في الجبل وضربت العنكبوت عليّ [يبدو أنّ الموضة قديما كانت أنّ كلّ من يختبئ في غار يقوم العنكبوت بنسج خيوطه على الباب] وجاء الطلب فلم يجدوا شيئاً فانصرفوا راجعين ثم خرجت فكنت أسير الليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المسجد فلما رآني قال " أفلح الوجه " قلت أفلح وجهك يا رسول الله فوضعت رأسه بين يديه[أي رأس سفيان] وأخبرته خبري فدفع إلي عصا فقال " تخصر بهذه في الجنة " فكانت عنده.
القبض على جواسيس النبيّ:
و بعد شهر قام محمّد بإرسال عشرة أشخاص يتجسّسون على أخبار قريش و الأحوال في مكّة ’’6’’ و حينما وصلوا إلى منطقة تسمّى الرجيع [ هو موضع بين عسفان و مكّة, (ياقوت الحموي/معجم البلدان/حرف الراء) ] سمعت بهم قبيلة هذيل فخرجت خلفهم بمائة رام [أي المختصّين في رمي النبال] و أحاطوا بهم من كلّ جانب, و طلبوا منهم الإستسلام حيث يريدون بيعهم لقريش, فاستسلم ثلاثة و قاتل البقيّة فقتلوا, فحملوهم إلى مكّة لكنّ احد الأسرى ثار في الطريق فقتلوه و لم يبيعوا إلاّ إثنين إلى قريش و هما : خبيب و زيد.
أمّا خبيب فقد اشتراه أبو إهاب التميميّ و قتله لثأر بينه و بين حلفائه.
و زيد اشتراه صفوان بن أميّة و انتظر انتهاء الأشهر الحرام ثمّ أخرجوه في مكّة و علّقوه على صليب خشبيّ لصلبه و تمّ طعنه بحربة و هو مصلوب فمات.
يتبع................
1-عيون الأثر في المغازي و السير/ابن سيّد الناس/سريّة أبي سلمى
و راجع ابن هشام في السيرة
و ابن سعد في الطبقات
2-الإصابة في تمييز الصحابة/الجزء الثالث/حرف الطاء
3-فتح المجيد/ القسم الثالث
4-صيد الخاطر/ابن الجوزيّ/فصل فيمن ادّعوا النبوّة
5-عيون الأثر في المغازي و السير/صفحة المصدر السابق
6-المصدر السابق
و راجع البخاري/كتاب المغازي
و كلّ كتب السيرة, إلاّ سيرة ابن هشام ينقل عن ابن إسحاق قوله أنّهم ذهبوا لتعليم الإسلام لعضل و القارة
32
و في الشهر نفسه [أي شهر صفر سنة 4 من الهجرة] جاء سيّد من بني عامر اسمه ’’أبو براء عامر بن مالك’’ إلى المدينة فدعاه محمّد إلى الإسلام فرفض و لكنّه بالمقابل طلب من محمّد أن يرسل بعض المسلمين إلى قبيلته ’’بني عامر’’ ليعرضوا عليهم الإسلام, فوافق محمّد و أرسل سبعين رجلا يسمّون ’’القرّاء’’ ’’1’’ حيث كانوا يتدارسون القرآن في الليل و يعملون بالنهار.
و لنا أن نتساءل عن هذا العدد الكبير: سبعون رجلا؟
ألا تكون النيّة موجّهة لغزوة تحت غطاء أنّهم جاؤوا للدعوة و حين تحين الفرصة يهجمون؟
على كلّ حال و مهما كانت نيّة محمّد و أصحابه فقد جرت الرياح بما لا تشتهي السفن, حيث أنّ هؤلاء ’’القرّاء’’ و حين وصلوا إلى مكان بين بني عامر و بني سليم, اسمه بئر معونة, أرسلوا رسالة النبيّ إلى ’’عامر بن الطفيل’’ [ و هو ابن أخ أبي براء الذي جاء إلى محمّد] فقام عامر هذا بقتل صاحب الرسالة و اسمه حرام بن ملحان [هو خال أنس بن مالك] ثمّ استصرخ بني عامر ليهاجموهم فرفضوا لأنّ سيّدهم أبا براء أعطى الأمان للمسلمين, فاستصرخ قبائل من بني سليم فساندوه و حاصروا هؤلاء القرّاء و قتلوهم عن آخرهم إلاّ شخص واحد و اسمه ’’عمرو بن أميّة’’[من مضر] أطلق سراحه ’’عامر بن الطفيل’’ بسبب ديّة كانت على أمّه في مضر.
و حين كان ’’عمرو بن أميّة’’ عائدا إلى المدينة وجد شخصين, فسألهما عن أصلهما فقالا أنّهما من بني عامر, فانتظر حتّى ناما ثمّ قتلهما و فرّ.
و قد كان يعتقد أنّ بني عامر هم من قتلوا ’’القرّاء’’ فأخذ بثأرهم من العامريين الذين وجدهم في الطريق [ لكنّ بني عامر لم تشارك بل كانت قبائل من بني سليم و عصيّة ورعل و ذكوان]
هذه الرواية معقّدة بعض الشيء و حاولت تبسيطها للقارئ قدر المستطاع.
إذن عاد عمرو بن أميّة إلى المدينة و أخبر النبيّ بكلّ ما حدث فقال محمّد: ’’ هذا عمل أبي براء [أي هذا رأي أبي براء الخاطئ]قد كنت لهذا كارهاً متخوفاً ’’ ’’2’’
و بالمقابل قام بلوم عمرو على قتل الرجلين لأنّهما من بني عامر و كان محمّدا في صلح معهم, و بالتالي كانت خسارة النبيّ خسارتين:
1-موت القرّاء* [ و قد قنت النبيّ شهرا يدعو على قبائل رعل و عصيّة و ذكوان ’’3’’ ]
2-ضرورة دفع الديّة لأهل القتيلين.
لقد قمت بإيراد هذه الحكاية لأنّها كانت سببا في إجلاء بني النضير.و كان ذلك في شهر ربيع الأوّل/أوت 625 ميلادي.
حيث ذهب النبيّ:’’4’’ يوم السبت فصلى في مسجد قباء ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم أتى بني النضير فكلمهم أن يعينوه في دية الكلابين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري فقالوا نفعل يا أبا القاسم ما أحببت وخلا بعضهم ببعض ’’
و بعد أن طلب النبيّ أن يدفعوا معه ديّة هذين القتيلين وافقه أشراف بنو النضير ثمّ اجتمعوا و خرج محمّد من حجرة الإجتماع ينتظرهم خارجا.
و فيما محمّد بصدد الإنتظار قام مسرعا كأنّه سيذهب لقضاء حاجة [أي بلغة عصرنا كأنّه ذاهب لدورة المياه] و عاد سريعا إلى المدينة, و دخل إلى بيته, و حين افتقده أصحابه ذهبوا خلفه و وجدوه في المدينة و سألوه عن سبب ذهابه دون أن يخبرهم. فقال فيما معناه أنّ الله أخبره أنّ يهود بني النضير تنوي الغدر لذلك عاد مسرعا.
نفتح قوسا:
أعتقد أنّ محمّدا كان صادقا حين فكّر في غدر بني النضير, وأعني بكلمة ’’صادق’’ أنّه بينما كان في الإنتظار خارج الإجتماع أحاطت به الهواجس و الشكوك و ربّما بدأ يضع الإحتمالات فيما يمكنهم فعله و أخيرا قرّ قراره أنّهم سيخونونه و استحوذت عليه الفكرة حتّى أنّه قام مسرعا و عاد إلى المدينة دون حتّى أن يخبر أصحابه. و أرجّح أنّ الدافع لهذه الشكوك هو أنّهم لم يعارضوه حين طلب منهم المساهمة في ديّة القتيلين و وافقوا بسرعة فظنّ أنّهم يعدّون لخدعة, لكنّنا سنرى أنّهم فعلا يخافون من النبيّ و ما وافقوا إلاّ بسبب الخوف.
و ربّما كانوا ينوون فعلا الغدر به و استطاع محمّد بفضل قدرته على قراءة النفوس أن يشعر بهذا الأمر.
و هناك احتمال أن يكون سمع حركة ما خلف الجدار [حيث تقول الرواية أنّ أحدهم حمل صخرة ليلقيها على النبيّ و هو جالس ينتظر تحت الجدار و معه أبو بكر و عمر و عليّ و غيرهم] و يبدو أنّ النبيّ كان جالسا بينما كانت كلّ حواسه تراقب المكان بتركيز شديد, فشعر بالخدعة.هذا إن صحّت رواية إلقاء الصخرة.
نغلق القوس.
إذن بعد أن عاد محمّد إلى المدينة قام بإرسال محمّد بن مسلمة إلى بني النضير قائلا:’’ اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشرا فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه ’’ 5’’
و مباشرة وافق بنو النضير!
موافقتهم السريعة هذه تشير إلى أنّهم كانوا يخشون النبيّ فعلا و أنّه يعني ما يقول [ و لهم في بني قينقاع و اغتيال كعب بن الأشرف عبرة حسنة] و بدؤوا يتجهّزون للرحيل حتّى أنّهم اكتروا بعض الإبل بسبب كثرة أمتعتهم, و لكن عبد الله بن أبي سلول تدخّل في الأمر و قال لهم: ’’لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان ’’ ’’6’’
و هكذا تراجع بنو النضير عن الرحيل و أرسلوا إلى محمّد قائلين: ’’إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك’’ ’’7’’
فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير وكبر المسلمون لتكبيره وقال حاربت يهود فصار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه فصلى العصر بفضاء بني النضير وعلي رضي الله تعالى عنه يحمل رايته فجاء النبيّ و حاصرهم, و لم تتدخّل بنو قريظة و لا غطفان و لا أبو سلول نفسه [من الغريب أنّ أراء أبا سلول تصبّ دائما في صالح النبيّ و كأنّهما متّفقان على هذه الخدعة, و لولا أنّه تراجع عن القتال يوم أحد و ترك النبيّ يقاتل وحده لقلنا أنّه يلعب دور المعارضة عمدا باتّفاق بينه و بين محمّد]
و دام الحصار 15 يوما و قام النبيّ بإحراق النخيل المحيط بهم فقالوا له:’’يا محمد ، قد كنت تنهي عن الفساد ، وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخيل وتحريقها ؟ ’’ ’’8’’
فنزل القرآن يشرّع العمليّة, يقول ابن هشام: . (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ). واللينة : ما خالف العجوة من النخل (فبإذن الله ) : أي فبأمر الله قطعت ، لم يكن فسادا ، ولكن كان نقمة من الله ( وليخزي الفاسقين ) . ’’9’’
و استسلمت بنو النضير فزاد النبيّ في شروطه فأمرهم أن يرحلوا و يحملوا معهم على الإبل ما شاؤوا إلاّ الأسلحة, فخرج بنو النضير و قصدو خيبر.[ لا يهمّ النبيّ أمر أمتعتهم لأنّ أهمّ شيء عندهم تركوه و هو الأراضي الكثيرة]
فتقاسم النبيّ الأراضي و وزّعها على أصحابه: ’’10’’ فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمس عشرة ليلة ثم صالحوه على أن يخرجوا من بلده ولهم ماحملت الإبل إلا الحلقة والآلة [أي إلاّ السلاح] ولرسول الله صلى الله عليه وسلم أرضهم ونخلهم والحلقة وسائر السلاح والحلقة الدروع.
فكانت أموال بني النضير خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يزرع تحت النخل في أرضهم فيدخل من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة [أصبح النبيّ يقتات من مدخول أراضي بني النضير]ومافضل جعله في الكراع والسلاح.
وأقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أرض بني النضير أبا بكر وعبد الرحمن بن عوف وأبا دجانة سماك بن خرشة الساعدي وغيرهم.
يتبع...........................
1-البخاري يقول كانوا سبعين رجلا, راجع صحيحه/كتاب المغازي
و كذلك ابن سعد في الطبقات/الجزء الثاني
و كذلك ابن سيّد الناس في عيون الأثر و غيره
لكنّ بعض الروايات تقول كانوا ثلاثين فقط و أخرى تقول كانوا أربعين.
2-المصادر السابقة
3-صحيح البخاري/كتاب المغازي
* يقول ابن سعد في الطبقات و ابن الأثير في الكامل في التاريخ :ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى ما وجد على قتلى بئر معونة فأنزل الله فيهم قرآنا حتى نسخ بعد بلغوا قومنا عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه و يقول الحلبي في السيرة الحلبيّة أنّهم كانوا يقرؤون [هذه الآية] في القرآن زمنا ثمّ أُنسيتْ
و يقوا ابن سيّد الناس في عيون الأثر: قال أنس أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه ثم نسخ بعد " أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه "
4-الطبقات الكبرى/ابن سعد/الجزء الثاني
و راجع كلّ كتب السيرة و صحيح البخاري في المغازي
5-المصدر السابق
6-المصدر السابق
7-المصدر السابق
8-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
9-المصدر السابق
و قال الطبري-فيما قال-: وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَجْل أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَطَعَ نَخْل بَنِي النَّضِير وَحَرَقَهَا , قَالَتْ بَنُو النَّضِير لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّك كُنْت تَنْهَى عَنْ الْفَسَاد وَتَعِيبهُ , فَمَا بَالك تَقْطَع نَخْلنَا وَتُحْرِقهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَا قَطَعَ مِنْ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَرَكَ , فَعَنْ أَمْر اللَّه فَعَلَ /تفسير الطبري-سورة الحشر-آية 5
10-البلاذري/فتوح البلدان/الجزء الأوّل
33
بعد غزوة بني النضير و إجلائهم و ’’تأميم’’ أراضيهم سنذكر و على عجالة الأحداث التي حدثت في تلك السنة:
التاريخ 4 هجري و هو ما يوافق 625-626 ميلادي
غزوة ذات الرقاع, لم تحدث فيها حرب و عاد المسلمون إلى المدينة.
ولادة الحسين بن عليّ و امّه فاطمة بنت النبيّ
وفاة عبد الله بن عثمان بن عفّان و هو ابن ستّ سنين و امّه رقيّة بنت النبيّ
زواج النبيّ من زينب بنت خزيمة و توفّيت بعد ثلاثة أو ثمانية شهور
زواج النبيّ مرّة أخرى من أمّ سلمة بنت أبي أميّة, و قد رفضت مرارا عرض النبيّ قبل ذلك بحجّة أنّها امرأة شديدة الغيرة [ أي لا تقبل أن يتزوّج النبيّ بغيرها في حياتها, و لأنّ لها أطفالا عديدين] و في الأخير وافقت و تزوّجت
غزوة بدر, لم تحدث فيها حرب و قام المسلمون بالمشاركة في سوق بدر بينما لم تشارك فيه قريش
النبيّ يطلب من زيد بن ثابت أن يتعلّم التوراة أو السريانيّة أو العبريّة [حسب الروايات]
هذا على عجالة أهمّ الأحداث التي وقعت في تلك السنة.
و في شهر ربيع الأوّل سنة 5 هجري/أوت-آب 626 ميلادي, بلغ النبيّ أنّ هناك من يجمع الرجال في دومة الجندل فـ’’1’’ خرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول في ألف من المسلمين فكان يسير الليل ويكمن النهار[أي يسير في الليل و يستريح في النهار] ومعه دليل له من بني عذرة يقال له مذكور فلما دنا منهم إذا هم مغربون وإذا آثار النعم والشاء فهجم على ماشيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد بها أحدا فأقام بها أياما وبث السرايا وفرقها فرجعت ولم تصب منهم أحدا [على الأقلّ أصاب النعم و الماشية]
و بعد أربعة شهور - و كالعادة - سمع النبيّ أنّ هناك من يجمع الرجال ضدّه من بني المصطلق, فأعدّ جيشا [ فيه 30 فرسا] و خرج لقتالهم ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم إنسان وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد ’’2’’
و كانت غنيمة كبيرة: ’’3’’
الإبل: ألفا بعير
الشاء: خمسة آلاف شاء
وأمر بالأسارى فكتّفوا (..) وأمر بالغنائم فجمعت (...) وجمع الذرية ناحية [ أي جمعهم في مكان معيّن] (...) واقتسم السبي وفرّق وصار في أيدي الرجال وقسم النعم والشاء فعدلت الجزور بعشر من الغنم وبيعت الرثة في من يزيد وأسهم للفرس سهمان ولصاحبه سهم وللراجل سهم ’’4’’
و طبعا بدؤوا في اقتسام السبايا من النساء [ هؤلاء النساء هنّ عربيّات من قبائل عربيّة مثلهم, و ربّما على هذا القياس قال الإمام الشافعي أنّه يجوز استرقاق العرب] و كانت من بين السبايا جويريّة بنت الحارث [ابنة سيّد القبيلة] فوقع سهمها مع ثابت بن قيس, و لنستمع لعائشة تروي لنا الحكاية: ’’5’’ قالت : لمّا قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق ، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس ، أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسها ، [ أي أرادت فداء نفسها ] وكانت امرأة حلوة مُلاّحة ، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها ؛[ جاءت للنبيّ تطلب منه أن يساعدها, هل حقّا جاءت لأجل ذلك أم أنّها سمعت عن حبّ النبيّ للنساء و أنّه لن يصمد طويلا أمام جمالها و بالتالي رأت أن تفوز بسيّد القوم و هي ابنة سيّد القبيلة؟ ] قالت عائشة : فوالله ما هو إلا ان رأيتها على باب حجرتي فكرهتها ، وعرفت أنه سيرى منها صلى الله عليه وسلم ما رأيت ، [عائشة ما أن رأتها حتّى علمت أنّ النبيّ سيتزوّجها مباشرة, و المرأة أعلم الناس بزوجها ] فدخلت عليه ، فقالت : يا رسول الله ، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ، سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء ، ما لم يخف عليك ، فوقعتُ في السهم لثابت بن قيس بن الشماس ، أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسي ، فجئتك أستعينك على كتابتي ؛ قال : فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول الله ؟ [ أظنّها فهمت الأمر مباشرة في عينيه و هل تخفى عليها نظرة الشوق؟ و لكنّها تتعمّد عدم الفهم] قال : أقضي عنك كتابتك و أتزوجك ؛ قالت : نعم يا رسول الله ؛ قال : قد فعلت. [ قال النبيّ قد فعلت دون حتّى أن يأخذ رأي ثابت بن قيس, و هذا مفهوم فجمال المرأة أقوى من أن يدخل محمّد في مفوضات مع شخص من جنده , و بعض الروايات تقول أنّه اخذ رأيه لكنّ الإتّفاق على كلّ حال منذ البداية لم يكن بعلمه]
و تروي بعض الأخبار أنّ النبيّ أعتق جويريّة ثمّ تزوّجها: ’’6’’ زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي قال أعتق رسول الله جويرية واستنكحها وجعل صداقها عتق كل مملوك من بني المصطلق وكانت من ملك اليمين فأعتقها وتزوجها قال ابن سعد وغيره بنو المصطلق من خزاعة وكان زوجها قبل أن يسلم ابن عمها ( مسافع بن ) صفوان ابن أبي الشفر وقد قدم أبوها الحارث على النبي فأسلم وعن جويرية قالت تزوجني رسول الله وأنا بنت عشرين سنة
و إنّي أتساءل عن هذا التناقض؟
فمن ناحية يقولون هي ابنة سيّد القوم, و من ناحية يقولون مملوكة!
و الظاهر أنّ الذي دفعهم لقول ذلك- أو بالأحرى تبريره- هو أنّها كانت متزوّجة من ابن عمّها [ أي أنّ النبيّ سبى امرأة حرّة] و لكنّهم جعلوها فقط ملك يمين ابن عمّها فقط, فهل يقبل أبوها أن تكون ابنته ملك يمين و هو سيّد القبيلة؟
و قرّر الجيش العودة إلى المدينة,و في الطريق توقّفوا ليرتاحوا قليلا [و ربّما باتوا ليلتهم هناك] و قبل أن يرحلوا ذهبت عائشة إلى الخلاء لقضاء حاجة [ أي إلى الحمّام ] و حين عادت لم تجد عقدها, فرجعت تبحث عنه [ تقول: (و في عنقي عقد لي, فيه جزع ظفار) و الجزع هو الخرز, و ظفار هو مكان في اليمن , أيّ أن عقدها من خرز يمانيّ, فما قيمة هذا العقد أصلا الذي عادت تبحث عنه؟ و لكن ربّما هو حكم السنّ, فعمرها يكون 12 سنة في هذه الحادثة ] و أثناء بحثها حملوا هودجها و وضعوه على الناقة دون أن يشكّوا في شيء و رحل الجيش.
و بعد أن وصل الجيش إلى المدينة, وتفرّقوا, و جاء وقت الظهيرة, إذ بصفوان بن المعطّل يدخلها و معه عائشة راكبة على ناقة له يقودها.’’7’’
SCANDALO!
و بدأ الناس يتكلّمون و انتهزها عبد الله بن أبيّ بن سلول فرصة و كيف لزوجة رسول أن تبقى في الخلاء مع رجل غريب, و محمّد لا يدري ماذا يفعل فذهب إلى عائشة التي تروي لنا : ’’8’’ ثم دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندي أبواي ، وعندي امرأة من الأنصار ، وأنا أبكي ، وهي تبكي معي ، فجلس ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : يا عائشة ، إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس ، فاتقي الله ، وإن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ؛[ يعني إن كنت فعلت شيئا فاعترفي فإنّ الله يقبل التوبة] قالت : فوالله ما هو إلا أن قال لي ذلك ، فقلص دمعي ، حتى ما أحس منه شيئا ، وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يتكلما ،[أبو بكر لا يستطيع أن يقول شيئا ] قالت : وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي ، وأصغر شأنا من أن ينزل الله فيّ قرآنا يُقرأ به في المساجد ، ويُصلى به ، ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه شيئا يكذب به الله عني [طبعا عائشة أنكرت تماما أن يكون حدث شيء ]
و النبيّ يكاد يأكله الشكّ, فخرج و استشار عليّ بن أبي طالب و أسامة بن زيد, فأمّا أسامة فنفى أن تكون عائشة فعلت شيئا, بينما عليّ قال له : ’’9’’ يا رسول الله ، إن النساء لكثير ، وإنك لقادر على أن تستخلف ، وسل الجارية ، فإنها ستصدقك . [ أيّ أنّ عليّا طلب من النبيّ أن يطلّق عائشة, و هذه الجملة التي قالها عليّ ستكون لها آثار وخيمة بعد ستّة و عشرين عاما في معركة الجمل و يموت فيها كثير من المسلمين و لن تنسى عائشة أبدا ما قاله عليّ ] ثمّ أشار عليّ أن يستجوبوا الجارية ’’بريرة’’ فـ ’’10’’ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بُريرة ليسألها ؛ قالت : فقام إليها علي بن أبي طالب ، فضربها ضربا شديدا ، ويقول : اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قالت : فتقول والله ما أعلم إلا خيرا ، وما كنت أعيب على عائشة شيئا
و لكن يجب على النبيّ أن يُسكت هذه الإشاعات التي تنتشر في المدينة [ و ربّما تستنقص من نبوّته ] فجمع الناس في المسجد و خطب فيهم: ’’11’’ أيها الناس ، ما بال رجال يؤذونني في أهلي ، ويقولون عليهم غير الحق ، والله ما علمت منهم إلا خيرا ، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا ، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي فالنبيّ و رغم شكوكه فهو يحاول لملمة الأمر أمام الناس و يبدو كأنّه متأكّد من براءة عائشة [ بينما الأمور في قرارة نفسه تختلف ] و ما أن أنهى خطبته حتّى قام رجل من الأوس و قال : ’’12’’ فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة ، قال أسيد بن حضير : يا رسول الله ، إن يكونوا من الأوس نكفكهم ،[أي إن كان ناشرو الإشاعات من الأوس فسنتكفّل بهم ] وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج ، فمرنا بأمرك ، فوالله إنهم لأهل أن تُضرب أعناقهم ؛[ و إن كانوا من الخزرج فأمرنا و سنضرب أعناقهم ] قالت : فقام سعد بن عبادة ، [ هو من الخزرج ] وكان قبل ذلك يُرى رجلا صالحا ؛ فقال : كذبت لعمر الله ، لا نضرب أعناقهم ، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا ،[ أي أنّك قلت هذا لأنّك تعرف أنّ ناشري الإشاعات هم رجال من الخزرج] فقال أسيد : كذبت لعمر الله ، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين ؛ قالت : وتساور الناس ، حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر [و أصبحت المسألة قضيّة أمن دولة, و بدأت بوادر الشقاق تنتشر]
فتركهم النبيّ و عاد إلى عائشة مرّة أخرى و طلب منها أن تعترف [ و لنا أن نتصوّر حالته النفسيّة ] لكنّها أنكرت جملة و تفصيلا و قالت فيما معناه أنّها حين بقيت لوحدها في الخلاء مرّ بها صفوان و عرف أنّها زوجة النبيّ [ لم تكن متحجّبة و ذلك قبل نزول الحجاب] فسألها فلم تجبه [ لاحظوا أنّها حتّى تنفي أن تكون كلّمته أصلا, و هذا غير صحيح و لكنّها بدافع الخوف تريد أن تنفي أيّ شيء يمكن أن يتمّ تأويله ] فأدار وجهه حتّى ركبت على ناقته ثمّ عاد بها إلى المدينة.
و السؤال هل يمكن ان تكون عائشة قد خانت فعلا؟
هل تكون قد غارت من جويريّة التي تزوّجها النبيّ, مع العلم أنّ الجيش توقّف و بات قبل الوصول إلى المدينة و ربّما دخل النبيّ بجويريّة في تلك الليلة, بينما بقيت عائشة في هودجها وحيدة؟
لكن هل تقدر فعلا -و كذلك صفوان- على أمر كهذا و هما يعرفان أنّ النبيّ لا يتساهل في هذه الأمور؟
أميل إلى أنّ الرواية التي روتها عائشة صحيحة و أنّه لم يحدث شيء, و ربّما و بخبرة النبيّ و ترجيحه للإحتمالات رأى أنّها بريئة,مع وجود طبعا احتمال ألاّ تكون كذلك, و فجأة بدأ العرق يتصبّب على وجهه فألقوا عليه رداء [ كان كلّما نزل عليه الوحي قاموا بتغطيته] و وضعوا تحت رأسه وسادة, و هم ينتظرون ماذا سيأتي به الوحي و الناس في ترقّب شديد.
ثمّ أفاق النبيّ مبتسما و أعلن براءة عائشة و ذلك بتدخّل الله شخصيّا في هذه المسألة: ’’13’’
إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ 11
لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ 12
لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ 13
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 14
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ 15
وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ 16
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 17
و طبعا لكي يكفّ الناس عن نشر الإشاعات لا بدّ من نهي إلهيّ مباشر, : ’’ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين’’ و بالتالي فمن سيواصل الكلام في هذا الأمر فهو سيعصي الله و ليس فقط النبيّ, و عقابه معروف.
ثمّ أمر النبيّ بجلد حسّان بن ثابت و مسطح بن أثاثة و حمنة بنت جحش [ تمّ تطبيق حدّ قذف المحصنات عليهم لأنّهم كانوا ممّن تكلّم في عائشة] ’’ فلما أنزلت براءتها جلدهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانين جلدة إلا عبد الله بن أبي بن سلول فإنه لم يجلده ’’ ’’14’’ و نلاحظ أنّه لم يطبّق الحدّ على عبد الله بن أبيّ بن سلول و يبدو أنّه كان لا يزال في منعة في قومه و له كلمته التي يقولها, و هو الوحيد في المدينة الذي يستطيع معارضة النبيّ جهارا, و لنا أن نتساءل لماذا لم يقم النبيّ باغتياله؟
يتبع........
1-الطبقات الكبرى/ابن سعد/الجزء الثاني
و كذلك كلّ كتب السيرة
البخاري يقول في التاريخ الكبير: بعد ’’حدّثني’’ و ’’عن’’ أن النبي أغار على بني المصطلق وهم غارون في أنعامهم تسقى على الماء فقتل المقاتلة وسبى الذرية وسبى جويرية بنت الحارث حدثني بذلك عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش أي أنّ النبيّ أغار عليهم و هم غافلون و ليسوا مستعدّين للحرب, و قد رجّح ابن سعد الرواية التي أوردتها أعلاه, و رغم أنّي أوردتها فإنّي أميل لقول البخاري و قوله أنّهم كانوا غافلين و الدليل هو كثرة الغنائم و السبي في هذه الغزوة ممّا يوحي بانّهم لم يكونوا مستعدّين فعلا.
2-المصدر السابق
3-المصدر السابق
4-المصدر السابق
5-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
6-سير أعلام النبلاء/الحافظ الذهبيّ/ باب جويرية
7-ابن هشام/الجزء الرابع
و راجع صحيح البخاري
8-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
9-المصدر السابق
10-المصدر السابق
11-المصدر السابق
12-المصدر السابق
13-سورة النور/11-17
14-التنبيه و الإشراف/المسعودي /7-15
34
فهناك اختلاف في تواريخ الأحداث و لا يهمّنا الإختلاف في ثلاثة أو أربعة شهور و إنّما سنشير إلى الإختلاف في السنوات, فمثلا حادثة الإفك هذه يرويها ابن هشام بعد غزوة الخندق و في سنة 6 هجري, بينما يرويها ابن سعد قبل غزوة الخندق في سنة 5 هجري.
و أعتقد أنّ الأمر يعود إلى التقويم المستعمل فهنالك من يعتمد الشهر الذي وصل فيه النبيّ إلى المدينة هو بداية التقويم أي بداية من ربيع الأوّل/0 هجري, و هنالك من يبدأ بأوّل السنة [ و هو ما فعله عمر بن الخطّاب حين وضع التقويم الهجري] أي 1 محرّم سنة 0 هجري, و هنالك من يبدأ بشهر محرّم الذي جاء بعد الهجرة أي 1 محرّم سنة 1 هجري.
لذلك نجد الإختلافات في سنة أو سنتين في الأحداث.
و قد لفت انتباهي قول ابن الأثير في اسد الغابة في معرفة الصحابة, في المقدّمة, قوله:
وفي السنة الثالثة كانت غزوة أحد في شوال، وفيها، وقيل سنة أربع، حرمت الخمر في ربيع الأول.
وفي سنة أربع صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وقيل: إن فيها قصرت الصلاة.
وفيها رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودي واليهودية والقصة معروفة.
وفيها نزلت آية التيمم.
وفي سنة خمس نزلت آية الحجاب في ذي القعدة.
وفيها زلزلت المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يستعتبكم فأعتبوه" وفيها كانت غزوة الخندق.
وفي سنة ست قال أهل الإفك ما قالوا في غزوة بني المصطلق.
وفيها قال عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".
وفيها كسفت الشمس، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف وهي أول ما صليت.
وفيها في ذي القعدة اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة الحديبية، وبايع بيعة الرضوان تحت الشجرة.
الذي يلفت الإنتباه هو قوله :
وفيها كسفت الشمس.
و مثل هذه العلامات يحتاجها الباحث في التاريخ للتأكّد من صدق المعلومات و تاريخيّتها و قد عدت إلى موقع نازا فوجدت أنّ كسوف الشمس حدث مرّتين في الفترة بين 0 هجري و 10 هجري = 622 ميلادي و 632 ميلادي, في الجزيرة العربيّة و كانا واضحين في المدينة.
أمّا الكسوف الأوّل فقد حدث سنة 627 يوم 21 أفريل و هو ما يوافق ما أورده ابن الأثير أعلاه [ أي سنة 6 هجري مع العلم أنّ هناك هامش بثلاثة شهور كما أوضحت في كيفيّة استعمال التقويم الهجري من طرف الإخباريّين]
و الثاني حدث 27 جانفي سنة 632 , و تروي الأخبار [لا أستحضرها حاليّا لأنّي أكتب من الذاكرة ] أنّ إبراهيم ابن النبيّ من ماريّة توفّي في السنة العاشرة للهجرة قبل وفاة الرسول بقليل و أنّه حدث كسوف للشمس في ذلك اليوم و هو أيضا ما يوافق تاريخ الكسوف مع اختلاف في الشهور.
صورتان توضيحيّتان:


يتبع.......
35
و إذ نرى أنّ القرآن نزل لتبرئة عائشة في حادثة الإفك فإنّه لن يتوقّف عند ذلك الحدّ, فسيهتمّ القرآن أكثر بحياة النبيّ العائليّة [ و قد كان من قبل مقلاّ في هذا الأمر] و سيركّز القرآن في تلك الفترة على علاقات النبيّ مع النساء, ممّا يجعل عائشة تقول للنبيّ : إنّ الله يسارع في هواك : ’’1’’ عن هشام عن عروة عن أبيه قال كانت خولة بنت حكيم من اللائى وهبن أنفسهن للنبي فقالت عائشة أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت { ترجي من تشاء منهن } قلت يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك قال البخاري رواه أبو سعيد المؤدب ومحمد بن بشر وعبدة عن هشام عن أبيه عن عائشة يزيد بعضهم على بعض وفي حديث زكريا بن يحيى عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله وذكر نحوه وكذا في رواية أبي كريب عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت وذكر نحوه وفيه فلما أنزل الله { ترجي من تشاء منهن } قالت قلت والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك
و من ضمن هذه التدخّلات القرآنيّة هو زواجه من زينب بنت جحش.
و ذلك أنّ النبيّ ’’2’’ جاء بيت زيد يطلبه فلم يجده، فتقدمت إليه زينب، فأعرض عنها، فقالت له: ليس هو هنا يا رسول الله فادخل، فأبى أن يدخل وأعجبت رسول الله، أي لأن الريح رفعت الستر فنظر إليها من غير قصد فوقعت في نفسه، فرجع وهو يقول «سبحان مصرّف القلوب» وفي رواية «مقلب القلوب» وسمعته زينب يقول ذلك، فلما جاء زيد أخبرته الخبر، فجاء إليه وقال: يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها لك، فقال له رسول الله : أمسك عليك زوجك
لكنّ ابن كثير ’’3’’ يرويها بطريقة أخرى [ موردا رأيه في الرواية أعلاه] : وقد ذكر غير واحد من المفسرين، والفقهاء، وأهل التاريخ في سبب تزويجه إياها عليه السلام حديثاً ذكره أحمد بن حنبل في مسنده، تركنا إيراده قصداً لئلا يضعه من لا يفهم على غير موضعه. ثمّ يقول: ’’4’’
وقد تكلم كثير من السلف ها هنا بآثار غريبة، وبعضها فيه نظر، تركناها (...) ثم روى البيهقي: من طريق عفان، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: جاء زيد يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمسك عليك أهلك)) فنزلت {وتخفي في نفسك ما الله مبديه}
ثم قال أخرجه البخاري: عن محمد بن عبد الرحيم، عن يعلى بن منصور، عن محمد مختصراً
لكن لماذا جاء زيد إلى النبيّ يشكو من زوجته زينب ؟
نعود إلى القصّة من البداية و قبل أن يتزوّج بها زيد أصلا:
ذهب النبيّ ’’5’’ ليخطب على فتاة زيد بن حارثة فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها [ أي أنّ النبيّ أراد تزويج زينب لزيد ] قالت: لست بناكحته قال: بلى فانكحيه قالت: يا رسول الله أوامر في نفسي ,فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ,الآية, قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا قال: نعم قالت: اذن لا أعصي رسول الله قد أنكحته نفسي "
و كما نلاحظ فقد رفضت زينب منذ البداية الزواج من زيد, لأنّها خير منه حسبا:
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " خطب رسول الله زينب بنت جحش لزيد بن حارثة فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسبا وكانت امرأة فيها حدة فأنزل الله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة
و القرآن تدخّل مرّتين في أمرها: مرّة في تزويجها من زيد و مرّة في تطليقها منه و تزويجها من النبيّ!
لذلك فإنّها كانت - و على ما يبدو - تطمع في الزواج من النبيّ, فليس من الغريب أن تكون قد أثارته تعمّدا منها و هو ما حدث فعلا, بل و أخبرت زيدا بذلك, و ربّما فكّر زيد في حاله فهو في الأخير كان مملوكا للنبيّ و لا يستطيع أن يخالف أمر سيّده [ خاصّة أنّ القرآن تدخّل و إذا رفض زيد فهو لا يعصي النبيّ فقط بل و يعصي الله, ثمّ إنّ زوجته لا تريده]
و العجيب في الأمر هو أنّ النبيّ أرسل زيدا نفسه ليخطب له زينب! : ’’7’’ وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم - يعني ابن القاسم - حدثنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال النبي لزيد: «اذهب فاذكرها علي». [ أي اذهب و اخطبها لي ]
فانطلق حتى أتاها، وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، إن رسول الله ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله بذكرك،[ يقول لها أبشري, فإمّا أنّه مؤمن إيمانا قاطعا أنّ النبيّ لا يتصرّف من نفسه و أنّ الله هو الذي أمر بذلك, و الله أعلم و أحكم منه حتّى و إن كان الأمر يمسّ زوجته, و إمّا أنّه لم يرد إغضاب النبيّ و هو سيّد نعمته و قال في نفسه أنّ النساء غيرها كثير, كما أنّ القرآن ذكّره بقدره الحقيقيّ حين قال: (واذ تقول للذي انعم الله عليه وانعمت عليه ) ] قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي عز وجل
و قام النبيّ بإعداد وليمة ثمّ دخل بزينب دون عقد زواج, تقول زينب: ’’8’’ فلما انقضت عدّتي لم أشعر إلا والنبي [دخل عليّ ] وأنا مكشوفة الشعر فقلت: هذا أمر من السماء دخلتَ يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة, قال: الله المزوّج وجبريل الشاهد
و يلخّص لنا السيوطي القصّة: ’’9’’
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه وابن عساكر من طريق الكميت بن يزيد الأسدي قال: حدثني مذكور مولى زينب بنت جحش قالت " خطبني عدّة من أصحاب النبي فأرسلت اليه أخي يشاوره في ذلك [أي من الذي يريد الزواج من زينب؟ ] قال [ أي النبيّ ]: زيد بن حارثة ,فغضبتْ وقالتْ: تزوّج بنتَ عمّتك مولاك ؟ ثم أتتني فأخبرتني بذلك فقلت: أشدّ من قولها وغضبتُ أشدّ من غضبها, فأنزل الله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم, فأرسلتُ اليه زوّجني من شئت, فزوّجني منه فأخذته بلساني [أي أنّ زينب حين تزوّجت من زيد قامت بتعييره و أنّها خير منه] فشكاني إلى النبي فقال له: اذن طلّقها, [ في البداية قال له أمسك عليك زوجك, و لكنّ السيوطي يختصر القصّة هنا, و ربّما اكتشف النبيّ أنّه أخطأ من تزويح زيد من زينب,حيث أنّها لا تريده أبدا, و لكنّ المشكل أنّه انزل فيهما قرآنا و بالتالي و لكي يطلّقهما أنزل أيضا قرآنا ] فطلّقني فبتّ طلاقي, فلما انقضت عدّتي لم أشعر إلا والنبي وأنا مكشوفة الشعر فقلت: هذا أمر من السماء دخلت يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة قال: الله المزوّج وجبريل الشاهد .
فالله و جبريل يتابعان هذه القصّة منذ البداية, و القرآن يقوم بالتوثيق, و المسلمون - فيما بعد - يقرؤونها في صلواتهم و يتعبّدون بها!
و قبل أن نمرّ إلى غزوة الخندق نعود قليلا إلى غزوة بني المصطلق و التي تزوّج فيها النبيّ من جويريّة و وقعت حادثة الإفك, فقد وقعت حادثة أخرى أيضا بين النبيّ و عبد الله بن أبيّ بن سلول:
حيث أنّه حدث مشادّة بين شخصين على إحدى الغنائم, ’’10’’ فاقتتلا ، فصرخ الجهني : يا معشر الأنصار ، وصرخ جهجاه : يا معشر المهاجرين ؛ فغضب عبدالله بن أبي بن سلول ، [غضب لأنّ بعض المهاجرين قاموا ضدّ الأنصار] وعنده رهط من قومه فيهم : زيد بن أرقم ، غلام حدث ، فقال : أو قد فعلوها ،[ أي هل تجرّؤوا على ذلك؟ ] قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ، [أي نحن من استقبلهم و ضيّفهم في المدينة حتّى بدؤوا يتكاثرون علينا ] والله ما أعدنا [ ما أرانا] وجلابيب قريش [جلابيب قريش كانت صفة يطلقها البعض على المهاجرين تهكّما ] إلاّ كما قال الأوّل : سمّن كلبك يأكلك ، [ لا تحتاج لتعليق ] أما والله لئن رجعنا إلا المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل [أي يعني ليخرجنّ عبد الله بن أبيّ الذي هو الأعزّ, محمّدا الذي هو الأذلّ ]
نواصل: ’’11’’
ثم أقبل على من حضره من قومه ، فقال لهم : هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمستكم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم . فسمع ذلك زيد بن أرقم ، فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ أي روى للنبيّ ما قاله ابن سلول ] وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه ، فأخبره الخبر ، وعنده عمر بن الخطاب ، فقال : مُرْ به عباد بن بشر فليقتله ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ! لا ولكن أذن بالرحيل ، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها ، فارتحل الناس
و حين عرف ابن سلول أنّ النبيّ سمع ما قال, حلف بالله : ما قلت ما قال ، ولا تكلمتُ به - وكان في قومه شريفا عظيما - ، فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه : يا رسول الله ، عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ، ولم يحفظ ما قال الرجل ، حدبا [أي دفاعا ] على ابن أبي سلول ، ودفعا عنه
تجدر الإشارة إلى أنّ عبد الله بن عبد الله بن ابيّ بن سلول اقترح على النبيّ قتل أبيه بنفسه : ’’12’’ فقال : يارسول الله ، إنه بلغني أنك تريد قتل عبدالله بن أبي فيما بلغك عنه ، فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به ، فأنا أحمل إليك رأسه ،(...) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل نترفق به ، ونحسن صحبته ما بقي معنا .
و كما نرى فإنّ النبيّ لا يريد اغتيال عدوّه و معارضه في الحكم, و هذا الأمر يستحقّ دراسة معمّقة لمعرفة علاقة النبيّ به.
يتبع........
1-الجمع بين الصحيحين للحميدي/الجزء الخامس
2-السيرة الحلبيّة / برهان الدين الحلبي/غزوة بحران
و راجع الكامل في التاريخ/ ابن الأثير/الجزء الأوّل
3-البداية و النهاية / ابن كثير/الجزء الرابع
4-المصدر السابق
5-الدرّ المنثور/السيوطي/سورة الأحزاب
6-المصدر السابق
7-البداية و النهاية/ابن كثير/الجزء الرابع
8-الدرّ المنثور/السيوطي/سورة الأحزاب
9-المصدر السابق
10-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
11-المصدر السابق
12-المصدر السابق
36
لكنّ بني النضير الذين تمّ إجلاؤهم إلى خيبر لم يسكتوا عن سلبهم أراضيهم و إخراجهم منها فاجتمع بعض السادة فيهم منهم سلام بن أبيّ الحقيق [سيقوم محمّد باغتياله فيما بعد] و حييّ بن أخطب [ والد صفيّة زوجة النبيّ سيأمر محمّد بقتله في غزوة بني قريظة] و كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق [هو زوج صفيّة التي تزوّجها النبيّ سيقوم محمّد بتعذيبه و قتله في غزوة خيبر لأنّه لم يعترف بمكان وجود الكنز كما سيأتي لاحقا] و شخصان آخران, ذهبوا إلى قبائل غطفان و حرّضوها على غزو محمّد و إلى قريش و قبائل أخرى: ’’1’’خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله.
فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه.
قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه (...) فلما قالوا ذلك لقريش سرّهم،[أي فرحت قريش لأنّ دينها خير من دين محمّد و هذا كلام غريب و يتّضح لنا أنّ الذي يروي الرواية هو متأخّر و يسقط قيمه على قيم أخرى قبله] ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، [ لا أدري ما الذي يجعل قريش تنشط لمهاجمة النبيّ؟ إن كان من أجل الدين فهذا آخر ما تفكّر فيه و إن كان من أجل تامين قوافلها فلماذا لم تعد إليه قبل ذلك اليوم و كأنّها تنتظر من سيأتي و يشجّعها, عموما فإنّ السيرة تقدّم لنا قريشا-أحيانا- على أنّهم قوم أغبياء بعض الشيء! و لا أظنّ حقيقة الأمر كذلك] ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه.
و خرجت قريش و حلفاؤها في عشرة آلاف [ بعض الروايات تقول 20 ألف ] فيهم 500 فرس تقريبا, و هذا الرقم [10 آلاف] هو رقم كبير بالنسبة للحروب العربيّة في ذلك الزمن , و حينما سمع النبيّ بخروجهم استشار أصحابه فأشار عليه سلمان الفارسيّ * بحفر الخندق [ الخندق هي كلمة فارسيّة و ليست عربيّة] في الشمال الغربيّ للمدينة و كانوا ثلاثة آلاف مقاتل.
طول الخندق:
لم تذكر المصادر التاريخيّة لا طول و لا عرض و لا عمق هذا الخندق و إن كانت قد أشارت إلى حدوده و نستطيع اليوم أن نقدّر طوله بكيلومتر تقريبا حسب السيد السمهودي يقول: ’’2’’ أن النبي صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أجمة الشيخين في طرف الحرة الشرقية منازل بني حارثة إلى جبل بني عبيد (فالمذاد) أطم لبني حرام غربي مساجد الفتح طرف الحرة الغربية الشمالية، منازل بني سلمة. و يكون عمقه مترين أو ثلاثة و عرضه أربعة أمتار تقريبا.
حفر الخندق:
كان المسلمون قد اقترضوا المعاول و الفؤوس و غيرها من بني قريظة لحفر هذا الخندق و استمرّوا في حفره ستّة أيّام , و أثناء الحفر وقع المسلمون على صخرة لا يستطيعون كسرها فاقترح أحدهم أن يحفروا خلفها لكنّ النبيّ رفض و نزل بنفسه و أخذ المعول و ضرب الصخرة :’’3’’ فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى.
قال: ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى، قال: قلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا الذي رأيت، لمع تحت المعول وأنت تضرب؟
قال: ((أوقد رأيت ذلك يا سلمان ؟)) قال: قلت: نعم.
قال: ((أما الأولى فإن الله فتح علي باب اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح علي باب الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق)).
قال البيهقي: وهذا الذي ذكره ابن إسحاق قد ذكره موسى بن عقبة في (مغازيه).
و هذه الواقعة -إن صحّت- تشير غلى قدرة النبيّ القياديّة , فهم مازالوا في المدينة لا يعرفون كيف سيواجهون عشرة آلاف مقاتل و النبيّ يحدّثهم عمّا بعد ذلك و فتح بلدان أخرى أصعب و أبعد. ممّا دفع البعض أن يقول [ و هم الذين يطلقون عليهم اسم المنافقين] : ’’4’’ ألا تعجبون يعدكم الباطل ويخبركم أنه ينظر من يثرب الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم لا تستطيعون أن تبرزوا ؟ كما نلاحظ أيضا رفض النبيّ أن يحفر بعد تلك الصخرة بل أصرّ على الحفر في المكان الذي رسموه منذ البداية, و ربّما اعتبر تغيير المخطّط نذير شؤم لذلك أراد تطبيقه كما هو.
و من ناحية جنوب المدينة ذهب حييّ بن أخطب إلى كعب بن أسد سيّد بني قريظة يطلب منهم التحالف مع قريش و مهاجمة المسلمين من الخلف :’’5’’ فلما سمع كعب حيى بن أخطب أغلق دونه باب حصنه ، فاستأذن عليه ، فأبى أن يفتح له ، فناداه حيي : ويحك يا كعب ! افتح لي ؛ قال : ويحك يا حيي ، إنك امرؤ مشئوم ، وإني قد عاهدت محمدا ، فلست بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا ؛ قال : ويحك افتح لي أكلمك ؛ قال : ما أنا بفاعل ؛ فقال : ويحك يا كعب ؛ جئتك بعز الدهر وببحر طام ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة ؛ وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد ، قد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه . قال : فقال له كعب : جئتني والله بِذُلِّ الدهر ، وبجهام ( السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه ) قد هراق ماءه ، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء ، ويحك يا حيي ! فدعني وما أنا عليه ، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء . فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب ، حتى سمح له ، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ، ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك . فنقض كعب بن أسد عهده
و وصل الخبر إلى النبيّ أنّ بني قريظة خانوا العهد و لم يعودوا حلفاء مع النبيّ و لكنّه أراد التأكّد فأرسل بعض أصحابه منهم سعد بن معاذ ’’6’’ فقال : انطلقوا حتى تنظروا ، أحَقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ،[أي إن كانوا نقضوا العهد فلا تتكلّموا أمام الناس الحاضرين معي بل أشيروا إليّ بطريقة سرّيّة أفهمها] ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس .[أمّا إن كانوا لا يزالون على العهد فقولوها مباشرة أمام الجميع ] قال : فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ، فيما نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد . فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه ،[ لاحظوا كيف شتموا سعدا و شتمهم و رغم ذلك فالسيرة تقول فيما بعد أنّهم سيرضون النزول على حكم سعد] وكان رجلا فيه حده ؛ فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم ، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة . ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلموا عليه ، ثم قالوا : عضل والقارة ؛ أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع ، خبيب وأصحابه ؛ [أي أنّهم أكّدوا للنبيّ-بطريقة غير مباشرة- أنّ قريظة خانت العهد] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين .[ هنا تتجلّى مرّة أخرى قدرة محمّد القياديّة, فرغم أنّ الخبر الذي وصله كان من الممكن أن يجعله ينهار فإنّه صاح: أبشروا يا معشر المسلمين, حتّى يعتقدوا أنّ قريظة لا تزال معهم]
و يروي ابن كثير المحادثة بين سعد و بني قريظة: ’’7’’ ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير، أو أمر منه.
فقالوا: أكلت أير أبيك.[و هذه شتيمة أي اذهب و لتأكل إير أبيك]
فقال: غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن [ ثمّ بعد ذلك تشاتموا أكثر]
ثمّ ستبدأ أكثر معركة عجيبة عرفها التاريخ!
أو بالأحرى لم تحدث معركة و إنّما مجرّد تراشق بالحجارة و النبال و بعض المنازلات الفرديّة, و هو ما يجعلنا نتساءل عن مدى مصداقيّة هذه الرواية فكيف لجيش يتكوّن من 10 آلاف مقاتل و 500 فارس أمام ثلاثة آلاف مقاتل يظلّون ينظرون إلى بعضهم و يترامون بالحجارة و النبال؟
الجواب: إنّه الخندق فقد كانت خطّة سلمان الفارسي ناجحة.
لكنّ هذا الجواب ضعيف و الدليل التالي:
و هو أنّ الحصار حين طال بدا يشتدّ على المسلمين و لكنّه يشتدّ أيضا على قريش و أحلافها حيث يلزمهم المؤونة التي ربّما لن تكفيهم كثيرا و كذلك كيفيّة إطعام الجياد التي في الجيش, فقاموا بإرسال بعضا من الرجال منهم عكرمة بن أبي جهل إلى بني قريظة ’’8’’ في نفر من قريش وغطفان وقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقامٍ قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدًا. [أي أنّنا بدانا نشكو من نقص المؤونة فهاجموا -يا بني قريظة-محمّدا من الخلف لنهاجم من الأمام]
حيثيّات الوضع:
قريش تنتظر مهاجمة بني قريظة لكي تستطيع المهاجمة, فكم كان عدد مقاتلة بني قريظة؟
1-كانوا بين 600 و 900 , فكيف ينتطر جيش فيه 10 آلاف مقاتل دعم ألف شخص أمام جيش بثلاثة آلاف مقاتل؟
2-لو سلّمنا بقصّة الخندق هذه فلماذا لم يرسلوا خمسة آلاف مقاتل [نصف الجيش مثلا] ليدخلوا من جنوب المدينة؟
3-بنو قريظة إن هاجمت فستهاجم من الجنوب, و قريش طلبت منهم الهجوم أي أنّ قريشا تستطيع الذهاب حتّى بني قريظة و مخاطبتها فلماذا لا تهاجم بنفسها؟
لا جواب لدينا و نتابع مع السيرة:
و يا محاسن الصدف جاء شخص إلى النبيّ من العدوّ و أخبره أنّه مسلم و يكتم إسلامه, فطلب منه النبيّ أن يجد خدعة لثبيط عزائم المحاربين المحاصرين للمدينة, فذهب هذا الشخص و اسمه ’’ نعيم بن مسعود الأشجعي ’’ [ لاحظوا أنّ الأسماء التي ترد في السيرة في أغلب الأحيان تكون مطابقة للشخصيّة فهذا نعيم و مسعود و شجاع] قلنا ذهب إلى بني قريظة و كان نديما لبعضهم و يعرفونه و أشار عليهم أن يطلبوا من قريش ترك رهائن عندهم و ذلك حتّى لا تتراجع قريش أثناء المعركة و تترك اليهود لوحدهم فيختلي بهم النبيّ, فوافق بنو قريظة و قالوا: أشرت بالنصح.
ثمّ ذهب إلى قريش و أخبرهم أنّ بني قريظة تنوي الغدر : ’’9’’ ثم خرج حتى أتى قريشًا فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدًا وقد بلغني أن قريظة ندموا وقد أرسلوا إلى محمد قائلين: هل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم؟
فأجابهم [أي محمّد]: أن نعم
فإن طلبت قريظة منكم رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلًا واحدًا.
ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: أنتم أهلي وعشيرتي.
وقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم.
و هكذا و حين ذهب بعض من قريش إلى بني قريظة يطلبون منها الهجوم, أجابتهم: ’’10’’
فأرسلوا إليهم: إن اليوم السبت لا نعمل فيه شيئًا ولسنا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا ثقةً لنا فإنا نخشى أن ترجعوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل ونحن ببلاده.
فلما أبلغتهم الرسل هذا الكلام قالت قريش وغطفان: والله لقد صدق نعيم بن مسعود فأرسلوا إلى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلًا واحدًا.
فقالت قريظة عند ذلك: إن الذي ذكر نعيم بن مسعود لحقٌ. [ و رفضوا القتال أيضا]
و بدأت قريش تعاني هي أيضا من الطقس العاصف و الرياح فقرّروا الرحيل!
قطعوا كلّ هذه المسافة و ما يلزمها من تكاليف و مصاريف و حاصروا المدينة ثمّ في الأخير عادوا لأنّ 900 مقاتل لم يهاجموا معهم!
احتمال1= النبيّ راهن على طول الحصار و كان يعرف أنّهم لن يصمدوا كثيرا و هو ما حدث.
احتمال2=تمّ تهويل جيش قريش و لم يكن بذلك العدد لذلك كانوا يريدون مددا من بني قريظة من الخلف
احتمال3=لم يحدث شيء من كلّ هذه القصّة [ أو تمّ تهويلها كثيرا] كتمهيد من كتبة السيرة لإعطاء تبرير لإبادة بني قريظة فيما بعد [لكنّ القرآن يذكر أنّ القلوب بلغت الحناجر و أنّهم جاؤوهم من فوقهم و أسفل منهم ]
و هكذا عادت قريش و انكشفت الغمّة عن المسلمين, و حين عاد النبيّ إلى بيته و وضع سلاحه, ظهر له فجأة جبريل لتبدأ ملحمة أخرى.
يتبع........
1-البداية و النهاية/ابن كثير/الجزء الرابع
* سلمان الفارسيّ هذا قصّة إسلامه معروفة و يبدو أنّه تعرّض لبعض المضايقات غير الظاهرة بعد وفاة النبيّ لأنّه ليس عربيّا, من طرف بعض أبناء الصحابة, كما يروي لنا ابن عبد ربّه/العقد الفريد/الجزء الثاني: ’’وخطب سليمان الفارسي إلى عمر-ابن الخطاب- ابنته فوعده بها, فشق ذلك على عبد الله بن عمر فلقي عمرو بن العاص فشكا ذلك إليه.
فقال له: سأكفيكه.
فلقي سلمان فقال له: هنيئاً لك يا أبا عبد الله هذا أمير المؤمنين يتواضع لله عز وجل في تزويجك ابنته.
فغضب سلمان وقال: لا والله لا تزوجت إليه أبداً.’’ و ربّما هذه من الروايات الشيعيّة التي تريد الطعن في عمر و ابنه.
2- مركز بحوث و دراسات المدينة المنورة
3-عيون الأثر في المغازي و السير/ابن سيّد الناس/غزوة الخندق
4-الكامل في التاريخ/ابن الأثير/الجزء الأوّل
5-سيرة ابن هشام/الجزء الرابع
6-المصدر السابق
ابن كثير يرويها بطريقة أخرى نقلا عن موسى بن عقبة في المغازي و ذلك حين أخبر سعد النبيّ بخيانة بني قريظة: ’’قال موسى بن عقبة: ثم تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة، فاضطجع ومكث طويلاً، فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع، وعرفوا أنه لم يأته عن بني قريظة خير، ثم إنه رفع رأسه وقال: ((أبشروا بفتح الله ونصره)).
7-البداية و النهاية/ابن كثير/الجزء الرابع
8-الكامل في التاريخ/ابن الأثير/غزوة الأحزاب
9-المصدر السابق
10-المصدر السابق
37
